مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور عزيز عطية مؤسس ورئيس سابق لمعهد الدراسات القبطية في القاهرة، كان أستاذ (العالم المسيحي) من عام 1956 - 1957 في( union theological seminary) في نيويورك، شغل منصب مدير مركز الشرق الأوسط في جامعة يوتاه.
يعد كتاب (السريان في التاريخ) من الكتب المهمة في تاريخ الكنائس الشرقية حيث تناول المؤلف تاريخ الكنيسة الشرقية مسلطا الضوء حول مكانة مدينة أنطاكية في التاريخ الكنسي وعلاقة السريان بها كونها عاصمة بلادهم ومقر بطريركيتهم الأنطاكية، حيث عالج تاريخ وأسباب انقسام الكنيسة المسيحية في القرن الخامس .
وتطرق الباحث إلى مدينة أنطاكية كونها حظيت بموقع جغرافي متميز في وادي نهر العاصي، وهي تقع على مفترق الطرق بين نهر الفرات والبحر المتوسط من جهة، وبين آسيا الصغرى وفلسطين من جهة أخرى، ويعود ازدهارها إلى غزارة التبادل التجاري بين البلدان الشمالية والجنوبية والشرقية والغربية حيث تلاقى المصري واليوناني والسوري والآسيوي في أسواقها التجارية، وارتفع عدد سكانها قرابة القرن الرابع إلى ما يقارب النصف مليون نسمة .
وحسب المؤلف فإن أنطاكية احتلت في وقت من الأوقات المركز الثالث بين مدن الإمبراطورية، واستقبلت منذ البداية زيارات الرسل وأصبحت حصنا من حصون المسيحية القوية وعلى الرغم من أنها عانت الكثير في عهد الاضطهاد الروماني للمسيحيين إلا أنها كانت مركز الاهتمام الإمبراطوري .
وأشار عطية إلى أول كنيسة بناها الإمبراطور المسيحي قسطنطين الكبير حيث سار على نهجه خلفاؤه والأساقفة الأمر الذي جعل أنطاكية الولاية الأم في العالم المسيحي، ولكن التنازع والتعصب الطائفي بين سكانها أدى إلى انقسامها وأفولها التدرجي.
ويرجع الكاتب انحطاط أنطاكية ـ بالإضافة إلى ما سبق - إلى سلسلة من الهزات الأرضية تعود آخرها إلى سنة 526 م ما أدى إلى تهدم الكثير من أبنيتها الفخمة، بالإضافة إلى الغزو الفارسي سنة 538 حيث قام الإمبراطور الساساني خوسر بتدمير المدينة بكاملها تقريبا. ليأتي بعدها الفتح العربي سنة 638 وفيه انغمرت أنطاكية في الإمبراطورية الإسلامية وانفصلت نهائيا عن العالم المسيحي ما عدا فترة الاحتلال الصليبي .
ويعتبر المؤلف زوال مملكة القدس اللاتينية من الجزء الرئيسي من القارة الآسيوية سببا في عودة أنطاكية إلى سلطنة المماليك في مصر في نهاية القرن الثالث عشر وأصبحت تابعة لإمارة حلب نظرا إلى أهميتها الثانوية حينذاك، واستولى عليها السلطان سليم الأول باني الإمبراطورية التركية سنة (1516- 1517) والذي رضخت له كل من سورية ومصر بكاملهما، وفي عام 1939 بعدما رفع الانتداب الفرنسي عن سورية أعيدت المدينة وكل سنجق إسكندرون على نحو اعتباطي إلى الجمهورية التركية.
ومن هنا يؤكد عطية على عظمة أنطاكية التي تعود إلى أيامها الأولى وتمتد حتى القرن السادس، أما بطاركة المدينة فقد كتب عليهم بالنفي منها ولم يبق منهم من يقيم فيها من الطوائف المختلفة في الوقت الحاضر، حيث توزعت مناطقهم التاريخية المهمة خلال العصور المتعاقبة بين سورية وآسيا الصغرى(تركيا) والجزيرة العربية وفارس وروسيا وآسيا الوسطى والهند وحتى الصين.
