مع صدور الترجمة الإنجليزية لرواية «الطعن»، وهي الرواية الخامسة التي تترجم للانجليزية من بين عشر روايات ينتظر نقلها للإنجليزية تباعاً من أعمال الروائي الياباني رايو موراكامي، أجرت مجلة «كيوتو جورنال» هذا الحوار معه.
حيث ألقى الضوء فيه على ما يحاول تصويره عبر صفحاتها من ملامح الاغتراب والعنف الوحشي في المجتمع الياباني، وأشار إلى دور الروايات في تصوير الصراع بين العقل والجوانب المعتمة في القلب البشري، وتناول تأثير النفوذ الثقافي الأميركي على الحياة الثقافية في اليابان. وفيما يلي نص الحوار
* يتاح اليوم للعالم الناطق بالانجليزية قراءة روايتك «الطعن» التي أصدرتها أصلاً في عام 1994، وهي من منظور الكثير من النقاد تظهر قدرتك على إبداع شخصيات محيرة وضارية، والتي تبدو مع ذلك واقعية وقابلة للتصديق.. كيف تأتى لك أن تجعل من اليسير التوحد مع مثل هذه الشخصيات؟
ـ تحت مستوى الوعي، لدينا نحن البشر كون بكامله من الظلام والفوضى، والخاصية العقلانية هي جزء صغير فحسب منا، ونحن نحاول السيطرة على الأجزاء المظلمة بالقوانين والأخلاق والفطرة السليمة وما إلى ذلك، ولكن البشر أكثر عمقاً وتنوعاً وتحرراً من أن يتم احتواؤهم بمثل هذه الأمور. والروايات يمكنها في بعض الأحيان أن تصور الصراع بين العقل والجوانب الأكثر عتمة في الفؤاد.
* قبل عشرين عاماً، كتبت في روايتك «أطفال خزانات العملات» عن طفلين تم التخلي عنهما والإساءة إليهما. والآن نسمع في اليابان أخباراً بصورة يومية تقريباً عن آباء يسيئون معاملة صغارهم أو أطفالهم بل ويقتلونهم. وفي الوقت نفسه نقرأ عن التنمر وجرائم القتل الوحشية التي يذهب الأطفال الصغار ضحية لها. ما الذي يحدث في المجتمع الياباني؟
ـ ليس الأمر متعلقاً بكون شيء ما «يحدث» بقدر ما أن الأمور التي كانت تحدث على الدوام في المجتمع قد بدأت تطفو على السطح. والإساءة إلى الأطفال ودائرة العنف هما مشكلتان تحدثان على مستوى عالمي، ولا تحدثان في اليابان وحدها.
* بالإضافة إلى تأليف الكتب، فقد عملت في الإذاعة والتلفزيون والسينما. ما الذي تعلمته من انخراطك في أجهزة الإعلام الشعبية اليابانية؟
ـ أعتقد أن التمييز بين ما هو أكاديمي وما هو شعبي هو أمر لا معنى له بشكل أو بآخر. وأنا لم أتعلم أي شيء بشكل خاص من العمل في التلفزيون والسينما.
* هل يمكن لكاتب أن يصبح نجماً إعلامياً ويحافظ على عمله الإبداعي؟
ـ لم أنظر إلى نفسي قط باعتباري نجماً إعلامياً، وقد أصبحت منخرطاً في مشروعات تلفزيونية وما إلى ذلك عندما كانت هذه المشروعات ذات أهمية خاصة بالنسبة لي فحسب.
* كتب أحد النقاد يقول: «إن الاهتمام الأساسي للأديبين اليابانيين البارزين هاروكي ورايو موراكامي هو أميركا. ليس بالضرورة أميركا الأرض الشاسعة الواقعة عبر المحيط الهادئ، وإنما أميركا النفوذ الثقافي، أميركا ضابطة الإيقاع، أميركا المتسلل الهادئ إلى الشرق». كيف تعقب على هذا القول؟
ـ بعد الحرب العالمية الثانية، اكتسحت موجة مد هائلة من الثقافة الأميركية اليابان. ولن يكون ممكناً بالنسبة لأي أحد نشأ في اليابان أن يتحرر من هذا النفوذ. وذلك ينطبق أيضاً على شعوب دول أخرى في آسيا وأوروبا كذلك. ومنذ معرفتي بكوبا تغير اهتمامي بأميركا بطرق معقدة يستغرق إيضاحها وقتاً طويلاً.
* الكثير من شخصياتك هم أناس مرضى، أصابهم الضرر، يبحثون عن المعنى في مجتمع غدا بصورة متزايدة مادياً وسطحياً. هل تتوحد مع هذه الشخصيات؟
ـ كل مجتمع يضم أناساً ليس بمقدورهم التأقلم و«مرضهم»، إذا شئت استخدام هذا التعبير، أي عجزهم عن التأقلم يعكس وضع ذلك المجتمع كأنما يطل من صقال مرآة. ولكن بعضاً من رواياتي الصادرة حديثاً مثل «الخروج من أرض الأمل» و«العائلة الأخيرة» لا تدور حول المرض على الإطلاق.
* كتبت في مقال مطول بعنوان «القتل في بلد متوحد» تقول إنه: «لم يكن هناك شخص ياباني منذ بداية تاريخنا يعاني نوعية الشعور بالوحدة الذي يهيمن على الأطفال اليوم». ومن الواضح أنك تعزو هذا الشعور إلى نهاية التحديث. ما الذي يمكن القيام به من أجل هؤلاء الأطفال؟
ـ المسألة المهمة هي على وجه الدقة أنه لم يعد بمقدورك تصنيف «أطفال اليابان اليوم». فاليابان بلد أصبح الوعي الجماعي فيه متطوراً للغاية بحيث ان «الوحدة» ليست مفهوماً موجوداً بالنسبة لأي أحد إلا لقلة محدودة للغاية، لأفراد مهمشين، ومن هنا فإن مجرد معرفة ما هي الوحدة يعد تقدماً من نوع ما.
