توني جوت، كاتب إنجليزي من أبوين كانا قد هاجرا من روسيا. أمضى دراساته في لندن وحصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ من جامعة كمبردج عام 1972.كان جون في بدايات حياته متعصباً لإسرائيل لكنه تراجع عن مثل هذا الموقف عندما أدرك الحقائق بل واعتبر أن الرؤية التي كان يمتلكها «كانت غير واعية بشكل ملحوظ لوجود شعب جرى طرده من بلاده ويتألم في مخيمات اللاجئين».
وكان جون قد كتب في نهاية عام 2003 مقالاً في «مجلة نيويورك للكتب» دعا فيه لقيام دولة مزدوجة الجنسية في فلسطين، الأمر الذي أدّى إلى منعه من الكتابة في العديد من المطبوعات الموالية لإسرائيل. سبق للمؤلف أن ألف العديد من الكتب من بينها «هل هو وهم كبير: دراسة حول أوروبا» و«الماركسية واليسار الفرنسي. دراسات حول العمل والسياسات في فرنسا 1830 ـ 1982» و«سياسات الهوية في عصر التعددية اللغوية» و«عبء المسؤولية: بلوم وكامو وآرون والقرن العشرين في فرنسا»، الخ.
« مابعد الحرب» هو كتاب عن أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الفترة الراهنة. وكانت أوروبا كما يرسمها المؤلف، قد خرجت من تلك الحرب مهمّشة مخرّبة وأصبح العديد من بلدانها الشرقية يخضع لنظام شيوعي وجزء من معسكر مناهض للنظام الرأسمالي الذي كان قائماً في أوروبا الغربية. لكن الاتحاد السوفييتي انهار عام 1991 بعد انهيار جدار برلين عام 1989 واستطاعت القارة أن تحقق مسيرة توحيدية بدأت بستة بلدان عام 1957 لتصل إلى 27 اليوم ويمتد إطارها من المحيط الأطلسي إلى أوكرانيا.
فكيف استطاعت أن تنبعث من الدمار الذي سببته أفدح حرب تعرضت لها؟ وكيف استطاعت أن تتحمل، ثم تتجاوز، حالة التمزق التي عرفتها أثناء فترة الحرب الباردة؟ وكيف عاشت أوروبا انهيار العالم السوفييتي ثم دمجت في إطارها إرث الشيوعية؟ هذه هي بعض الأسئلة التي يحاول مؤلف كتاب «بعد الحرب» الإجابة عنها.
تتوزع مواد هذا الكتاب بين أربعة أقسام رئيسية يخص الأول منها فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة وتحديداً سنوات 1945 ـ 1953 حيث يتم التعرض إلى «إرث الحرب» وما تركته من خراب ودمار في القارة القديمة. ويتم التأكيد في هذا السياق أن مشروع «مارشال» من أجل أوروبا كان خطوة لا بد منها من أجل نهوض القارة من جديد.
ولكنه كان مشروعاً محسوباً بدقّة من قبل الولايات المتحدة الأميركية التي عززت مواقعها في القارة بعد أن كانت قد مثّلت إحدى القوتين المنتصرتين حقيقة في الحرب العالمية الثانية، أي هي والاتحاد السوفييتي «السابق»، بينما كان «المنتصرون» الأوروبيون وفي طليعتهم الفرنسيون قد ورثوا بلداناً مخرّبة.
ويولي المؤلف في هذا السياق العديد من الصفحات لدراسة الظروف التي حلّت فيها الحرب الباردة التي ساد خلالها الانقسام الثنائي الدولي بين معسكرين شرقي (اشتراكي) وغربي (رأسمالي). وكانت القارة الأوروبية مقسومة في ظل تلك الحرب (الباردة) إلى شطرين يفصل بينهما «ستار حديدي» بصيغة جدار من الاسمنت المسلح كالذي أقامه الألمانيون الشرقيون ذات ليلة أو بصيغة أسلاك شائكة. ولكن عرفت القارة في الوقت نفسه ما يسميه المؤلف ب«الحروب الثقافية» بين نموذجين مجتمعيين كما بين أمم ذات أصول تاريخية وانتماءات مختلفة.
القسم الثاني من الكتاب يخص سنوات 1953 ـ 1971، وهي الفترة التي تعززت فيها فترة البحث عن «سياسة الاستقرار»، كما جاء في أحد العناوين الفرعية للكتاب، ذلك الاستقرار الذي شجع عليه واقع النهوض الاقتصادي الذي عرفته بلدان أوروبا الغربية في بدايات الفترة المعروفة ب(الثلاثينات المجيدة). لكنها أيضاً الفترة نفسها التي شهدت نهوض تيارات وقوى سياسية جديدة اعتمدت على الأطروحات الاشتراكية ـ الديمقراطية ذات الميل اليساري المعتدل.
وكانت القوى اليسارية الأوروبية عامة قد عرفت تعاظم قوتها في مختلف البلدان الديمقراطية، بما في ذلك الأحزاب الشيوعية التي كانت فعّالة في الحياة السياسية لبلدانها، لاسيما عن طريق استخدام النقابات العمالية. ويرى المؤلف أن الازدهار الذي عرفته تلك الفترة لم يستطع أن يضع حداً لشعور عام ب«الاستياء» حيال مستقبل القارّة.
