مؤلف هذا الكتاب هو أخصائي بالعلاقات الدولية سبق له وقدّم العديد من الكتب مثل «القرن العشرين»، و«من يالطة إلى بغداد: الرؤساء الأميركيون والعالم» و«200 مذكّرة حول رجال القرن العشرين وأحداثه» و«السياسة الخارجية للولايات المتحدة منذ عام 1945»، الخ.

«آسيا من الاستعمار إلى فتح العالم» عنوان يخفي وراءه الكثير من القلق والإعجاب في الوقت نفسه . والمقصود بآسيا في سياق هذا الكتاب هو بالتحديد آسيا الشرقية، أو منطقة شرق آسيا التي تعني الصين واليابان والعديد من الدول الصاعدة الأخرى التي جرى التعبير عنها أحيانا ب«التنينات الصغيرة» مثل كوريا الجنوبية وتايوان وهونغ كونغ وسنغافورة وأحيانا أخرى ب«النمور» مثل ماليزيا والفلبين وتايلندا واندونيسيا.

أما اليوم فيأتي دور الصين خاصة في مسيرة الصعود الاقتصادي الهائل، وعلى خطاها فيتنام حيث يتم تحقيق مستويات عالية جدا من النمو الاقتصادي، بل ومستويات «استثنائية» في حالة الصين منذ أكثر من عقدين من الزمن والتي تمارس قوة جذب كبرى لرؤوس الأموال العالمية التي تريد الاستثمار فيها.

تتوزع مواد هذا الكتاب بين تسعة فصول تحمل العناوين التالية وذات الدلالة الكبيرة على مضمون الكتاب: «آسيا، منطقة متنافرة المكوّنات» ثم «تاريخ آسيا في القرنين التاسع عشر والعشرين» و«معجزة أم سراب اقتصادي؟» و«الديمقراطيات والدكتاتوريات في آسيا» و«الأوبئة في آسيا» و«بؤر التوتر في آسيا» و«الثلاثة الكبار» و«التجمعات الإقليمية في آسيا» و«آسيا تحت أنظار الولايات المتحدة».

من الواضح أن هذه الفصول تغطي «مساحة» تاريخية وجغرافية شائعة ذلك أن المنطقة تمتلك ثلث سكان العالم وتلعب اليوم دورا مركزيا، أو ربما «الدور المركزي» الأساسي في العالم. هذا ما يؤكده مؤلف الكتاب دون أية مواربة، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن للصورة وجهها الآخر له أيضا حقائقه فيما يتعلق بالممارسة الديمقراطية والخلافات الحدودية وسباق التسلح ووجود المافيات والمجموعات المتطرفة التي تلجأ إلى العنف والإرهاب.

ضمن مثل هذا الإطار يطرح المؤلف العديد من الأسئلة مثل: ما هو مكان آسيا في العالم؟ كيف تحدد دول المنطقة صيغة علاقاتها فيما بينها. وعلاقاتها مع بقية العالم؟ وما هي التحديات التي ينبغي عليها مواجهتها في المراحل القادمة؟ وإلى أين ستؤول فيه الأمور بالنسبة لبؤر التوتر ذات الأسئلة كلها يتضمن هذا الكتاب محاولات للإجابات عليها بكثير من «الحس الأكاديمي».

ما يتم التأكيد عليه هو أن منطقة شرق آسيا تفرض نفسها اليوم كأحد المراكز الثلاثة الرئيسية في العلاقات الدولية إثر انهيار المعسكر الاشتراكي وعلى رأسه الاتحاد السوفييتي القوة العظمى «السابقة». المراكز الثلاثة المعنية هي الولايات المتحدة وأوروبا وشرق آسيا، خاصة الصين.

ويركز المؤلف في تحليلاته على التأكيد على المسار الاستثنائي الذي عرفته هذه المنطقة من العالم انطلاقا من حالة تخلف كبيرة بالقياس إلى العالم المتقدم ووصولا إلى مكانة المنافس الحقيقي والمرشح كي يكون القطب المقابل للقطب الأميركي المهيمن الآن.

