تعمل مؤلفة هذا الكتاب صحفية في قسم السياسة الخارجية بصحيفة «لوفيغارو» الباريسية. سبق لها وعملت لسنوات عديدة مراسلة صحافية في روسيا وفي العديد من بلدان منطقة البلقان. في كتاب «العجز الفرنسي 1989 ـ 2007» تؤكد المؤلفة على فكرة محددة يمكن تلخيصها بالقول إن الدبلوماسية الفرنسية تعاني من أزمة، وهي بالتحديد أزمة عدم تأقلم مع معطيات عصر ما بعد الحرب الباردة.

إن السبب الجوهري الذي تؤكد عليه التحليلات المقدّمة يتمثل في القول أن الدبلوماسية الفرنسية لم تعط أهمية كافية لمتغيرين ـ منعطفين كبيرين شهدهما العالم خلال ربع القرن الأخير. المنعطف الأول هو انهيار جدار برلين يوم التاسع من نوفمبر 1989، والذي كان بنفس الوقت نتيجة لمجموعة من التراكمات التي كان المعسكر الاشتراكي (الشرقي) قد عرفها ابتداء من مطلع عقد الثمانينات الماضي والتي لم يكن أقلّها ولادة نقابة «التضامن» البولندية وعلى رأسها ليش فاليسا، الذي أصبح فيما بعد رئيسا للجمهورية في بلاده بعد أن كان مجرد عامل ميكانيك في ورشة «لينين» بمدينة غدانسك.

أما المنعطف الثاني الذي لم ينل حقّه من اهتمام الدبلوماسية الفرنسية، كما تقول المؤلفة، فهو تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن والتي استهدفت برجي مركز التجارة الدولية ووزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون). وكان من نتيجة «إهمال» الدبلوماسية الفرنسية لمدى هذين المتغيرين ـ المنعطفين هو «عدم تأقلمها» مع معطيات العالم الحديث، وبالتالي بقيت أسيرة مجموعة من الآليات الموروثة من فترة الحرب الباردة مما لم يسمح لها بفرض نفسها كقوة كبرى فاعلة وذات قرار فيما يتعلق بالمسائل المصيرية الكبرى في عالم اليوم.

وما تؤكد عليه المؤلفة هو أن دور فرنسا قد تراجع في العديد من مناطق العالم، لاسيما تلك التي كان لها فيها دور أساسي وفي مقدمتها القارة الإفريقية التي انحسر فيها الوجود الفرنسي بوضوح أمام ظهور منافسين جدد ليس أقلهم شأنا الولايات المتحدة الأميركية والصين والهند. ومن الخيارات الدبلوماسية الفرنسية التي ترتبت عليها آثار سلبية كبيرة تلك التي انتهجتها فرنسا حيال بلدان أوروبا الشرقية.

وخاصة في عهد الرئيس الراحل فرانسوا ميتيران، ذلك عندما رفض أن تساهم فرنسا في مختلف أشكال التدخل الرامية إلى إيجاد حلول في كرواتيا وفي البوسنة باسم الصداقة القديمة بين فرنسا وصربيا. مثل ذلك الموقف أدّى إلى تهميش الدور الفرنسي من جهة وإلى تشجيع النظام الصربي بقيادة سلوبودان ميلوسيفيتش في الذهاب أبعد بسياساته القمعية حيال المكوّنات الاجتماعية «غير الصربية» في المناطق المعنية.

وتؤكد المؤلفة على أن مثل تلك الدبلوماسية عمّقت أكثر فأكثر «الهوّة بين الخطاب الدبلوماسي لفرنسا الذي يتسم دائما بالرفعة والسمو، وبين الأعمال التي تتم ممارستها في الواقع الميداني، والبعيدة كثيرا عن مثل ذلك الخطاب». كما تتم الإشارة في هذا السياق إلى مواقف متراجعة اتخذتها فرنسا «بلاد حقوق الإنسان» حيال العديد من القضايا في أوروبا الشرقية والوسطى.

وليس أقلّها مدعاة للتساؤل الموقف حيا في بلاد الشيشان التي عرفت مجازر حقيقية على يد القوات الروسية، كما تشير المؤلفة من موقع المراقب الميداني الذي عايش الأحداث عن قرب. تلك «المجازر» لم تثر في فرنسا إلا بعض الاحتجاجات «الخجولة» وغير الرسمية في أغلب الأحيان بينما فضل الموقف «الرسمي» محاباة موسكو على أساس «ما يقتضيه الواقع الدبلوماسي».

وترى المؤلفة في السياق نفسه أن الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك قد أولى هو أيضا اهتماما «مبالغا فيه» للعلاقات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي تصفه المؤلفة أنه لا يعطي أية أهمية حقيقية لمسألة احترام حقوق الإنسان، بل إنها ترى أن روسيا، «الفيدرالية الروسية»، قد عرفت في عهده تراجعا كبيرا في هذا الميدان حتى قياسا بالفترة التي كان فيها بوريس يلتسين هو سيد الكرملين بعد سقوط النظام الشيوعي.

