جميع أمم الأرض ذات تعدد ثقافي «مقولة للمفكر الفرنسي دنيس كوش أستاذ الأثنولوجيا في السوربون، تحيل إلى تقبل ثقافة الآخر بوصفه مختلفا وليس مشابها ومتنوعا وليس متقوقعا. إن الاعتراف بوجود تعددية ثقافية يعني تفوقا معرفيا يحسب للدول التي تؤمن بحق العيش، لان تنوع المشهد الثقافي يثري الحياة في كل أوجهها.

ولعل كندا تعد مثالا للتعددية الثقافية حين اختارت رسميا عام 1971 سياسة سميت تعددية ثقافية لمعالجة مطالب الأقليات الأخرى الأصلية، أو المتحدرة من الهجرة، وهذا يعني الاعتراف علنا بكرامة الجميع ومساواتهم تحت سقف قانون ديمقراطي حر.

عبر عن هذا الفهم الإيجابي نشأت دول قوية أو طرحت مدارس فكرية وظهرت نظريات تدعو إلى حق العيش المشترك الآمن وغير المهدد، وظهرت مجموعات منفتحة وغير منغلقة على ذاتها ولا تحتاج إلى مخيمات حماية سلوكية تعيش داخلها أو أحياء تسمى بأسمائها دينيا أو عرقيا، وفي كثير من المدن يصبح متداولا كمصطلح اجتماعي جغرافي «حي اليهود، حارة المسيحية، زقاق النصارى، محلة الأرمن، جبل الأكراد» وعبر العالم كانت تنتشر مصطلحات مشابهة «مدينة الكوبيين، ضاحية الأفارقة، سوق المسلمين، إلخ».

ورغم جميع القوانين المسنونة التي تدعو إلى العيش المشترك والتنوع والتعدد الثقافي لا زال العالم (كل العالم) يعاني من عنصرية تحت الرماد تطفو على السطح إذا محتها ريح «الآرية » نسبة للعرق الآري الذي فضله هتلر ـ أو إذا هبت عليها نسمة غوغائية من قومجية معاصرة ترى في نقاء دمها أفضلية مطلقة.

ولأن العنصرية لا تحكمها جغرافيا معينة أو عبيد يحترقون تحت الشمس لعيش السادة في رفاهية مطلقة، فقد نادت نظريات المساواة بضرورة الاعتراف بالآخرين كأفراد يتساوون تحت سماء واحدة لا تحجب عنهم شمس المعرفة ولا تشردهم عذابات الحاجة أمام الأبواب يتسولون حقوق الطعام والتعليم، أبسط حاجات البشرية، وأعلاها شأنا، نظريات المساواة ذات منشأ ديني، ولكنها تحولت إلى تعاليم عنصرية عندما أساء البعض فهمها، فنتجت الحروب والكوارث مئات السنوات.

إن الأمم التي لا تعدد ثقافيا فيها فقيرة وضحلة معرفيا وتحتاج إلى مسافة مضاعفة لفهم الحياة وإعادة إنتاجها بشكل مقونن. وحولنا مئات الدول التي ترفض تعدديتها، وتسكت عن تنوعها، فماذا ينتج عن ذلك؟ إن التعددية الثقافية تحمي البشرية من الغرق في لون واحد للحياة وتحجب أساليب عيش مختلفة، لذلك نرى دول آمنت بفكرة التعدد تخطت الفهم الضيق للحياة، وانطلقت نحو عالم مختلف من الريادة والتفوق والاستقلالية.

hussain@albayan.ae