مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الأميركي ستيفن ماكدويل رئيس أحد المعاهد التربوية العليا في الولايات المتحدة الأميركية. وهو يقدم هنا صورة بانورامية عن إحدى أهم الشخصيات في تاريخ أميركا إن لم يكن أهمها على الإطلاق: جورج واشنطن. ومعلوم أن الرئيس الفرنسي ساركوزي أشاد به وببطولاته التي أدت إلى تحرير أميركا من نير الاستعمار الانجليزي بمساعدة الجنرال الفرنسي البطل لافاييت. فمن هو جورج واشنطن يا ترى؟ وماذا يمثل في التاريخ الأميركي؟ على هذين السؤالين يجيب المؤلف قائلا:

ولد جورج واشنطن عام 1732 ومات عام 1799 عن عمر يناهز السابعة والستين. وقد كان رئيس أركان الجيش الأميركي أثناء حرب الاستقلال التي أدت إلى تحرير أميركا من الوصاية الانجليزية (1775 ـ 1783)، وذلك قبل أن يصبح أول رئيس للولايات المتحدة الأميركية (1789 ـ 1797) لمدة ولايتين متتاليتين. وقد ولد في ولاية فيرجينيا التي كانت مستعمرة انجليزية آنذاك. وكان من كبار الملاكين للأراضي في تلك الولاية. وبالتالي فهو ينتمي إلى عائلة غنية جدا. وقد انخرط بكل قواه في الثورة الأميركية التي اندلعت عام 1776: أي قبل الثورة الفرنسية بثلاثة عشر عاما.

وهي الثورة التنويرية التحررية التي أدت إلى تأسيس الجمهورية الأميركية على قاعدة حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية العلمانية وأطاحت بالإقطاع والنظام الأصولي القديم. ثم يردف المؤلف قائلا: لقد عرف جورج واشنطن كيف يعيد تنظيم صفوف الجيش الأميركي بشكل ناجح وفعال. ثم استطاع بعدئذ أن يقوده إلى النصر على الانجليز بمساعدة الفرنسيين الذين كانوا الأعداء التاريخيين للانجليز.

وبالتالي فقد كانت فرصة سانحة لكي ينتقموا منهم حتى ولو فيما وراء البحار. وبعد الاستقلال ساهم جورج واشنطن في كتابة الدستور الأميركي مع توماس جيفرسون وبقية الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأميركية. وأصبح هذا الدستور بمثابة النص المقدس للأميركان. ولا يزال ساري المفهول حتى الآن على الرغم من كل التعديلات والتطويرات التي طرأت عليه.

لقد ترك جورج واشنطن بصماته على الولايات المتحدة ومؤسساتها إلى درجة أن الأميركان أطلقوا اسمه على عاصمتهم الفيدرالية: واشنطن. بل وأطلقوا اسمه أيضا على إحدى الولايات الأميركية الواقعة شمال غرب الاتحاد، وصورته مرسومة على الدولار الأميركي، وله نصب تذكارية وتماثيل في كل مكان. ويوم مولده أصبح عيدا وطنيا في الولايات المتحدة الأميركية. وبالتالي فلم يحظ أي قائد أميركي بمثل هذا التكريم حتى الآن.

والشيء الغريب العجيب هو أن جورج واشنطن ليس أميركي الأصل بل ولا انجليزيا. وإنما هو من أصل فرنسي في الواقع، وربما لهذا السبب تعاطف معه الفرنسيون إلى مثل هذا الحد وأرسلوا له الجنرال لافاييت على رأس جيش كامل لمساعدته على التخلص من نير الانجليز.

في الواقع أن جده الأعلى هو شخص فرنسا يدعى نيكولا مارسيو (1592 ـ 1657) كان قد هاجر إلى أميركا عام 1620 هربا من الاضطهاد الديني. فقد كان بروتستانتيا في فرنسا الكاثوليكية التي تضطهد أبناء الأقلية البروتستانتية وتسولهم سوء العذاب. فهل كان يعرف أنه سيولد له حفيد بعد قرن من ذلك التاريخ ويصبح الزعيم الأوحد لأميركا؟

وقد تزوج جورج واشنطن عام 1759 من أرملة أحد الأغنياء الكبار في ولاية فيرجينيا. ولكنه لم يرزق بأي ذرية لأنه كان عاقرا على ما يبدو، ولكن ذلك لم يمنعه من أن يصبح الشعب الأميركي كله ذريته وأطفاله وأهله وأحبابه.

