عملت فاني لافوركاد، مؤلفة هذا الكتاب، كباحثة في المعهد الفرنسي للشرق الأوسط الذي مقرّه في العاصمة السورية دمشق. كما عملت مع عدة منظمات غير حكومية في العراق اعتبارا من الحرب الأميركية ـ الانجليزية الأخيرة في ربيع عام 2003. أنجزت المؤلفة أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه حول النظام السياسي في العراق وذلك في إطار مركز الدراسات والبحوث الدولية بميدان العلوم السياسية.

شكّلت «المسألة العراقية» موضوع سلسلة طويلة من المقالات والدراسات والكتب. ويتفق الجميع على أن الحرب التي تعبث بالبلاد منذ أكثر من أربع سنوات أدّت إلى قيام حالة من الفوضى. هكذا تبخّرت جميع الوعود التي أطلقها الأميركيون عبر مشروعهم في الإطاحة بصدام حسين الذي كان قد قاد البلاد إلى العديد من النزاعات. وبالنتيجة تحوّل «التحرير» المعلن من قبل واشنطن إلى «حرب أهلية» لا يبدو مخرجها ظاهرا لأحد. فلماذا حدث ذلك؟

إن مؤلفة هذا الكتاب تحاول أن توضح «ما هو حقيقي وما هو مزيّف» من التساؤلات المثارة حول الأزمة العراقية «المستعصية» والتي ترى أنه من الضروري تحليلها وفهمها في إطار منظور التطور الذي عرفته البلاد منذ استقلالها، وهي تطرح في هذا الإطار عشرة أسئلة تعتبر الإجابة عليها «مفاتيح» حقيقية من أجل فهم «المسألة العراقية» المعقّدة. الأسئلة العاشرة هي التالية:

ـ لماذا كان العراق على تلك الحالة من الخراب عام 2003؟

ـ ماذا كانت عليه طبيعة الروابط بين الطوائف العراقية قبل الحرب؟

ـ ما هو المنطق الحقيقي الذي قام عليه تدخل الولايات المتحدة؟

ـ بعد الانتصار في الحرب، كيف كان يمكن كسب السلام (مارس 2003- ربيع 2004)؟

ـ لماذا فشل العراق في الانتقال من حالة الحرب إلى حالة الاستقرار (ربيع 2004- شهر ديسمبر 2005)؟

ـ في أية لحظة اندلع منطق الحرب الأهلية؟

ـ ضمن أي مقياس تغيّر حرب العراق المعطيات الإقليمية؟

ـ هل العراق هو الجبهة الأولى في حرب الحركات الإسلامية المتطرفة؟

ـ كيف يعيش العراقيون؟

ـ كيف الخروج من حالة الفوضى؟

هذه الأسئلة العشرة تشكل عناوين الفصول التي يحتوي عليها الكتاب. وتبدأ المؤلفة تحليلاتها بالتأكيد على الظروف التاريخية الصعبة التي تشكّلت فيها الدولة العراقية انطلاقا من الولايات الثلاث «الموصل وبغداد والبصرة» التي كانت تتصف بـ «التخلف» في ظل الحكم العثماني.

وترى أنه في الوقت الذي كان فيه «صقور» الإدارة الأميركية الحالية في واشنطن يعدّون الخطط من أجل «الإطاحة بالنظام» في العراق بسرعة وعلى أساس رؤية للمجتمع العراقي ولبناه التحتية الأساسية تعود إلى سنوات الثمانينات والتسعينات بينما كان العراق في الواقع يعرف حالة من «الخراب العميق».

وذلك في سياق تاريخ سياسي عنيف عرفته البلاد خلال القرن العشرين. كما تشير المؤلفة إلى أن العراق وبعد «المعجزة» الاقتصادية لسنوات السبعينات غرقت البلاد في حالة من «الإفقار»، أولا بسبب الحرب ضد إيران ثم أيضا بسبب منظومة العقوبات الدولية التي جرى فرضها بعد حرب الخليج الأول عام 1991.

ولا تتردد المؤلفة في أن تتحدث عن الحرب العراقية ـ الإيرانية باعتبارها «منعطف». ذلك أنه إلى جانب تنامي «نزعة الفخار» و«الاعتزاز بالنفس» وما رافق ذلك من تمجيد سلطة الفرد، بدأ العراق في الوقت نفسه مسيرة «انحطاط» على الصعيد الاقتصادي. ثم جاءت العقوبات الدولية كي تكمّل «المهمة».

وفي مثل ذلك السياق «المخرّب اقتصاديا» تطرح المؤلفة السؤال الخاص بالعلاقة بين الطوائف العراقية حتى الحرب الأخيرة. وتؤكد في إجابتها أن العراقيين بمختلف طوائفهم كانوا يعيشون حالة من التفاهم حتى عام 2003، كما يدل واقع الزيجات المختلطة العديدة. لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن مشاعر الإحساس بالانتماء الشيعي والكردي خلال القرن العشرين بالانطلاق من مشاعر الإحساس بالاضطهاد والظلم والتهميش من قبل السلطات السياسية القائمة.

لكن ما هو المنطق الحقيقي الذي قام عليه تدخل الولايات المتحدة عسكريا في العراق؟

تشير المؤلفة في إجابتها على هذا السؤال أن سياسة الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط عامة، وحيال العراق خاصة، قامت على إرادة المحافظة على التوازن الإقليمي قبل أي شيء آخر. ثم وفي الوقت الذي لم يكن فيه العراق سوى مجرد أحد المسارح البعيدة للحرب الباردة، لكنه أصبح اعتبارا من عام 1979 بمثابة حاجز أمام إيران بقيادة الإمام الخميني.