ويعتبر «توني جوت» أن عقدي السبعينات والثمانينات حتى عام 1989، أي حتى انهيار جدار برلين، كانا فترة «انحسار» و«تقهقر» للدور الأوروبي على الصعيد الدولي، وحيث كانت الصدمة النفطية الأولى عام 1973 نقطة انعطاف هامة. وبكل الحالات يؤكد أن هذين العقدين شكّلا فترة انتقالية «باتجاه» نهاية النظام القديم»، وهذا ما يشرحه على مدى القسم الثالث في الكتاب.
القسم الرابع والأخير يحمل عنوان: «ما بعد السقوط 1989 ـ 2005»، والمقصود هو سقوط جدار برلين في مطلع شهر نوفمبر من عام 1989، ثم سقوط المعسكر الشيوعي كله بما في ذلك، بل وخاصة، طليعته ممثلة ب«الاتحاد السوفييتي». ويتحدث المؤلف في هذا الفصل عما يسميه «أوروبا العجوز»، كما عبّر عنها ذات يوم وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد، كما يتحدث عن «أوروبا الجديدة» وعن «التنوعات الأوروبية».
بكل الأحوال من الواضح أن مؤلف هذا الكتاب والمؤرخ المعروف ينظر إلى القارة الأوروبية «من أعلى»، وهو يذكّر بما قد كتبه سفير أميركي سابق في فرنسا، قبل الحرب العالمية الثانية، للرئيس الأميركي ايزنهاور إثر رحلة له بالطائرة فوق النمسا وسويسرا وإيطاليا وفرنسا حيث وصف «التقدم المدهش الذي جرى تحقيقه على صور شبكة المواصلات، ولكنه أبدى في الوقت نفسه تعجّبه حيال هذه «الدول الصغيرة» التي يراها «من أعلى».
إن المؤلف يؤكد في محصلة تحليلاته، ودون أن يقول ذلك صراحة، إن أوروبا هي فعلاً «قارة عجوز» في وسط العالم الذي أصبح «معولماً» خلال فترة وجيزة من الزمن. بالمقابل يؤكد أيضاً على أن البنى الموروثة عن الماضي لا تتماشى مع روح العولمة، لاسيما في بعديها الاقتصادي والاجتماعي.
ومن الواضح أيضاً أن المؤلف يركز في تحليلاته الخاصة بمسيرة التوحيد الأوروبية على أنها قد قامت منذ الأصل، ومنذ اتفاقية روما عام 1957 التي وقعتها ست دول أوروبية كنواة لأوروبا الموحّدة التي أصبحت تضم اليوم 27 دولة، على أساس «دوافع تجارية». بل ويذهب إلى حد اعتبار أن كل ما قيل عن رغبة البحث عن إحلال السلام في القارة بعد أن خرّبتها حروب ومجابهات وخاصة بعد أن كانت مسرحاً لحربين كونيتين خلال القرن العشرين وحده، إنما هو نوع من محاولة إخفاء البحث عن أهداف «أقل مدعاة للفخر».
ويركز توني جوت على دور واشنطن في رفع أوروبا من أنقاضها اقتصادياً «مشروع مارشال» هذا قبل أن تقدم لها الحماية العسكرية، لاسيما وأن الحرب العالمية الثانية قد زادت من حالة الانقسام فيها أكثر مما كانت منقسمة في الأصل. كما يشير المؤلف ـ المؤرخ إلى أن البريطانيين حاولوا في البداية «نسف» مشروع التوحيد الأوروبي ولما لم يستطيعوا ذلك اقتربوا منه ودخلوا في إطاره.
لكن هذا لم يمنع واقع أن الأوروبيين الغربيين حاولوا عامة توحيد مواقعهم بعد الحرب العالمية الثانية على أساس الموقف من الاتحاد السوفييتي. وكان تمايزهم الرئيسي عنه يتمثل في نظامهم الديمقراطي. وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي، أصبح الانضمام إلى المنظومة «الديمقراطية اللبرالية وإلى اقتصاد السوق» عاملاً في تسريع قيام الاتحاد الأوروبي.
بالمقابل يؤكد المؤلف في المحصلة على أن «التنوع» هو السمة الغالبة على أوروبا وليس «الوحدة». ولا يزال كل بلد يحاول عملياً التعامل مع واقعه الوطني على ضوء مصالحه الخاصة، الأمر الذي يدل عليه بوضوح غياب سياسة خارجية موحّدة. وللتأكيد على ذلك تكفي مشاهدة ما تبثّه التلفزيونات الأوروبية من برلين إلى لندن حيث الطابع «الوطني» هو الغالب.
كتاب عن تاريخ أوروبا بكل تعقيده وتنوعه خلال أكثر من نصف قرن انطلاقاً من الحرب العالمية الثانية حتى اليوم. وهو تاريخ يبدو وكأنه في موقع «وسط» بين الفوضى والانبعاث.
*الكتاب:ما بعد الحرب، تاريخ أوروبا منذ عام 1945
*الناشر:بينغوين بوكس
لندن، نيويورك2006
*الصفحات : 960 صفحة من القطع المتوسط
Postwar, a history of Europe since 1945
Tony Judt
Penguin Books
London, N.Y 2006
P.960
