جورج قرم خبير اقتصادي ومؤرخ ومفكر سياسي، يعمل مستشارا لدى العديد من الهيئات الدولية. وزير سابق في لبنان وأستاذ جامعي.قدّم العديد من المؤلفات حول مشاكل التنمية والسياسة في العالم العربي من بينها «الشرق الأوسط المتفجر» الذي عرف عدة طبعات في فرنسا، إحداها طبعة «الجيب» الشعبية الشهيرة. وله أيضا «أوروبا والشرق» و«الفوضى الاقتصادية الدولية الجديدة» و«شرق ـ غرب، الشرخ الخيالي» و«المسألة الدينية في القرن العشرين» و«لبنان المعاصر».
الكتب الثلاثة الأخيرة عرف كل منها طبعتين. بكل الأحوال أصبحت أعمال جورج قرم حول الشرق الأوسط المعاصر والعلاقات بين أوروبا والشرق مرجعيات «كلاسيكية» كل منها في ميدانه. الكتاب الجديد «تاريخ الشرق الأوسط، منذ القديم حتى العهد الحاضر» يغطي تاريخ المنطقة منذ العصور القديمة، أي منذ ما قبل الحقبة الإسلامية وحتى الفترة المعاصرة. وهو يتحدث عمّا يسميه ب«جيولوجيا الثقافات» التي أقام الإسلام على أرضها أحد أكبر الحضارات في التاريخ الإنساني كله. ويقدم المؤلف منطقة الشرق الأوسط بكل أشكال تراثها الثقافي الثري وما عرفه التاريخ من «قطيعات» و«استمرارية» بين الإمبراطوريات والحضارات التي عرفها التاريخ.
يقوم المؤلف بتوزيع مواد كتابه بين ثلاثة أقسام رئيسية. يخص الأول «تداخلات الجغرافيا والتاريخ»، ويخص الثاني: «الشرق الأوسط الحديث»، ويحمل القسم الثالث عنوان: «كيف يمكن فهم الوضع المعقد في الشرق الأوسط». وقد اختار جورج قرم لخاتمة عمله عنوانا يقول: «الأنظمة السياسية في الشرق الأوسط والقانون الدولي».
يقوم المؤلف في القسم الأول من الكتاب ببعض التعريفات الجغرافية والبشرية حيث يشير إلى أن منطقة الشرق الأوسط تدل على مجال جغرافي غير محدد بشكل دقيق إذ يمتد جُغرافيا «من سلاسل الجبال البلقانية في أوروبا حتى الصحراء الليبية». وتضم التعريفات الانجلوسكسونية أفغانستان والباكستان للشرق الأوسط، ويتم في سياقات أخرى الحديث عن المشرق أو عن «الشرق الأوسط وشمال إفريقيا». بكل الحالات يحدد جورج قرم الشرق الأوسط الذي يدرس في هذا الكتاب بلدان المشرق العربي وإيران وتركيا.
وعلى الصعيد البشري يركز المؤلف على القول أن الشرق الأوسط قد عرف منذ أزمنة قديمة جدا صيادين وبحّارة وتجارا انفتحوا على البحر، ويمثل الفينيقيون نموذجهم الأمثل. ويشير إلى أنه اتسم بوجود «ثروة ثقافية استثنائية» باعتباره «مركز وملتقى حضارات عديدة». وفي الشرق الأوسط شهدت المدن ولادتها منذ العهود القديمة. وإذا كانت هذه المدن، خاصة في بلاد ما بين النهرين قد تعرّضت للتهديم مرات ومرات بفعل الغزاة أو بسبب عوامل طبيعية فإنها قد عرفت دائما كيف «تنهض من رمادها».
وتتسم اللوحة السكانية لمنطقة الشرق الأوسط بالتنوع إذ التقى على أرضها ساميون وهنود ـ أوروبيون وأفارقة، وتعاقب عليها السومريون والأكاديون والآشوريون والفينيقيون والكنعانيون والآراميون وغيرهم. من هنا غدا من الصعب بل من المستحيل، النظر إلى الشرق الأوسط عبر صورة واحدة تسمح ب«تثبيت السمات الاثنية أو الثقافية». لذلك يتحدث جورج قرم عما يسميه ب«جيولوجيا الثقافات»، ويميّز في هذا الإطار بين ثلاث طبقات كبرى «تنضد» على أساسها تاريخ الشرق الأوسط.
إنه يتعرض هنا لتاريخ بلاد ما بين النهرين بمكوناتها البابلية والكلدانية والآشورية وصولا إلى الفتوحات العربية والخلافتين الأموية والعباسية. كذلك يولي اهتمامه لدراسة «تاريخ الأناضول» ابتداء من الحثيين وصولا إلى «الفتح البطيء» لمنطقة الشرق الأوسط من قبل الأتراك السلاجقة وبعدهم العثمانيين مع التوقف عند محطتين أساسيتين تخصان: «الشرق الأوسط اليوناني» من الألف الثاني قبل الميلاد وحتى القرن السادس عشر الميلادي، والمحطة الثانية تخص «الأرمن في الشرق الأوسط الحديث» ومسألة «نهاية الإمبراطوريات وبروز القوى الغربية».
ويشير أولا إلى «التناقض المدهش» بين الصعود القوي للدول الأوروبية انطلاقا من عصر النهضة، منذ نهايات القرن السادس عشر، وبالمقابل التقهقر التدريجي الذي عرفته مجتمعات الشرق الأوسط انطلاقا من القرن الثامن عشر. هذا القرن هو المعروف ب«عصر التنوير» الأوروبي، باختصار «انحطّ الشرق» و«انبعث الغرب».