لكن القوة العسكرية التي امتلكها النظام العراقي بدعم من حلفائه الغربيين، ومطامعه التوسعية، أثارت قلق الولايات المتحدة. وإذا كانت حرب الخليج الأولى عام 1991 قد شكّلت «مناسبة» من أجل تقليص القوة العراقية إلى حد كبير وخسر قسم من أراضيه في الشمال كما جرى إخضاعه لنظام التفتيش والعقوبات فإن ذلك كله لم يكن كافيا بنظر عدد من دوائر السلطة في واشنطن، ذلك أن هذه الدوائر أصرّت على أن العراق لا يزال مصدر تهديد طالما أن صدام حسين على رأسه. لذلك جرت الدعوة للإطاحة بالنظام العراقي.

ويتم التأكيد في هذا السياق على أن تفجيرات 11 سبتمبر 2001 هي التي جعلت إدارة جورج دبليو بوش تجنح إلى تأييد مثل تلك النظرية. هكذا اندرجت الحرب ضد العراق عندئذ في إطار «الحرب ضد الإرهاب». وعلى الرغم من أشكال التردد بل المعارضة الصريحة التي أبداها قسم هام من المجموعة الدولية فمن لم تقنعهم الحجج المقدمة لتبرير الحرب، فإن الولايات المتحدة ترأست «ائتلافا من المتطوعين» لشن الحرب، والذي كان «ائتلافا» مقلّصا أكثر بكثير مما تؤكده الإدارة الأميركية، كما تشير المؤلفة.

لقد أدّت عملية «تحرير العراق» إلى انهيار نظام صدام حسين بمدة تقل عن ثلاثة أسابيع. لكن بدا بوضوح أن «الائتلاف المنتصر» لم يحضّر أبدا فترة ما بعد الحرب، كما تشرح المؤلفة في معرض إجابتها عن السؤال الخاص بـ «كيفية كسب السلام بعد الانتصار في الحرب»؟

وهي تؤكد على أن الأميركيين قد تجاوزتهم الأحداث في الفترة الأولى كنتيجة للانهيار المفاجئ للدولة وكانوا موزعين بين رغبة الانسحاب سريعا وإرادة تعميم الديمقراطية في العراق وفيما هو أبعد منه في منطقة الشرق الأوسط كلها. ذلك التناقض الذي ظهر خلال الأشهر الأولى للاحتلال (مارس 2003 ـ ربيع 2004) كان له عواقبه الخطيرة في المستقبل، حسب الشروحات المقدّمة.

أما «المرحلة الانتقالية» التي فشلت فقد انتهت رسميا مع انتخابات شهر ديسمبر من عام 2005. كان على البرلمان «المنتخب» صياغة دستور للدولة الجديدة. لكن لم يكن ممكنا تنفيذ «المهمات» المطلوبة والمتفق عليها مع الأميركيين والأمم المتحدة خلال الفترة الزمنية المحددة.

هنا تشير المؤلفة إلى أن الحرص بـ «شكل اصطناعي» وغير واقعي دون تحقيق الأهداف المعلنة أدّى إلى زيادة خطورة الوضع عبر إعطاء «إطار مؤسساتي للخلافات السياسية ـ الطائفية». لكن متى اندلع منطق الحرب الأهلية؟ وسؤال آخر تطرحه المؤلفة: ما هي طبيعة النزاع العراقي؟

وتقصد المؤلفة بالحرب الأهلية التعريف القاموسي القائل: «هي صراع مسلّح ينفجر داخل إطار دولة ما ويأخذ أهمية أو يتسع إلى درجة تميّزه عن مجرد تمرّد أو عصيان». لذلك يتم توصيف أي نزاع على أنه حرب أهلية تبعا للتقييمات المقدّمة حياله. هكذا ترفض السلطات الأميركية والعراقية هذا التعبير وتعتبر أن الأمر يتعلق بمحاولات تقوم بها مجموعات مسلّحة قليلة وهامشية ـ مجموعات «إرهابية» ـ ترمي إلى هز استقرار «الديمقراطية الفتيّة».

لكن ذلك لم يمنع العديد من الصحفيين والخبراء بتشبيه الوضع في العراق بـ «الحرب الأهلية» نظرا للأعداد الكبيرة في الضحايا الذين يسقطون على خلفية انتمائهم الطائفي، خاصة بعد التفجيرات التي تعرّض لها مسجد سامرّاء في شهر فبراير 2006 والتي أثارت موجة من العنف لا سابق لها.

وإذا كانت إدارة بوش قد اعترفت بخطورة الوضع بعد صدور تقرير بيكر ـ هاملتون في شهر ديسمبر 2006 فإنها لا تزال تحرص على عدم استخدام تعبير «الحرب الأهلية» لأنه يشكل اعترافا صريحا بفشلها. بكل الحالات تؤكد التحليلات المقدّمة على أن سقوط نظام صدام حسين والتطورات السياسية في العراق غيّرت بعمق المعطيات الإقليمية، وذلك عبر ثلاث متغيرات أساسية.

الأول هو بروز العراق الذي يمارس فيه الشيعة الدور السياسي الأول والثاني يتمثل في تثبيت أركان الاستقلال الذاتي الكردي والثالث هو الحضور الأميركي في قلب الشرق الأوسط. ومن جهة أخرى أصبح لمنظمة القاعدة تواجدا كبيرا في العراق.

*الكتاب:الفوضى العراقية - عشرة مفاتيح من أجل الفهم

*الناشر:لاديكوفيرت ـ باريس2007

*الصفحات:123 صفحة من القطع المتوسط

Le chaos irakien, dix clés pour comprendre

Fanny Lafourcade

La Découverte- Paris- 2007

P.123