مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الأميركي دونالد م. سيكنز المختص بالشؤون الآسيوية وبخاصة الأفغانية والبورمية وسواها. ويقدم المؤلف هنا قاموسا كبيرا عن كل ما يتعلق ببورما التي تشغل وسائل الإعلام حاليا بسبب الأحداث الخطيرة التي تجري فيها وقمع الزمرة العسكرية الحاكمة للشعب.
والواقع أن هذا البلد مجهول إلى حد كبير من قبل الأجانب بل ولا يعرفون في معظم الأحيان أين يقع بالضبط، وبالتالي فهذا القاموس يجيء في وقته لكي يقدم المعلومات التفصيلية عن جغرافية البلد وتاريخه وثقافته وتراثه الديني والأحداث السياسية التي مرت به في العصور الحديثة، ومنذ البداية يقول المؤلف بما معناه: إن بورما تدعى أيضا بالاتحاد البورمي. ولكن هناك تسمية أخرى شائعة للبلاد هي ميانمار أو حتى اتحاد ميانمار. وهي بلد يقع جنوب شرق آسيا وبالتالي فله حدود مشتركة مع الهند وبنغلاديش ولاوس والصين وتايلاند. ويحيط بها من الجنوب بحر اندامان، ومن الجنوب الغربي خليج البنغال. وبالتالي فلها شواطئ طويلة جدا على البحار وتبلغ ألفي كيلومتر.
ونلاحظ أن المعارضة الديمقراطية للنظام الديكتاتوري القائم تفضل تسمية البلاد ببورما إشارة إلى الاسم القديم للبلاد وإلى العرق الغالب في البلاد: أي العرق البورمي. ولكن عندما وصلت الزمرة العسكرية إلى الحكم عن طريق الانقلاب عام 1989 خلعت عليها اسم اتحاد ميانمار إشارة إلى السكان الأسطوريين القدامى للبلاد وليس فقط إلى أحد مكوناتها العرقية وكلمة ميانمار تعني باللغة البورمية: الشخص السريع والقوي، كما وتعني ذلك البلد الساحر الرائع الذي أسسه الأسلاف العظام الذين أصبحوا شبه أسطوريين.
ثم يردف المؤلف قائلا: ينبغي العلم بأن البلاد كانت قد حكمت بيد من حديد من قبل الجنرال نيومين وذلك بين عامي 1962 ـ 1988. وعندئذ حصلت اضطرابات كبيرة في البلاد. ولهذا السبب قام مجموعة من الجنرالات الذين كانوا من أتباع «نيومين» بانقلاب عسكري عليه لضبط الأمور وإنقاذ البلاد من الفوضى وحرب العصابات. ولكنهم لم يعاقبوا الديكتاتور أبدا بل وحتى لم يسجنوه.
وفي عام 1999 نظموا انتخابات حرة في البلاد فسيطرت عليها المعارضة، أي الجماعة الوطنية من أجل الديمقراطية. وهي الحزب التابع للسيدة أونغ سان سوكي الحائزة على جائزة نوبل للسلام. ولكن الجنرالات رفضوا نتيجة الانتخابات وإعطاء السلطة للمعارضة التي ربحتها شرعيا.
ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن نلاحظ أن البلاد محكومة بيد من حديد من قبل هؤلاء الجنرالات العسكريين الذين لا يعرفون معنى الحرية ولا الديمقراطية. فالجنرال ثان شو أصبح رئيس الدولة، والجنرال مونغ قائدا للجيش. وهما اللذان يحكمان البلاد فعليا بعد أن تآمروا على جنرال ثالث يدعى خين نيونت الذي كان رئيسا للمخابرات. وقد نجحا في إقالته من منصبه وإبعاده والاستفراد بالسلطة.
ثم يقدم المؤلف عدة معلومات عن هذا البلد المجهول ويقول بما معناه: ينبغي العلم بأن بورما ليست بلدا صغيرا. فهي تضم ما لا يقل عن خمسين مليون نسمة بحسب إحصائيات عام 2005. وأما مساحتها فأكبر من مساحة بلد مهم كفرنسا لأنها تبلغ حوالي السبعمئة ألف كيلومتر مربع. وفيها جبال شاهقة يصل علوها إلى حوالي الستة آلاف كيلومتر.
والواقع أن بورما هي أكبر بلد في جنوب شرق آسيا، والبلد شديد الطول وقليل العرض. فطوله من أقصاه إلى أقصاه يبلغ الفي كيلومتر. ولكن أكبر عرض لها لا يتجاوز التسعمئة كيلومتر. وهي بلاد جبلية وعرة بالأساس ذات قمم عالية ووديان سحيقة. وبالتالي فجمالها الطبيعي خلاب. وأما من الناحية الاقتصادية فالبلاد لا تزال متخلفة، فلاحية، فقيرة. والصناعة فيها قليلة جدا أو حتى شبه معدومة. ويبدو أن النظام العسكري يجبر الناس على العمل تحت العصا.