* يبدو أن الراوية في روايتك التي تحمل عنوان «69» يعتقد أن تمرد الستينات كان شيئاً صبيانيا، مشروعاً طفولياً لاجتذاب أنظار النساء، فهل تشارك في وجهة النظر هذه؟
ـ لا ينبغي أن تصدق على نحو ساذج كل ما تقرأه في رواية.
* فزت بأبرز جوائز اليابان الأدبية بروايتك الأولى، التي ألفتها بينما كنت لا تزال تدرس الفن. وبيعت من الكتاب ملايين النسخ، ولكنه أدى إلى حدوث استقطاب في وجهات نظر الناس بشأنه، وأعرب الكثيرون عن اشمئزازهم منه. ما الذي كان عليه شعورك حيال ترك هذه النوعية من التأثير وتحقيق هذا النجاح في وقت مبكر للغاية؟
ـ بالنسبة لي، كان أكبر شيء هو أنني أصبحت مستقلاً على الصعيد المالي.
* كتبت تقول إن بؤرة التركيز في اليابان انتقلت من الأهداف الوطنية إلى الأهداف الشخصية، من الجماعة إلى الفرد. ولكن ماذا عن دور الفرد في المجتمع؟ هل هناك أرض وسيطة مفقودة هنا؟
ـ لسبب ما لم يوجد مفهوم الفرد في اليابان. وربما يرجع ذلك إلى أنه بسبب الاندفاع إلى التحديث فقد تم التركيز بأكثر مما ينبغي على إيجاد احساس بالوحدة الوطنية، أو ربما بسبب الافتقار إلى التنوع العرقي أو الديني أو اللغوي. ولكن مسألة «دور الفرد في المجتمع» يمكن أن تثور فحسب إذا كان المجتمع لديه مفهوم «الفرد». ولما لم يكن هناك مثل هذا المفهوم في اليابان بصورة حقيقية فإن هذه المسألة ذاتها لم تبرز.
*نأيت بنفسك في سن مبكرة عن الوهم القائل إن النظام سيحميك فكيف وصلت إلى ذلك في هذا الوقت المبكر؟ وما الذي كان معناه بالنسبة لك؟
ـ لم أرد أن يقوم «النظام» بحمايتي، وأنا أقصد بالنظام هنا التشغيل من قبل الشركات الكبرى وما إلى ذلك، وأنا راض عن حماية الشرطة ودائرة الإطفاء لي، ويرجع ذلك إلى أن النظام يطلب الولاء بالمقابل. وقد كان بمقدور الشبان اللماحين دوماً أن يدركوا المفهوم النابع من الفطرة السليمة وهو أن مقولة أن «الشركة ستحميك» هي في الحقيقة مجرد وهم.
ومع تقليص الشركات اليابانية وإعادة هيكلتها بصورة متكررة، فإنه حتى وهم التشغيل مدى الحياة يشرع في التحلل. وفي أزمنة التغيير، كالزمن الذي نعيشه حالياً، فإن من يسارعون بادراك الحقيقة - أن الشركة لن تحميهم - يتمتعون بميزة على غيرهم.
محطات في مسيرة موراكامي
* ولد الروائي الياباني رايو موراكامي في عام 1952، ونشأ في مدينة ساسيبو القريبة من نجازاكي التي توجد بها قاعدة بحرية كبيرة ألقت بظلالها على أعماله الروائية الأولى، والتحق بجامعة موساستشينو في طوكيو لدراسة الفن، غير أنه تفرغ للكتابة من دون أن يكمل دراسته الجامعية.
* أصدر روايته الأولى «زرقة شفافة تقريباً» وهو لا يزال طالباً جامعياً، ونال عنها جائزة أكوتاغاو للأدب، التي تعد إحدى أبرز الجوائز الأدبية في اليابان، وذلك في عام 1976، وبيعت منها 2 مليون نسخة. وتوالت بعد ذلك رواياته، وأبرزها «أطفال خزانات العملات» في 1980، و«69» في 1987، و«الطعن» في 1994، و«كيوكو» في 1995، و«في حساء الباذنجان» عام 1997، و«الخروج من بلد الأمل» في عام 2000. وأصدر في عام 2004 كتابا يضم مجموعة من مقالاته بعنوان «مرحبا أيها العمل!».
* انخرط في مجموعة من الأنشطة الأخرى ومن بينها العزف على الدرامز في فرقة موسيقى روك وأنشأ ستوديو للتسجيلات الموسيقية، مع التركيز على إنتاج الموسيقى الكوبية، وقدم مجموعة من البرامج الإذاعية والتلفزيونية، بالإضافة إلى توليه رئاسة تحرير صحيفة إلكترونية متخصصة في القضايا السياسية والاقتصادية اليابانية البارزة.
وأخرج مجموعة بارزة من الأفلام السينمائية نالت شهرة عالمية مدوية، في مقدمتها «زرقة شفافة تقريبا» في عام 1979، و«توباز» في 1992، و«69» في 2004، و«الطعن» في 2006، وينتظر إطلاق فيلمه «أطفال خزانات العملات» في عام 2008.
منى مدكور