والأمر المثير للدهشة والإعجاب في الوقت نفسه ، كما يشير المؤلف، هو واقع أن جميع الخبراء الاقتصاديين، بما في ذلك الأكثر نباهة واستشفافا للمستقبل، كانوا يعتبرون حتى سنوات الخمسينات المنصرمة أن «القارة» الآسيوية، بدلالتها الصينية المجاورة، لم تكن أكثر من «قارّة مخربة» بسبب الاستعمار الذي عاث بها فسادا وتخريبا وبسبب ما عانت منه من حروب خلال القرن العشرين.

ولم يكن هناك مجال كبير ل«التفاؤل»، على خلفية واقع افتقارها الكبير للموارد الطبيعية، وفي مقدمتها موارد الطاقة الإستراتيجية، وأيضا واقع التخلف الذي كانت تعاني منه على جميع المستويات التقنية والعلمية بالقياس إلى البلدان الغربية المتقدمة.

وإذا كانت الورقة الاقتصادية هي الأكثر بروزا في الحديث اليوم عن منطقة شرق آسيا وجنوب شرقها، والتي يتم التعبير عنها عامة بتوصيف «آسيا ـ المحيط الهادئ، الباسيفيكي»، فإن المؤلف يركز أيضا على أهمية «الورقة السياسية»، والتي يعتبرها ورقة «هامة» بل ورقة «لا يمكن الاستغناء عنها». هذا التبدّل «النوعي «يبدو من خلال الوزن المتعاظم الذي تكتسبه بلدان المنطقة الآسيوية المعنية على مسرح العلاقات الدولية.

فاليابان التي عانت من هزيمة ساحقة خلال الحرب العالمية الثانية وأعلنت استسلامها بعد أن قامت الطائرات الأميركية بقصف مدينتي هيروشيما وناغازاكي بالقنابل الذرية ثم فرض المنتصرون على اليابان عدم تخطيها عتبة محددة من التسلح، غدت، وفيما هو أبعد من وزنها الاقتصادي كثاني قوة على الصعيد الكوني، أحد البلدان التي تشارك بنشاط في المحافل والمنظمات الدولية وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة، وهي تطالب بقوة اليوم بمقعد دائم في مجلس الأمن الدولي.

وبالتوازي مع هذه المطالبة تؤكد اليابان على ضرورة إعادة النظر بالمفاهيم المتعلقة بسياستها الدفاعية والتي تفرض عليها، تبعا للدستور الياباني النافذ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، عدم امتلاك قوة مسلحة ضاربة، أي ذات قدرة هجومية مهما كانت محدودة. وكانت اليابان قد أبدت خلال الفترة الأخيرة رغبتها، بأشكال متعددة، في المشاركة بمعمات «عسكرية» خارج حدودها، في إطار رغبتها بتأكيد مكانتها على المسرح الدولي.

وتسعى كوريا الجنوبية، التي تمثل أحد القوى الصاعدة في منطقة شرق وجنوب شرق آسيا، إلى أن تأخذ دورها باعتبارها «قوة إقليمية». وهي تؤكد على المكانة الخاصة التي تمتلكها من حيث أنها ذات نظام ديمقراطي، على شاكلة الديمقراطيات الغربية وأنها تملك مستوى صناعي لا يقل عن مستوى الدول الصناعية المتقدّمة.

تبقى الدولة الأكثر بروزا في شرق آسيا هي الصين التي أصبحت تحتل المرتبة الاقتصادية العالمية الرابعة بعد أن كانت منذ حوالي ربع قرن مجرد دولة من دول العالم الثالث. وهي اليوم قد نجحت في أن تبدو في منظور المستقبل القريب بمثابة القوة المنافسة للولايات المتحدة الأميركية وليس على الصعيد الإقليمي الآسيوي فحسب وإنما على الصعيد الدولي أيضا. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن العديد من المراقبين أصبحوا يعتبرون الصين، منذ الآن، المنافس الوحيد ذا المصداقية في مواجهة واشنطن.