ويعتبر الباحث أن البطريركية الأصلية في أنطاكية هي (السريانية )الأرثوذكسية السبب في أن الآخرين انتحلوا اللقب نفسه، ومن بينهم بطريركية الروم الأرثوذكس، والبطريركية المارونية التي هي الآن تابعة لروما، والبطريركية الملكية (الروم الكاثوليك)، والنساطرة أو السريان الشرقيون، والأرمن، والجيورجيون ضمن حدود الاتحاد السوفييتي.
ويقلنا المؤلف إلى الزيارات الرسولية والتاريخ المبكر لمدينة أنطاكية والتي لاقت الشدائد منذ البداية من الاضطهاد الروماني وأصبحت هدفا لزيارات الرسل منهم مار أفوديوس الذي استشهد في أيام حكم الإمبراطور نيرون(54- 68)، ثم أعقبه «مار إغناطيوس» والذي استشهد في عهد الإمبراطور تراجان (98- 117) الذي عزله من أنطاكية وأمر بأن يرمى إلى الوحوش الكاسرة بعد أن وجده راسخا في إيمانه.وكانت قصة إغناطيوس تمثل روح ذلك العصر.
وعن نقطة التحول الأولى يذهب عطية إلى أنها كانت تشمل مطارنة أنطاكية الأوائل المسيحيين من أصل يهودي حتى عهد يهوذا في العام 135 الذي يعرف بأنه عهد آخر مطارنة الختان، وأما نقطة التحول الثانية فيرى عطية أنها كانت في تاريخ كنيسة أنطاكية فكانت في عهد أسقفها ثيوفيلوس، الأسقف الكاتب المبدع الذي أخذ على عاتقه محاربة الأفكار الوثنية والتعاليم الهرطقية التابعة للسوريين الغنوسيين الأوائل.
كان أول من استخدم عبارة الثالوث الأقدس، ويعتبر كتاب ُّْ treatise to autolycus أحد الأعمال اللاهوتية الأولى للمسيحية المدونة والمحفوظة. ومن هنا يرى الباحث بأن أنطاكية أصبحت بالتدريج معقلا للأرثوذكسية بحق حيث ظهر في العقد اللاحق لاهوتي آخر من أنطاكية اسمه سيرابيوس الذي أصبح مطرانا سنة 196 وتوفي سنة 211.
ويؤكد المؤلف بأن القرون الثلاثة الأولى في كنيسة أنطاكية بأنها عهد الاضطهاد والاستشهاد في سبيل الإيمان حيث مات القليل من بطاركتها في فراشهم بسلام في حين استشهد الكثير منهم في عهد نيرون وبعده، ولعل أبرز مثال كان الأحد عشر ألف شهيدا في عهد تراجان (98 - 117).
وأشار الكاتب إلى مدرسة لوسيان التي لعبت دورا كبيرا في ترسيخ العقيدة المسيحية وتعاليمها والمحافظة على استقرارها وقد خرجت هذه المدرسة شخصيات تاريخية ارتبطت بأنطاكية منها ديودورس خليفة لوسيان الذي علم يوحنا فم الذهب، وثيودور المصيصي الذي وجه المشهور نسطور بطريرك القسطنطينية، كما علم اللاهوتي والمؤرخ الشهير ثيودوريطس مطران «قورش» في سورية.
وفي سياق آخر تحدث عطية من الناحية التاريخية عن المرحلة بين مجمعي نيقية 325 وخلقيدونية 451 مشيرا إلى بعض الأسماء اللامعة في حياة الكنيسة إلى غاية سنة 538 وكل ما دار في المنطقة من صراعات فكرية أدت إلى انشقاقات تركت آثارا سلبية في القرون التالية حتى يومنا هذا .