لقد برزت القوى الأوروبية ثم الأميركية في الشرق الأوسط منذ نابليون بونابرت حتى اليوم. ولا يتردد المؤلف في الحديث عن «الأثر التخريبي» الذي ترتب على الفتح الأوروبي على قاعدة التنافس بين فرنسا وبريطانيا بشكل خاص ثم إثر قيام إسرائيل في المنطقة. ويتم تحديد «ثلاثة أشكال لمقاومة السيطرة الأوروبية في الشرق الأوسط. المقصود بذلك أنماط المقاومة التركية والإيرانية والعربية «التي وُلدت كل منها في ظروف تاريخية خاصة».
فالنمط التركي قام على أساس «إيديولوجية علمانية وقومية لدى ضباط تركيا الفتاة» و«الإرث الأتاتوركي»، والنمط الإيراني كان هو أيضا له «تطلعات تحديثية» عبّرت عنها النزعة البرلمانية اعتبارا من عام 1908. أما النمط العربي فقد قام على «خلفية قومية» التي مثّل عبد الناصر رمزا لها. لكن مع «هزيمة عبد الناصر في مواجهة إسرائيل عام 1967 ثم موته المبكّر عام 1970 أدّيا إلى تقهقر المبادئ القومية العربية ذات الطبيعة الدنيوية».
ويبحث جورج قرم تحت عنوان: «الشرق الأوسط في ظل السيطرة الأوروبية» واقع التنافسات الأوروبية وما ترتب عليها من تقسيمات جديدة للشرق الأوسط ما بين حملة نابليون 1798 ونهاية الحرب العالمية الأولى. وبعد المراحل الكبرى لعدد من مشاريع «الإصلاح السياسي» في ظل الإمبراطورية العثمانية إنما ب«إيحاء أوروبي» أصبح الشرق الأوسط تحت ظل السيطرة الفرنسية ـ الانجليزية المباشرة ما بين عام 1919 وعام 1959، وذلك تنفيذا للاتفاقيات المعروفة باسم «سايكس ـ بيكو» المبرمة في شهر مايو من عام 1916.
لكن مع نهاية الحرب العالمية الثانية التي خرج منها منتصران كبيران هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق ثم نشوب حرب السويس عام 1956 التي لعبت موسكو وواشنطن الدور الرئيسي في وضع حد لها، عرفت منطقة الشرق الأوسط تنافسا كبيرا بين الأميركيين والروس في ظل الحرب الباردة.
ويشرح جورج قرم على مدى العديد من الصفحات رؤيته للحروب التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط اعتبارا من حرب يونيو 1967 التي شكّلت منعطفا مع ظهور الحركات الفلسطينية المسلّحة بينما ساعدت حرب أكتوبر 1973 على تعاظم الدور السعودي وعلى تفجر لبنان بينما كان قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 ثم الحرب العراقية ـ الإيرانية التي أعقبتها مقدمة لصعود الحركات المتطرفة على قاعدة الإيديولوجية الإسلامية.
وكانت حرب الخليج الأولى بداية وضع العراق «تحت الوصاية»، في الوقت الذي لم يؤد فيه زوال الاتحاد السوفييتي إلى تراجع النزاعات في الشرق الأوسط وإنما إلى زيادة تأججها. وليقوم بالنتيجة «الشرق الأوسط الجديد حسب المنظور الأميركي».
في القسم الثالث والأخير من هذا الكتاب الخاص بـ «كيفية فهم الوضع المعقد في الشرق الأوسط» يبحث جورج قرم في «الصعوبات المنهجية» التي تواجه كتابة تاريخ هذه المنطقة من العالم ويحدد أولى الصعوبات في واقع أن المؤرخين الذين تعرّضوا لكتابة تاريخ الشرق الأوسط، عربا كانوا أم أجانب، إنما نظروا إليها من خلال بعدها الديني بشكل أساسي. بل ويشير إلى أن المؤرخين الأوروبيين ينظرون إلى الحضارة الإسلامية وكأنها «لا تتبدل على مرّ القرون».
كما يشير إلى التقاليد الأوروبية «العريقة» التي تعيد أسباب تقهقر حضارات الشرق الأوسط إلى الأصل «السامي» للسكان أو إلى العامل الديني. أما التحليل الماركسي فإنه يعيد هذا التقهقر إلى «الاستبداد الشرقي». لكن هذه التحليلات كلها منقوصة، كما يرى المؤلف، ذلك أنها تهمل العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تشكل إلى حد كبير أحد المحركات الأساسية للتاريخ.
ويركز جورج قرم على واقع وجود حالة من «سوء الفهم» بين أوروبا والشرق العربي، وهي حالة زادت منها محاولة أوروبا «إصلاح» ما ألحقته باليهود من مظالم على حساب الفلسطينيين بينما أن العرب لم يشاركوا أبدا بتلك المظالم. في المحصلة يقدم المؤلف الشرق الأوسط على أنه منطقة «في حالة غليان» منذ أوائل القرن التاسع عشر وهي تشهد تحولات ثقافية وديموغرافية وسياسية مستمرة.
وكان الشرق الأوسط قد عرف سيطرة اليونانيين والرومانيين لقرون طويلة عليه وغزاه الصليبيون والمغول، و«لا أحد يستطيع اليوم أن يقول فعليا ما سيكون عليه الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين»، كما يقول المؤلف ثم يضيف: «إن هذه الأرض يمكن أن تخبئ أيضا مفاجآت عديدة».
*الكتاب:تاريخ الشرق الأوسط، من العصور القديمة حتى اليوم
*الناشر:لاديكوفيرت ـ باريس 2007
*الصفحات:192 صفحة من القطع الصغير
Histoire du Moyen - Orient
de l'antiquité à nos jours
Georges Corm
La Découverte - Paris 2007
P.192

