هذا الكتاب نتيجة جهد كبير قامت به لجنة تحرير تضم نخبة من أساتذة جامعة تاكشوك اليابانية التي تهتم بالدراسات الإسلامية منذ تأسيسها قبل أكثر من مئة عام حيث قامت بجمع ما كتبه تناكا إيبيه أو الحاج نور محمد من رحلات ومقالات تتعلق بالإسلام والعالم الإسلامي بما في ذلك الصين وبلاد جنوب شرق آسيا بالإضافة إلى بعض ما كتبه معارفه وغيرهم عنه.
وتناكا الذي يتناول الكتاب سيرته هو من خريجي الدفعة الأولى للجامعة التي كانت تعرف قديما باسم معهد جامعة تايوان وقد برز تناكا ـ الذي ولد عام 1882 ـ بين أقرانه فكان باحثا ومحققا ومترجما نشطا قدم الفكر الإسلامي والعقيدة الإسلامية للشعب الياباني من خلال محاضراته ودراساته وترجماته ومشاهداته في العالم الإسلامي. وقد أسلم في الصين في يناير عام 1924 ثم أدى فريضة الحج لأول مرة في نفس العام وبعد عشر سنوات ذهب للحج ثانية وبعدها بثلاثة أشهر انتقل إلى رحمة الله.
وقد أسهمت جهود تناكا في تكوين جيل من المسلمين اليابانيين الذين قدموا من بعده خدمات جليلة لحركة الدعوة الإسلامية في اليابان من خلال تواصلهم مع الجامعة التي تخرج فيها تناكا إيبيه. وقد بدأت جامعة تاكشوك تدريس اللغة العربية منذ عام 1962 مما ساعد في دعم الدراسات الإسلامية في اليابان وفي ديسمبر 2002 أنشأت الجامعة مركز دراسات الشريعة الإسلامية لتبدأ عهدا جديدا في مجالات الدراسات الإسلامية. وهكذا فإن العلاقة التي بدأت مع العالم الإسلامي عن طريق تناكا منذ مئة عام قد أتت بثمارها.
يشير الكتاب إلى ان صيت تناكا لم يذع إلا بين قليل من مسلمي اليابان بسبب أن الدراسات الإسلامية خلال فترة الحرب العالمية الثانية كانت تتعلق بسياسة إدارة المستعمرات اليابانية مما جعل باحثي ما بعد الحرب يغضون أبصارهم عن الدراسات الإسلامية خلال فترة ما قبل وأثناء الحرب.
بدأ اهتمام تناكا بموضوع العلاقات بين اليابان ودول العالم الإسلامي بعد عودته رحلة الحج الأولى وتمهيدا لذلك ومن أجل تكوين فكرة سليمة عن الإسلام في اليابان قام تناكا بإلقاء سلسلة من المحاضرات بجميع أنحاء اليابان وهى محاضرات ساعدت في تكوين نشء من الشخصيات والجمعيات الذين خدموا في حركة الدعوة الإسلامية.
وحسبما يذكر الكتاب فإن فهم تناكا إيبيه للإسلام إنما تم من خلال تعرفه عليه في الصين وبخاصة من خلال مطالعاته لمؤلفات العالم الصيني المسلم ريو كايكو المكتوبة باللغة الصينة وبشكل خاص من خلال كتاب السيرة النبوية التي كتبها كايكو وحين تعرف على شخصية النبي محمد صلي الله عليه وسلم وعلى سيرة حياته استطاع أن يقف على هذا المثال الرائع في الحياة وعلى الطريق التي تقود الناس إلى التعرف على الله والإيمان بالله.
وقد كان لدى تناكا شعور بالعطش الروحاني قبل بلوغه سن الأربعين حيث ظل يبحث عن الحقيقة في كل وقت لكنه لم يقتنع بشئ ولم يكن هذا العطش قاصرا على شخص تناكا فقط بل كانت اليابان كلها تعاني منه أيضا إن لم يكن العالم أجمع ولإطفاء هذا العطش اعتنق تناكا الإسلام.
