مؤلف هذا الكتاب هو الباحث السياسي بدر الدين عمر رئيس المجلس الوطني لتحرير بنغلاديش. وكان قد ألّف سابقاً كتاباً عن تاريخ بنغلاديش منذ عام 1947 وحتى عام 1958.
وبالتالي فهذا الكتاب الجديد يكمل ما سبقه ويوضح لنا طبيعة العلاقات الكائنة بين باكستان وبنغلاديش في عهد الديكتاتور أيوب خان. ومعلوم أنه اضطهد سكان بنغلاديش أثناء عهده وهذا ما دفع بهم إلى الثورة عليه وتحقيق الانفصال أو الاستقلال عام 1971 بمساعدة القوات الهندية. والواقع أنه ينبغي أن نعود إلى الوراء قليلاً لكي نفهم سبب هذه المشكلة العويصة التي أدت إلى انفصال باكستان الشرقية، أي بنغلاديش، عن باكستان الغربية: أي باكستان الحالية.
فعندما استقلت الهند عام 1947 وتحررت كلياً من الاستعمار الانجليزي انقسمت إلى قسمين: قسم هندوسي، وقسم مسلم. ولم يحصل ذلك دون مشاكل ونزيف داخلي وحروب وتهجير للسكان في كلتا الجهتين. فالمسلمون الهنود هاجروا بكثرة إلى باكستان الغربية وباكستان الشرقية. ولكن بقيت منهم أقلية كبيرة في الهند على الرغم من ذلك، وهي أقلية يتجاوز عددها اليوم المئة مليون نسمة.
وأما الهنود الذين كانوا يعيشون في باكستان الشرقية أو الغربية منذ زمن طويل فقد اضطروا إلى الهجرة باتجاه معاكس: أي نحو الوطن الأم: الهند. وقد فعلوا ذلك خوفاً من الانتقام بعد أن أصبحوا أقلية في بلاد كلها إسلامية. وبلغ عدد النازحين الهندوس أحد عشر مليون نسمة على الأقل.
ثم يردف المؤلف قائلاً: ولكن المشكلة هي أن باكستان الغربية أخذت تمارس نوعاً من الهيمنة والتسلط على باكستان الشرقية: أي بنغلاديش. صحيح أنه يجمع بينهما الإسلام، ولكن تفرق بينهما اللغة، والجغرافيا، والثقافة. فبنغلاديش مفصولة عن باكستان بحدود هندية طويلة جداً. يضاف إلى ذلك أن لغتها القومية هي البنغالية، في حين أن لغة الباكستان هي الأوردو.
وقد تجاهلت باكستان بعد الاستقلال هذه المعطيات وحاولت فرض لغة الأوردو على بنغلاديش أيضاً. وقد سبب ذلك تذمراً كبيراً في صفوف سكان بنغلاديش. وشعروا بأن لغتهم القومية محتقرة ومهمشة، ولذلك طالبوا بأن تعتبر لغتهم البنغالية كلفة رسمية ثانية بالإضافة إلى الأوردو.
ولكن السلطات الباكستانية رفضت هذا الطلب، وعندئذ تشكلت منذ عام 1948 حركة وطنية تهدف إلى الدفاع عن اللغة والثقافة البنغالية وترفض تهميشها من قبل السلطات الباكستانية. وفي عام 1952 تظاهر طلاب جامعة داكا وطالبوا البرلمان بالدفاع عن لغتهم واعتمادها كلغة رسمية ثانية للبلاد. ولكن السلطات فتحت عليهم النار بدلاً من أن تحاورهم أو تستجيب لطلباتهم. وبدءاً من تلك اللحظة تشكلت الهوية البنغالية كمضاد للهوية الباكستانية.
والواقع أن سكان بنغلاديش نظموا إضراباً عاماً غداة اليوم التالي لقمع الطلاب الجامعيين وكان رد قوات الأمن عليهم فورياً ومباشراً. فقد فتحت عليهم النار أيضاً وسقط عندئذ الشهداء الأوائل للحركة الوطنية البنغالية. ويمكن اعتبارهم أيضاً شهداء اللغة البنغالية.
واكتشف سكان باكستان الشرقية، أي بنغلاديش، مدى الظلم والإجحاف الذي أصابهم بعد الاستقلال عن الهند والانجليز. فحالتهم لم تتغير ولم تتبدل قيد شعرة، فالهيمنة ظلت هي الهيمنة وإن كان المهيمن قد تغير. في الأمس كان الانجليزي أو الهندوسي واليوم أصبح الباكستاني. فقد أصبحوا مضطهدين في عقر دارهم. فهم مضطرون لتعلم لغة الأوردو ونسيان لغتهم الأصلية إذا ما أرادوا نيل رضا الأسياد الجدد للبلاد. وهم مضطرون للقبول بوضع الإنسان الذليل في بلادهم أن معظم الموظفين والإداريين الحكوميين كانوا من باكستان الغربية وليس منهم.
