ليست رواية «الطعن» التي صدرت ترجمتها إلى الانجليزية، مؤخراً، بقلم رالف مكارثي، وليدة الأمس القريب، فقد أطل بها مؤلفها الروائي الياباني البارز رايو موراكامي على جمهوره الياباني في عام 1994، وهي تعد الرواية الخامسة من بين عشر روايات لموراكامي تشق طريقها على مراحل إلى العالم الناطق بالانجليزية.

ويحرص من يقومون بعرض هذه الرواية على الإشارة إلى أنها رواية لموراكامي «الآخر»، وهي إشارة للتمييز بين رايو موراكامي ومواطنه الروائي الياباني الأكثر شهرة في الغرب هاروكي موركامي. وتدور الرواية، في جوهرها حول موضوعي الاغتراب والعنف الفائق في المجتمع الياباني، ومن الواضح أن مرور كل هذه الأعوام قد أفقد الرواية بعض قدراتها على إثارة الشعور بالصدمة.

ولكننا اليوم مع انتشار التغطية الإعلامية لبعض الوقائع المفزعة في المدن اليابانية ومع الإحصاءات التي تنشر عن ارتفاع معدلات الانتحار في اليابان ومع تعدد أفلام الرعب اليابانية، قد لا نجد الرواية قادرة على أن تجمد الدم في عروقنا. في صميم الرواية نلتقي مع كاواشيما ماسايوكي، الذي يبدو لنا لأول وهلة شاباً على قدر كاف من اللطف.

وهو يشغل وظيفة مستقرة، حيث يعمل رساماً في إحدى شركات الإعلان، وهو متزوج من شابة جميلة تدعى يوكو، وضعت مؤخراً طفلتهما الجميلة رايي. ويبدو كل ما يتعلق بهذه العائلة على خير ما يرام، بل ان الفنان الشاب يصل به استقراره المالي إلى حد إنشاء مدرسة صغيرة لتعليم مهارات الخبيز تقوم في إطارها زوجته بتعليم هذه المهارات حيث تعمل خبازة محترفة، أو هذا هو على الأقل ما كانت تقوم به قبل ولادة رايي.

غير أن ماسايوكي يعاني من مشكلة واحدة صغيرة، فهو في كل ليلة، على الأقل على امتداد عشر ليال أو نحو ذلك، يحوم حول مهد ابنته الوليدة الراقدة في مهدها حاملاً معول ثلج، بل ان الأمور تصل إلى حد خدش وجنة ابنته خدشاً سطحياً بطرف المعول عندما أزعجته زوجته في إحدى الليالي.

سرعان ما نتبين أن ماسايوكي بينما تمتلئ رأسه بعبق الخبيز الجميل، فإنها لا تخلو أيضاً من رائحة الأظافر المحترقة، وهو في كل ليلة يفلح بشكل ما في ألا يطعن ابنته الوليدة أو يقتلها. مع إيغال الرواية في مسيرتها نعلم أن والدة ماسايوكي، التي كانت تعمل راقصة تعر، قد أساءت معاملته إساءة بالغة عندما كان في مقتبل العمر، وبصفة خاصة بعد وفاة والده. وقد كان له أخ أصغر كذلك، ولكنه هو وحده الذي كانت أمه تسيء معاملته لأنه كان شبيهاً بأبيه.

وخلال جلسات الضرب العديدة، التي كان قد تعرض لها، تعلم كيف يفصل ذهنه عن بدنه لكي يتجنب الشعور بالألم. ولأنه لم يكن يصرخ أو يعبر عن ألمه أبداً فإن أمه كان يستبد بها الغضب على نحو أكبر، ومن ثم تكيل له المزيد من الضرب. في نهاية المطاف، أودع ماسايوكي داراً للأطفال الذين يتعرضون لإساءة المعاملة، حيث أمضى فيها سنوات عدة.

ولم يقدر له أن يلتقي أمه مجدداً إلا في حفل تخرجه من المدرسة الثانوية. وفي ذلك المنعطف الزمني تمكن من القيام بشيء تاق إلى فعله على امتداد سنوات، فهو يلطم أمه بأقصى ما يستطيع من القوة. تستمر متاعب ماسايوكي إلى أن يبلغ التاسعة عشرة من عمره. وفي ذلك الوقت ربطته علاقة قوامها إساءة المعاملة بابنة ليل في الثلاثين من عمرها، وأدمن استنشاق مادة مخففة للطلاء، وانتهت علاقتهما ذات ليلة عندما طعنها في بطنها بمعول ثلج، على نحو ما حدثه أحد الأصوات التي ترددت في رأسه.