حرص تناكا بعد أن دخل الإسلام على أن يقضي حياته مصليا حيث كانت الصلاة بالنسبة له تعني أنه يدرس نفسه وزاد اهتمامه بالمناسبات الإسلامية الخاصة ومنها الإسراء والمعراج والإحتفال بليلة النصف من شعبان. وحين دخل تناكا الإسلام صام أول رمضان له أثناء سفره ورغم أن المسافر ليس عليه حرج ويمكنه ألا يصوم في رمضان لكن تناكا سافر وهوصائم.
وقد اهتم تناكا بفريضة الحج وكتب عنها وفي لحظة وداعه للسفر كان هناك كثير من الناس لم يكن هناك من بينهم ياباني واحد وإنما كلهم من الصينيين وهو الأمر الذي استثار انتباه تناكا واعتبره أمرا جميلا أن يوحد الإسلام بين البشر على هذا النحو بغض النظر عن الأجناس والأعراق.
وإزاء ما لمسه تناكا من انتشار الإسلام في الصين فقد كان يتأسف كثيرا لأن الظروف في اليابان غير مهيأة على الإطلاق لقبول التعرف على الإسلام وكان يفكر في إمكانية التعريف بالإسلام في اليابان عن طريق إيضاح أنه مقبول في الصين وبالتالي يمكن قبوله في اليابان من خلال قبول الثقافة الصينية والحضارة الصينية.
وحتى يوضح ذلك حاول أن يشرح فكرة وحدة الديانات الخمس في الصين قائلا في ذلك: الصين تقوم على أساس حضارة الإمبراطورية وثقافتها وقد ألفوا ما بين الكونفوشية «كوشي» والطاوية «روشي» والبوذية «شاكا» ومزجوها معا وقد وافقوا مؤخرا على تعاليم المسيح كما قبلوا التعاليم التي جاء بها محمد رسول الإسلام وهكذا فإن تطورهم في المجال الأكاديمي تطور سريع جدا «من مقدمة تناكا، نظرة على الإسلام في الصين وحركة توحيد الديانات الخمس».
ويبدو أن هذه الفكرية كانت أساسية بالنسبة إلى تناكا وفي ذلك تحدث عن التوفيق بين تعاليم الإسلام والكونفوشية: الإسلام أقرب إلى الكونفوشية منه إلى النصرانية ويجب أن نتأقلم مع الحضارة الإسلامية التي هي شبيهة بحضارتنا الشنتوية القديمة ويجب أن نمزج بينهما قبل إعادة تشكيل آسيا العظمى واليابان قادرة على ذلك.
وقد قدم تناكا رؤية نقدية للعالم الإسلامي وفي ذلك كتب بحثا بعنوان «بعد الرحلة في العالم الإسلامي أو نتيجة الرحلة داخل العالم الإسلامي». وذكر فيه أنه شرح وضع العالم الإسلامي بعد الحرب العالمية الأولى وقد شرح ما رآه بعينيه خلال سفره عبر هذه البلاد. وقد تساءل تناكا كيف صار الإسلام بعد الحرب؟ ولماذا تطورت الحضارة الغربية تطورا سريعا بينما تأخرت الحضارة الإسلامية عن ركب التطور؟
وقد لخص تناكا الأسباب في التفوق الجغرافي لأوروبا في حين أشار إلى أن الوضع يتسم في العالم الإسلامي بسيطرة رجال الدين وتحكمهم في الناس. وفي معرض تحديد الأسباب ألقى تناكا كذلك بالمسؤولية على الباحثين المسلمين حيث يشير إلى أنهم بدأوا منذ منتصف القرن يركزون على دعم آرائهم لكنهم لم يتحمسوا لخلق رأي إسلامي يتطابق مع التيارات الحديثة التي تمضي وتتقلب من عصر إلى آخر.
وقد أثر عدم الاجتهاد تأثيرا كبيرا على عموم الناس فانتشرت البدع والخرافات وابتعد الناس عن الإسلام وهذا هو سبب ضعف الإسلام أكثر فأكثر مشيرا إلى انه يمكن القضاء على هذا الضعف من خلال الاستفادة من روح التسامح التي يحملها الإسلام بداخله.
