إحدى مآسي الذهنية الغوغائية العربية اتهام الجيل الحالي بقلة الوطنية اعتمادا على وهم القومية، فهو جيل لم يكمل المشوار ولم يترب في مدرسة «إذا بلغ الفطام لنا صبي»، جيل ضرب عرض الحائط بانتمائه إلى منظومة من العلاقات المعقدة التي يسودها فخر أرعن ويغلفها رعب من المقدسات، ليست الدينية فحسب، بل تلك المقدسات ذات الطنين المحبب كالعادات والتقاليد وما يتصل بهما.

الغوغائية العربية لم تفكر في بناء الإنسان، قبل الشروع في بناء الأوطان كان يجب التفكير في بناء الإنسان ولا يمكن للإنسان أن يصاغ إذا لم يكن حراً والحرية كلمة مرعبة في وطن تحول إلى معتقل كبير. عملية بناء الإنسان تبدأ عبر تعليمه وتثقيفه بحيث يتحول معه الوطن إلى قيمة عالية مستعد للدفاع عنه بدمه وبذلك يكون الإنسان حراً يبذل روحه للدفاع عن وطن منحه الحرية.

لقد عاشت أجيال كاملة خلال النصف الأول من القرن الماضي وهم القومية والوطن الكبير الخالد، ثم ما لبث ذلك الجيل أن عاش وهما آخر هو وهم الثروة، وهو الجيل الذي يرى بعينيه كيف تراجعت أحلامه وانتهى به المطاف إلى ما نراه اليوم من يأس قاتل. جيل أورثنا الخوف ضمن جملة الأوهام التي صدرها إلينا.

جيلنا الحالي تربى عقائدياً على الخوف، فلا الثقافة حمته ولا التاريخ خلصه، جيل يتطلع للأمان ولا يعرف الطريق الذي يسلكه ويتطلع إلى الخروج من المحنة ولكن بأسلحة الآخرين وخططهم، إلى درجة يصبح فيها التحالف مع الأعداء شكلاً من أشكال الوطنية!

حيث يعمل مدرسوه على حشو رأسه بالتاريخ الناصع والمجيد، بالفتوحات والانتصارات، بالإمبراطورية التي امتدت من الصين إلى أوروبا، فيعيش الطفل في قرون سابقة لعدة سنوات وعندما يصل إلى الحاضر لا يجد أحفادا أبطالا، بل يجد هزائم تتلاحق وأشخاصاً يمجدون ونموراً من ورق يسيطرون على أفكاره وحريته ويخططون له مستقبله فيفشلون ويفشل معهم لأنه نتاج حالة التردي التي عاشها أجداده.

الأجيال التي تتربى على الخوف لا تستطيع حماية أوطانها، ولكن الأجيال التي تربيها الثقافة يمكنها تسييج الوطن بأفكارها وتغلفه بطموحاتها إذا لم تحمنا الثقافة، فما نفع كل ما حبره الأجداد وكل ذلك التاريخ وتلك الإمبراطورية. إذا لم تجعلنا الثقافة أقوياء. ثقافة ألا نخاف من الآخرين ولا نتجنب العالم، ثقافة التقبل والتحاور وليس الاختباء خلف المقدسات والموروثات بحجج واهية لا يصدقها سوانا.

hussain@albayan.ae