هكذا فإنه يحس باحتياج مروع إلى أن يطعن امرأة، وأن يقتلها هذه المرة، ليبعد الرغبة في قتل طفلته الوليدة، ومن ثم يقرر الانطلاق في خطة منهاجية لقتل ابنة ليل، لكنه خلافاً لخطته يحصل على أكثر بكثير مما كان يخطط له. يرجع ذلك إلى أن الضحية المقصودة، التي اختارها ماسايوكي ضئيلة الجرم حتى لا تقاومه خلال تنفيذ مخطط القتل الذي عقد العزم عليه، والتي تدعى سانادا تشاياكي يتبين أنها تعاني من المشكلة ذاتها التي يعاني منها، فهي ضحية لإساءات في الطفولة بدورها.

وفي غمار اطلاع موراكامي لنا على التفاصيل الوحشية للعبة القط والفأر الدموية هذه فإنه لا يهدر كلمة ولا حركة في هذا النص اللاهث الذي يردد أصداء الهايكو في الكثير من جوانبه، حيث يمتزج القلق بالألم والجمال على نحو نادر المثال. عندما يصطدم ماسايوكي وسانادا تنبعث رؤى فظيعة، لتطل إلى النور، بعد اختباء دام طويلا وسط الظلام وفي قلب الظلام. وبعد المعركة المرعبة التي تدور بين هاتين الروحين الجريحتين تفلحان بالفعل في الوصول، على الأقل، إلى لحظة من التواصل.

ويبدو موراكامي لنا في غمار محاولته لتوظيف هذه اللوحة الوحشية الحافلة بالتفاصيل الدموية وقد مضى خطوات أبعد في جهوده الدائبة للتعقيب - على نحو إبداعي فريد - على أوضاع المجتمع الياباني، وبصفة خاصة كيف أن التأكيد الياباني الذي برز مؤخراً على الفرد يمكن أن يسفر عن انقطاعات تامة مع الواقع.

وربما كان الكاتب كريس بتيت في مقال مطول له في صحيفة «الغارديان» اللندنية هو صاحب التناول الأكثر توفيقاً لهذه الرواية، حيث يقول في ختام تحليله لها إن رواية «الطعن» قد لا تكون بالضرورة عملاً موفقاً باعتبارها رواية نفسية تقليدية، غير أن طرحها لموضوع القلق يبدو طرحاً له معناه، وتناولها لتواريخ الأفراد الحافلة بالحب والعنف والأرق والكوابيس وفقدان الطاقة الحيوية يسخر من فكرة الدار بكاملها، وفي نهاية المطاف فإن تحليلها للحب، حتى في صورته المرتكسة تلك، لا يمكن إلا أن يثير اهتمام القارئ.

بقى أن نشير إلى أنه خلافاً لسميه هاروكي موراكامي فإن رايو موراكامي لم يتم تقديمه للقارئ العربي بالصورة التي تتفق مع منجزه الإبداعي الرائع وانه حتى الآن لم تتم ترجمة ولو عمل روائي واحد له إلى اللغة العربية بما في ذلك روايته القصيرة الصادمة «زرقة شفافة تقريباً».

الهوة

«كان من الجلي، على نحو لا سبيل إلى أن تخطئه العين، أنه بين الرجل الذي مضى يقرر وهو راض عن نفسه تماماً أن يقطع أوتار أخيل ضحيته ويتساءل كيف سيبدو الإقدام على هذه الخطوة التي طالما تاق إليها والرجل الذي كان قد ابتسم لزوجته في صبيحة ذلك اليوم نفسه في غرفة تشبعت بعبق الخبز الذي تم خبزه لتوه، كانت هناك هوة قائمة. ولم يستطع أن يحدد على وجه الدقة ما الذي تتألف منه هذه الهوة. ولكنه كان يعرف تمام المعرفة أن هناك هوة لا سبيل إلى تجاهلها، أياً كان الأمر».

(مقتطف من رواية «الطعن»)

*الكتاب:الطعن

*الناشر:بلومزبري ـ لندن 2007

*الصفحات:185 صفحة من القطعة المتوسط

Piercing

Ryu Murakami

Bloomsbury - London 2007

P.185