وقد اهتم تناكا كثيرا بالثمار الداخلية للإيمان بالإسلام وفهم أن الصلة الإيمانية يمكن أن توحد بين المسلمين ليس فقط لدى مسلمي الصين ولكن أيضا في داخل الأمة الإسلامية على مستوى العالم وأدرك أن أساس هذه الوحدة بين الأمة الإسلامية يمكن أن يكون القرآن.. الشريعة والأمة الإسلامية.. وإن كان تناكا لم يذكر شيئا عن أهمية أو ضرورة الشريعة بالمعنى الحرفي، لقد شرح الحياة العادية للمسلم مثل الالتزام بالطعام الحلال وعدم أكل لحم الخنزير والامتناع عن شرب الخمر وغير ذلك لكنه لم يذكر عن أسس وقواعد الشريعة التي تحكم العالم الإسلامي.
وقد أعجب تناكا بصفة خاصة بالملك عبد العزيز آل سعود الذي أعاد توحيد الجزيرة العربية على أساس الدعوة إلى تنقية الإسلام من البدع والخرافات والعودة إلى طريقة السلف الصالح وهو ما دعت إليه حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية. وزاد من هذه القناعة الأوضاع التي كان عليها العالم الإسلامي في ذلك الوقت.
فقد كان تناكا قلقا على مصير 300 مليون مسلم ورثوا الإسلام منذ بعثة النبي ولمدة تزيد عن 1300 عاما سنة ذاهبا إلى أنه لا يوجد ما يجمع الناس سوى روح القرآن متسائلا: هل يمكن لابن سعود في ظل حركة الإصلاح التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن يتبوأ هذا المقعد وأن يملك زمام قيادة العالم الإسلامي مستقبلا؟
أما على صعيد موطنه فقد ظل تناكا يأمل بأن يكون لدى الناس الذين يريدون تأسيس آسيا الكبرى إيمان بروح الإسلام ويأمل ألا يأسف هؤلاء إذا ضحوا بأنفسهم من أجل هذا الطموح مثلما كان شعور أصحاب النبي وهم ينشرون تعاليم الإسلام وروح الدين.
وفي مدن اليابان راح تناكا يشرح تعاليم الإسلام في عدد من المحاضرات وركز على شرح شعوره الإيماني ونقاء ذهنه وصفاء روحه وتأثر السامعون بخطبه ومحاضراته وصار له تلاميذ وأتباع وفي طوكيو أسس مدرسة خاصة به تسمى مدرسة «لئية سويشا» وحاضر عن الإسلام في عدد من الجامعات والمراكز العلمية التي تحولت فيما بعد إلى جامعات.
وعن طريق تدريسه للإسلام أسهم تناكا في تربية عدد من المسلمين اليابانيين قاموا بالدعوة إلى الإسلام في مقاطعات مختلفة من مثل كانيو توبور ومثل ناكاجيما كيه نوسيه كي وغيرهما ممن كانوا يعملون في مراكز مرموقة.
أما بالنسبة لاسمه الذي اتخذه وهو نور محمد فقد كانت مناسبته أنه خلال رحلة الحج سافر من سنغافورة ففضل أن يسمى نفسه بذلك الاسم ونور بمعنى ضوء وذكر أن الناس في سنغافورة أخبروه بأن نور الدين أفضل من كلمة نور فقط لهاذا كتب نور الدين. وبعد الحج قدم نفسه هكذا الحاج نور محمد والحاج لقب يناله من يؤدي الفريضة وكان يقول أحيانا عن نفسه محمد نور بن آدم.
وكان السلطان ابن سعود مهتما بمقابلة الياباني المسلم الفريد وقد انتقل إلى رحمة الله بعد عودته من رحلة الحج الثانية بثلاثة أشهر ونصف الشهر عن عمر يناهز الثالثة والخمسين وقد أقيمت الجنازة عن طريق أصدقائه القدامى الشيخ إبراهيم التتاري فكانت أول جنازة إسلامية في اليابان.
ألفت عبد الله
*الكتاب:تناكا إيبيه
*الناشر:مركز فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية ـ الرياض 2006
*الصفحات:439 صفحة من القطع الكبير