من الناحية الشخصية كان جورج واشنطن رجلا طويلا جدا (190 سم). وكانت تبدو على وجهه علائم النبل والأرستقراطية. وكان واضحا أنه ولد من أجل القيادة والزعامة. ولكنه لم يكن يهتم كثيرا بالأمجاد الشخصية على الرغم من كل المناصب التي توصل إليها.

ولم تكن التكريمات أو التشريفات الرسمية تعني له شيئا يذكر. كان يريد أن يؤدي مهمته في الحياة وكفى. كل همه كان يكمن في تحقيق الاستقلال لبلاده وتزويدها بالمؤسسات والدستور والمبادئ التي تمكنها من صنع مستقبلها بشكل جيد. ما عدا ذلك كان يعتبر بمثابة تفاصيل ثانوية بالنسبة له.

وأما فيما يخص موقفه من الدين فيقول المؤلف بما معناه: لم يكن متدينا بالمعنى الحرفي للكلمة على الرغم من انتمائه إلى المذهب البروتستانتي كمعظم القادة الأميركان. البعض يعتقدون أنه كان من أتباع فلاسفة التنوير بشكل عام وفولتير بشكل خاص. بمعنى أنه كان يؤمن بوجود الخالق الذي يحكم الكون بالحق والعدل، وكل ما عدا ذلك كان تفاصيل لا أهمية لها، وبالتالي فلم يكن يولي أهمية خاصة للطقوس والشعائر المسيحية.

ولكنه لم يكن ضد من يمارسها. كان يتميز بالتسامح الكبير فيما يخص الشؤون الدينية والعقائدية. بمعنى أنه لك الحق في أن تكون متدينا، ولكن لك الحق أيضا في ألا تكون. ولهذا السبب نص على مبدأ العلمانية في صلب الدستور الأميركي. وأما فيما يخص موقفه من نظام العبودية المطبق على السود في أميركا آنذاك فيقول المؤلف ما يلي:

على الرغم من أن عائلته كانت تمتلك العديد من العبيد السود الذين يشتغلون في أراضيها إلا أنه كان شخصيا ضد هذا النظام. ومنذ عام 1780 ناضل من أجل إلغاء نظام الرق والعبودية الجائر الذي يسخّر السود لمصلحة البيض ويحتقر كرامتهم الإنسانية بل وينزلها إلى مرتبة البهيمة.

ولكن العقلية الأميركية آنذاك لم تكن مؤهلة للقبول بإلغاء نظام الرق، ومعظم الشعب الأميركي كان يعتقد بأنه يحق للأبيض أن يستخدم الأسود كعبد لخدمته. وبالتالي فقد حاول جورج واشنطن أن يلغي هذا النظام الاستعبادي بالتدريج لا دفعة واحدة. وكان من الذكاء بحيث أنه تنبّأ بأن نظام العبودية سوف يفجّر مستقبلا مشاكل ضخمة في المجتمع الأميركي. وقد صدقت الأيام نبوءته، فهذا ما حصل لاحقا بالفعل.

وعندما كتب وصيته قبيل موته ألح فيها على تحرير عبيده بعد اختفائه، وهذا أكبر دليل على نزعته التقدمية وإنسانيته. والواقع أنه سبق حساسية عصره فيما يخص هذه الناحية. فالأغلبية الساحقة من الأميركان كما قلنا كانوا من مؤيدي نظام الرق ويعتبرونه شيئا طبيعيا جدا.

بعدئذ تغيرت العقليات وتطورت ولكن ببطء شديد. ومعلوم أن عنصرية البيض ضد السود كانت لا تزال قوية حتى بداية الستينات من القرن الماضي. ومعلوم أيضا أن الزعيم التاريخي مارتن لوثر كنغ دفع حياته ثمنا لها. ولحسن الحظ فإن الرئيس كندي كان من أنصار هذا الزعيم وقد ساهم في إلقاء القوانين العنصرية البغيضة. وهكذا سار على خطى سلفه الكبير، جورج واشنطن.

وأخيرا يقول المؤلف بما معناه: صحيح أن جورج واشنطن لم يترك خلفه ذرية أو نسلا أو أطفالا لكي يخلدوا ذكراه، ولكنه ترك الشعب الأميركي كله كذرية وكنسب. ولا تزال ذكراه ممجدة هناك كما لم يحصل لأي زعيم آخر في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية.

*الكتاب:مبعوث الحرية - قيادة جورج واشنطن التي غيرت وجه العالم

*الناشر:كومبرلاند هاوس بوبليشنغ نيويورك 2007

*الصفحات:256 صفحة من القطع الكبير

Apostle of liberty:

the world - changing leadership

of George Washington

Stephen McDowell

Cumberland House Publishing - New York 2007

P.256