والموقف «المحابي» دبلوماسيا حيال روسيا من قبل الرئيس شيراك ترافق أيضا، حسب تحليلات المؤلفة، مع موقف مشابه حيال الصين التي لا تحترم حقوق الإنسان أكثر. وتتم العودة هنا إلى الحديث عمّا عرفته ساحة تيانانمين عندما جرى سحق المظاهرات الاحتجاجية بالدم. وكذلك يتم ذكر مسألة «تايوان» أو «الصين الوطنية» التي لا تعترف بكين باستقلالها أبدا وإنما يتفق القادة الصينيون واقعيا على ضرورة إعادتها إلى «الوطن الأم».

وترى المؤلفة في هذا السياق أن الشعر الذي ركّز عليه الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك كثيرا حول مبدأ تعددية الأقطاب «على الصعيد العالمي وليس «الأحادية القطبية» كما يقول دعاة الهيمنة الأميركية على العالم، قد جرت ترجمته، أي الشعار، ب«قيام تحالفات غير لائقة» بالدبلوماسية الفرنسية ذات التاريخ العريق.

وتشرح المؤلفة في أحد فصول هذا الكتاب أن عوامل عديدة تلعب في تقهقر الدبلوماسية الفرنسية على رقعة شطرنج العلاقات الدولية في فترة ما بعد الحرب الباردة، وهي تركز بشكل خاص على عامل التعلق «ذهنيا» بفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وتحديدا بالنظام الذي خلّفته اتفاقية «يالطة» عندما اجتمع القادة الثلاثة الكبار ستالين وروزفلت وستالين ورسموا عمليا خريطة جديدة لأوروبا ولاقتسام النفوذ على الصعيد العالمي.

فقرأ قول المؤلفة عن فرنسا أنها «ظلّت أسيرة منظومة يالطة واستشرت في الدفاع عن الحدود التي آلت إليها الحرب العالمية الثانية عند نهايتها عام 1945، هذا في الوقت الذي كان فيه مصير هذه الحدود هو التفجر لاحقا كما عرف الاتحاد السوفييتي (السابق) ويوغسلافيا، وألمانيا. هكذا تبدو فرنسا وكأنها تعاني من الحنين إلى عالم الحرب الباردة».

ولا تتردد مؤلفة هذا الكتاب في التأكيد أن الدور الدبلوماسي الفرنسي كان «غائبا» إلى حد كبير عن مسيرة السلام في الشرق الأوسط حيث أن الولايات المتحدة الأميركية قد «احتلّت» المساحة كلها. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى الحرص الفرنسي في ظل الرؤساء السابقين، وخاصة الرئيس جاك شيراك، على إقامة الدبلوماسية انطلاقا من علاقات شخصية، وليس على أساس حسابات سياسية وإستراتيجية. كذلك تعيب المؤلفة على فرنسا أنها لم تعد النظر بسياستها حيال منطقة الشرق الأوسط بعد «التغييرات التي أنتجتها العولمة» وواقع بروز معطيات جديدة ليس أقلّها شأنا تعاظم قوة الحركات المتطرفة.

وتؤكد التحليلات المقدّمة على وجود قدر كبير من «المجانية» في بروز نزعة العداء لأميركا لدى النخب الفرنسية مما خلق حالة من النزاع الكامن الذي مثّلت فيه فرنسا نوعا من «رأس الحربة» في مواجهة صعود الدور الأميركي. ودون التعرّض إلاّ «عبورا» للموقف الفرنسي حيال أزمة وحرب العراق في ربيع عام 2003 ترى المؤلفة أن الولايات المتحدة قد «أعادت النظر» في سياساتها باستمرار بينما ظلّت فرنسا مشدودة إلى ماض ولّى وانقضى.

وإذا كانت «إيزابيل لوسير» تؤكد على انحسار الدور الفرنسي في إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا الشرقية فإنها تجد التراجع الأكبر لهذا الدور في القارة الأوروبية نفسها، خاصة بعد رفض الفرنسيين في استفتاء عام في شهر مايو من عام 2005 للاتفاقية الدستورية الأوروبية «الدستور الأوروبي» وحيث كانت النتيجة هي «انحسار الدور الفرنسي في أوروبا خاصة»، كما تعبّر المؤلفة كي تشير مباشرة بعدها إلى أهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه الرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي على المستوى الأوروبي وخاصة مشروع «الاتفاقية المبسّطة»، ـ التي لم تكن سوى مشروع عند صدور الكتاب وجرى التصديق عليها بعده ـ .

وتُبدي المؤلفة في الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب «تفاؤلها» في بعث دم جديد بالدبلوماسية الفرنسية مع الرئيس نيكولا ساركوزي، وذلك عبر «المصالحة بين السياسة الواقعية والأخلاق» وأخذ معطيات العولمة بالاعتبار كشرط في الدخول إلى القرن الحادي والعشرين، والتخلص من «قيود الماضي»، بكلمة واحدة الوصول إلى «القطيعة» مع السياسة الخارجية الفرنسية السابقة.

*الكتاب:العجز الفرنسي، سياسية قديمة

*الناشر:فلاماريون ـ باريس 2007

*الصفحات :221 صفحة من القطع المتوسط

L'impuissance française, une diplomatie qui a fait son temps

Isabelle Lassere

Flammarion - Paris 2007

P.221