وبالتالي فقد انتقلوا من استعمار إلى استعمار بعد أن كانوا قد اعتقدوا بأنهم تحرروا من الاستعمار إلى غير رجعة. ثم تطورت الأمور وتفاقمت. فقد قرر الجنرال أيوب خان تنظيم انتخابات عامة في باكستان الشرقية بتاريخ شهر ديسمبر 1970. وكان أن أدت هذه الانتخابات إلى نجاح الحزب الوطني المناضل من إجلال استقلال بنغلاديش وعندئذ رفض الجنرال الديكتاتور القبول بنتيجة الانتخابات لأنها جاءت لعكس صالحه. وأدى رفضه هذا إلى اندلاع الحرب الأهلية في الباكستان.
وعندئذ أرسل الديكتاتور جيشه لقمع سكان بنغلاديش بطريقة وحشية. وفي هذه اللحظة بالذات تدخلت القوات الهندية وألحقت هزيمة منكرة بالقوات الباكستانية بمساعدة سكان بنغلاديش وقواتها نفسها. وعندئذ اضطرت السلطات الباكستانية إلى سحب قواتها المندحرة واعترفت مرغمة باستقلال باكستان الشرقية تحت اسم: بنغلاديش.
وهكذا تشكلت دولة جديدة لا يستهان بها. فعدد سكانها لا يقل عن مئة وأربعين مليون نسمة. بل إنه بحسب إحصائيات عام 2006 يبلغ 147 مليون نسمة أو أكثر قليلاً. ولكن مساحتها لا تتجاوز المئة وأربعة وأربعين ألف كيلومتر مربع، وهي مساحة قليلة أو صغيرة بالقياس إلى عدد السكان الكبير.
وليس لبنغلاديش أية حدود مع باكستان كما ذكرنا، وإنما لها حدود طويلة جداً مع الهند وحدود قصيرة مع بورما« ماينمار» فحدودها مع الهند تبلغ أربعة آلاف كيلومتر بل وأكثر قليلاً. وأما حدودها مع بورما فتصل إلى 193 كيلومتراً فقط.
ولكن لها شواطئ لا يستهان بها على بحر البنغال أو خليج البنغال، وهي تبلغ حوالي الستمئة كيلومتر، وبالتالي فالبلاد تمتلك نافذة واسعة على البحر. ولكن مشكلتها كما قلنا هي ضيق مساحتها وكثرة عدد سكانها. ولذا فإن بنغلاديش تعتبر من أكثر بلدان العالم كثافة سكانية في الكيلومتر المربع الواحد (1023 شخص/كم2).
يضاف إلى ذلك أنها من أكثر بلدان العالم فقراً وسوء تنمية وذلك على الرغم من كل الجهود التي بذلتها الجماعة الدولية لتحسين أمورها الاقتصادية والمعاشية، ومعظم أراضيها واقعة في سهول دلتا الغانج، وهي سهول خصبة ولكنها للأسف تتعرض باستمرار للفيضانات، الشيء الذي يؤدي إلى غرق أو مقتل آلاف السكان كل عام.
وأما من ناحية الدين فإن بنغلاديش تعتبر ثالث بلد إسلامي في العالم من حيث عدد السكان بعد اندونيسيا وباكستان. ولكن توجد أقلية هندوسية لا يستهان لها وتبلغ 16%. كما وتوجد أقليات صغيرة بوذية ومسيحية. ولكن على الرغم من إسلامية الدولة إلا أن القوانين مدنية هناك ولا تشكل الشريعة أساس التشريعات القائمة، وبالتالي فالجميع متساوون أمام القانون.
وأما من الناحية السياسية فقد شهدت البلاد بعد استقلالها أو انفصالها عن باكستان أزمات وتقلبات عديدة. فالشيخ مجيب الرحمن الذي يدعى بأب الاستقلال تم اغتياله عام 1975. وقد حل محله الجنرال زيور الرحمن الذي فتح المجال لدمقطرة البلاد. ولكنه اغتيل هو الآخر عام 1981، وكان ينبغي أن ننتظر حتى عام 1991 لكي تصبح بنغلاديش ديمقراطية برلمانية.
وقد تميزت بنغلاديش بحكم النساء في السنوات الأخيرة. فأرملة زيور الرحمن خالدة زيا حكمتها بين عامي 1991 ـ 1996، وابنة الشيخ مجيب الرحمن حكمتها بين 1996 ـ 2001، ثم عادت الأولى لكي تحكمها من جديد بين عامي 2001 ـ 2006.
*الكتاب:ولادة بنغلاديش - صعود النزعة القومية البنغالية (1958 ـ 1971)
*الناشر:مطبوعات جامعة أوكسفورد - 2007
*الصفحات:384 صفحة من القطع الكبير
The emergence of Bengladesh
the rise of Bengali nationalism(1958-1971)
Badruddin Umar
Oxford University Press 2007
P.384