ويشرح المؤلف العديد من الصفحات مدى النشاط الذي تتمتع فيه الدبلوماسية الصينية على الصعيد الإقليمي الآسيوي، ولكن أيضا في عدة مناطق أخرى في العالم في مقدمتها الشرق الأوسط، حيث أصبحت الصين أحد أهم «طالبي» موارد الطاقة الإستراتيجية، من نفط وغاز، التي تنتجها بلدان المنطقة، وأيضا في أميركا اللاتينية وفي إفريقيا حيث أصبح الحضور الصيني قويا جدا في العديد من البلدان.

ولا شك في أن الميدان الاقتصادي هو الذي تبرز فيه هذه النشاطات بشكل خاص ولكن لم تعد الصين تكتفي ب«نفوذ» اقتصادي وإنما تريد تعزيز دورها ونفوذها السياسي. إن الصين، كما يتم تقديمها، يلاحقها ماضيها وهي تريد بالدرجة الأولى التخلص من الإحساس بمرارة «الهزائم» التي عرفتها خلال القرن التاسع عشر على يد القوى الغربية وبعدها على يد القوات اليابانية التي استعمرتها لسنوات طويلة ومارست العديد من المذابح في مدنها.

وتسعى الصين اليوم إلى استعادة مكانتها، وقد بدأت مسيرتها «الصاعدة» بالمجال الاقتصادي لكن لها بالتأكيد مراميها السياسية عن المدى البعيد وليس أقلّها شأنا السعي لاستعادة جزيرة «تايوان» إلى الوطن الأم «الصين».

كذلك تسعى الصين عبر نشاطات مختلفة مثل تنظيم الألعاب الأولمبية لعام 2008 وللمعرض الدولي في شنغهاي في أفق عام 2010 إلى الحصول على الاعتراف الدولي بقوتها وبأنها ليس مجرد قطب جذب للاستثمارات.

ويتم التذكير هنا أن الولايات المتحدة الأميركية نفسها كانت أثناء فترة ما بين الحربين العالميتين هي «مركز العالم» دون أن تكون آنذاك هي القوة العالمية الأولى على صعيد القوة. مثل هذه المرتبة نالتها عمليا بعد الحرب العالمية الثانية التي خرجت منها القوى الأوروبية «مهشّمة»، حتى المنتصرة منها وليس المهزومة فقط، ولتبرز آنئذ قوتان جديدتان هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.

وفي محصلة المقارنة يصل المؤلف إلى القول أن القوة الآسيوية هي «جيوسياسيا» في موقع يسمح لها بالتفكير في «فتح العالم». بالنسبة للوجه الآخر للميدالية، يؤكد المؤلف على وجود تحديات عديدة أمام «الفتح» الآسيوي. هناك أولا المسائل الأمنية والتوترات القديمة و«المتأصلة» على الصعيد الإقليمي.

توترات بين الصين وفييتنام وتوترات بين اليابان والصين. وتوترات حول «مضيق تايوان» وليس بين الصين وتايوان «الصين الوطنية سابقا» وإنما بين الصين والولايات المتحدة الأميركية التي تعتبر نفسها «حامية» تايوان وإن كانت تبحث بذلك عمليا عن حماية مصالحها الإستراتيجية في المحيط الهادئ.

وهناك أيضا منظور إمكانية حدوث هزات مجتمعية، بما في ذلك وربما أساسا، في الصين لاسيما بسبب زيادة «خلل التوازن» بين الأغنياء والفقراء». ومن خلال هذا المنظور يبتعد المؤلف عن «الجوقة» السائدة التي لا ترى سوى «إشعاع» الصين وتهمل الإمكانيات الأخرى «المنذرة بالخطر. وكل الاحتمالات واردة باتجاه أو بآخر.

*الكتاب:آسيا الجيوسياسية، من الاستعمار إلى فتح العالم

*الناشر:ستوديرما ـ باريس 2006

*الصفحات:334 صفحة من القطع المتوسط

L'Asie géopolitique, de la colonisation à la conquête du monde

Eric Nguyen

Studyrma- Paris 2006

P.334