كما تطرق الباحث إلى دور الشخصيات القيادية في بعث الإيمان الرسولي في كل المنطقة بادئا بباعث النهضة الكنسية بعد عهد الانشقاقات القديس المجاهد مار يعقوب البرادعي الذي ولد في عام500 في قرية جاماوا (تل موزلت وهي اليوم ويران شهر في تركيا) شمال تيللا على ضفة الفرات العليا، مسلطا الضوء عن الحقبة التي مرت على الكنيسة في أيامه حيث كان هو من أنقذ الكنيسة من الانهيار بجهوده المتواصلة ومجازفاته في سبيل الكنيسة.
بالإضافة إلى تعاون الإمبراطورة تيودورا سريا وتعاطفها القوي مع الكنائس الشرقية الأرثوذكسية، وقد قيل أنها كانت ابنة قسيس سرياني. ويعتبر عطية بأن الجهود الهائلة التي بذلها القديس مار يعقوب البرادعي والذي منح الكنيسة السريانية اسمه كانت كفيلة خلال 35 عاما أن تؤدي إلى تماسك البنيان المتداعي، كما كان له تأثيره في فارس حيث رقى مطران بيت عرباي واسمه «أحودامة» إلى منزلة «مطران الشرق»، وبذلك وضع قاعدة للكنيسة الأرثوذكسية في فارس.
ويرى الكاتب بأن حياة مار يعقوب بدأت كالشعلة المنيرة وانتهت في ظلمة من الانشقاق والاضطهاد، وعلى الرغم من انه عاش فقيرا بعيدا عن المباهاة إلا أن الشهرة كانت تلاحقه، وعند موته حصلت الكنيسة الأرثوذكسية في سورية على ضمانات لبقاء وجودها والفضل في ذلك يعود إلى مار يعقوب وجهوده الكبيرة التي بذلها في سبيل ذلك.
ومن جهة أخرى تطرق عطية إلى الكنيسة بعد الفتح الإسلامي ودور الفكر ونتاجه البارز في هذه الحقبة الزمنية حيث استطاعت الكنيسة أثناء حكم المسلمين أن تحتفظ بدرجة عالية من الاستقلال الذاتي، حيث انتهى تدخل الخليفة للتصديق على انتخاب البطريرك وعلى التعويضات الدورية لضرائب الجزية والخراج.
وكان المسيحيون الطبقة المثقفة في المجتمع لذلك تبوأوا مراكز أساسية جدا في البلاط العباسي في بغداد، كما كانت أغلبية التجارة العربية في أيدي المسيحيين وهذا ما زاد في غنى جماعتهم وأثر تأثيرا كبيرا في نهضة الكنيسة بالإضافة إلى ترسيخ المؤسسات الرهبانية بما في ذلك مدارسهم ومكتباتهم.
وفي السياق نفسه أشار المؤلف إلى حقبة أخرى وهي عصر الانحطاط والذي لم تدم فيه روح التسامح بين المسلمين والمسيحيين، والتي أرجعها للازدياد المستمر للطبقة المثقفة بين المسلمين والذي جعل الخلفاء أقل اعتمادا على الموظفين المسيحيين، وانخفاض نسبة العنصر العربي الصرف وضعف الخلفاء المستمر إزاء ازدياد نفوذ العناصر غير العربية في الحكم الإسلامي أمر تصعب مقاومته.
وأهم الشخصيات التي ميزت ذلك العصر حسب المؤلف هي مار ديونيسيوس ابن الصليبي، ومار ميخائيل الكبير، وما غريغوريوس يوحنا ابن العبري، ولكل منهم إسهامات بارزة في التاريخ والفلسفة والعلوم الدينية وشرح الكتاب المقدس.
واستعرض عطية فترة الغزو المغولي للسريان ثم الاحتلال العثماني ودور الأكراد في اضطهاد السريان وبقية المسيحيين في المنطقة، وكذا بروز الحركات التبشيرية وانشقاق السريان الكاثوليك عن الكنيسة الأم، بحيث تعد مرحلة بالغة الأهمية من تاريخ السريان المعاصر.
ناهد رضوان
*الكتاب:السريان في التاريخ
*الناشر:دار ماردين ـ حلب 2008
*الصفحات: 134 صفحة من القطع المتوسط