كما ويشجعهم على زراعة الحشيش ومختلف أنواع المخدرات، وبالتالي فهي من البلاد الأساسية المصدرة لهذه الآفات. وتوجد في بورما بعض آبار البترول وكمية لا بأس بها من الغاز. وعلى الرغم من الطابع القمعي للزمرة العسكرية الحاكمة إلا أن بورما تظل محبوبة جدا من قبل السواح. وعلى الرغم من ذلك فإن عددهم يظل قليلا جدا بالقياس إلى إمكانيات البلاد وجمالها الطبيعي الأخاذ. فلا يتجاوز عدد السواح سنويا المئتي ألف شخص ومعظمهم من الصينيين واليابانيين الموسرين.
وسبب عدم إقدام الناس على زيارة بورما هو أن المعارضة تقف ضد دخول الأجانب إلى البلاد. لماذا؟ لكيلا يصرفوا العملة الصعبة هناك ويساعدوا اقتصاد الزمرة العسكرية ويطيلوا بالتالي أمد بقائها في السلطة هناك. ولكن يرى المراقبون أن هذا الموقف الذي تتخذه المعارضة من السياحة خاطئ جدا لأنه يحرم البلاد وبالتالي السكان من الاستفادة من العملة الصعبة الأجنبية.
ثم ينتقل مؤلف هذا القاموس التاريخي عن بورما إلى مسألة الدين ويقول بما معناه: إن أغلبية سكان البلاد يعتنقون الديانة البوذية وذلك بنسبة 89%. ولكن هناك أقلية تعتنق المسيحية بنسبة 4% وهذا ناتج عن عمل المبشرين الأوروبيين في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وهم المبشرون الذين مهدوا للحملات الاستعمارية البريطانية أو رافقوها. والدليل على ذلك أن معظم المسيحيين هناك ينتمون إلى المذهب البروتستانتي الغالب في انجلترا لا المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني.
ومعلوم أن بورما كانت مستعمرة انجليزية لمدة مئة سنة على الأقل. وكانت تابعة في البداية للتاج البريطاني في الهند ثم أصبحت مستعمرة مستقلة عن الهند. ولكن توجد في البلاد أيضا أقلية إسلامية لا يستهان بها. صحيح أن السلطات الرسمية تقلصها إلى نسبة 4% كالمسيحيين. ولكن قادة المسلمين هناك يقولون لك بأن عدد الطائفة يصل إلى 20% من عدد السكان. ومعظم المسلمين في بورما هم من الهنود أو الفرس أو العرب. وبالتالي فيوجد عرب في بورما ويوجد إسلام أيضا.
ولكن يبدو أن المسلمين والمسيحيين هناك يتعرضون للاضطهاد من قبل الزمرة العسكرية التي دمرت ثلاثة آلاف قرية لهم في السنوات الأخيرة. ولكن حتى الرهبان البوذيين تعرضوا للقمع والاضطهاد مؤخرا من قبل الميليشيات التابعة للنظام. وبالتالي فهذه الزمرة العسكرية تضطهد كل الناس تقريبا أو كل من يعارض سياستها.
ثم يختتم المؤلف كلامه قائلا: ولكن سياسة المقاطعة التي اتبعتها المجموعة الدولية ضد الزمرة العسكرية أضرت بالسكان ولم تضر بالحكام حتى الآن. فالعقوبات التي طبقتها الولايات المتحدة والصين وماليزيا والاتحاد الأوروبي أدت إلى إغلاق مصانع النسيج في البلاد. وهكذا زاد عدد العاطلين عن العمل مئة ألف شخص بين عشية وضحاها.
وزاد في ذات الوقت عدد العاهرات أو المومسات في شوارع العاصمة. أهذا ما تريده الجماعة الدولية؟ أبهذه الطريقة تساعد بورما وشعبها؟ أبهذه الطريقة سوف تحصل الديمقراطية والحرية هناك؟ ينبغي على الجماعة الدولية أن تنكر بأساليب أخرى لمواجهة هذه الطغمة العسكرية الفاسدة، أساليب تؤدي إلى قلبها لا إلى تجويع السكان وإفقارهم أكثر مما هم فقراء.
*الكتاب:القاموس التاريخي لبورما (ميانمار)
*الناشر:سكيكراو بريس ـ نيويورك لندن 2007
*الصفحات:568 صفحة من القطع الكبير
Historical dictionary of Burma (Myanmar)
Donald M. Seekins
Scarecrow - New Yonk - London 2007
P.568

