لا يتردد كثير من النقاد في تشبيه الأديب المجري بيتر ناداس بمبدعين عظام من عيار روبرت موزيل وجيمس جويس وتوماس مان استناداً إلى أعمال راسخة له من قبيل روايته «كتاب الذكريات» ومجلدات قصصه الثلاثة الهائلة «قصص موازية». ولعل هذا يشكل مبرراً وجيهاً إضافياً للمبادرة إلى الاقتراب بمنهاج التحليل والتأمل ومحاولة التعمق في الفهم من كتابه الصادر حديثاً تحت عنوان «النار والمعرفة».

وفي هذا الكتاب سندرك السر في المكانة المميزة التي يحتلها ناداس في الحياة الأدبية الأوروبية، فبما أن الكتاب يضم مجموعة من مقالاته وعدداً من قصصه القصيرة، فإننا يتاح لنا أن نرى فيه المعلق اللماح على الأحداث التي غيرت بلاده وأوروبا بأسرها منذ عام 1989، ونلمح فيه كذلك الناقد الأدبي المتعمق، والمفسر البارع للغة والسياسة في مجتمعات تحظى بالحرية وتعاني من غيابها في آن، والداعية الأخلاقي الذي لا يحول عينيه عن التأثيرات المروعة للخديعة والنفاق علينا جميعاً.

و«النار والمعرفة» تجعلنا نقترب بشكل أكثر كمالاً من تطور ناداس كقاص، فهذا المجلد يضم قصصاً تعود إلى الستينات والسبعينات من القرن الماضي، عندما تعين عليه أن يكتب في ظل ظروف ضاغطة، بل وشديدة الخطورة، وهناك قصص أخرى تقود إلى سنوات قريبة. الحقيقة الأساسية التي ينبغي ألا تغيب عنا ونحن نقرأ قصص ناداس المتضمنة في هذا المجلد هي أنه قد ولد في بودابست عام 1942، وبالتالي فقد عاش ثورة 1956 وفي ظل الحكومات القمعية التي أحكمت سيطرتها على بلاده.

تعكس القصص التي تعود إلى الستينات والسبعينات حياة تعاش في ظل مستويات متفاوتة من سيطرة الدولة، فالمؤلف ساحر خبير في كل ما يتعلق بجنون الاضطهاد. ولكن ناداس يستمد قصصه كذلك من مؤثرات تعود إلى زمن أبعد، فهي تدور بصفة أساسية في مجر البلدات الصغيرة والقرى.

والقصص تحظى بالكثير من عناصر تجميل الحكاية الخرافية، وفي مقدمتها الدروب المجهولة، الدروب التي تتلوى مفضية إلى البعيد، والنسوة العجائز الغريبات. وشخصياته، وبصفة خاصة الأطفال منها، تحظى بالوضوح الوحشي الذي نجده في الحكاية الخرافية. ولكنه لا يعطي أبداً الشعور بأنه أديب عتيق الطراز.

نتوقف بصفة خاصة عند قصة تحمل عنوان «كاذب، مخادع»، فنجدها تستكشف آفاق الحقيقة والخيال من دون التوقف لحظة لإمعان التفكير. حيث نلتقي بطفل في طريقه إلى المدرسة، وهو يلاحظ عربة مليئة بالقار الذي يغلي. وبالنسبة للأطفال الصغار الذين يفتقرون إلى تحذيرات الكبار فيما يتعلق بجفاف الطلاء فإن مشاهدة القار وهو يغلي أمر شديد الجاذبية.

ومن هنا فإن الصبي يعد خطة، فهو يكتب رسالة بحروف كبيرة مرتبة يقول فيها: «عزيزتي المعلمة، أرجو السماح لابني بالانصراف لأن اليوم هو عيد ميلاده ونحن نريد الاحتفال به» وهو يوقع الرسالة باسم أبيه. بعد أن تحرر الصبي على هذا النحو من خلال الفبركة يعود إلى عربة مصلح الطريق لمشاهدة «الكتلة السوداء الغليظة» وهي تتحول إلى رصيف. ولكن هذه الفبركة لها عواقبها.

في المساء تطل المعلمة عند باب بيت الأبوين، وقد ارتدت أجمل ملابسها، واعتمرت قبعة، ودست يديها في القفاز، وحملت لوحاً من الشيكولاته، فهي تريد الاحتفال بعيد ميلاد الصبي، وهي تمضي مع الأبوين إلى غرفة الجلوس تاركين الصبي وقد تجمد في موضعه في مدخل الدار، حيث يقول لنا: «أحسست أن شيئاً فظيعاً يوشك على الحدوث في الداخل هناك.. شيء فظيع للغاية بحيث أنني لم أستطع حتى أن أتخيله».

في حقيقة الأمر أنه بعد صفحة من الفزع الشامل لا يحدث شيء فظيع، وإنما يأتي موعد طعام العشاء كالمعتاد، وقت الذهاب إلى السرير، قبلة. ويلاحظ الراوية أنه مع ذلك فإن الدنيا مختلفة على نحو ما. «لقد تغير كل شيء». لقد اكتشف الطفل إمكانية الحرية في الاختراع، وتعلم معنى الرهبة.

إن الرهبة هي ما تضفي على هذه القصص قوتها الاستثنائية بينما تعالج الكذبات التي يقولها الناس لشراء حريات صغيرة برقة رائعة، وهذا هو على وجه الدقة ما نجده في قصة أخرى هي رائعة المجموعة حقاً وهي بعنوان «الحمل» والتي تعود إلى عام 1966. وبينما تتضخم مقالات ناداس باتجاه التجريد، فإن قصصه تبدي اهتماماً جميلاً بالتفاصيل الدقيقة، على نحو ما نجده في قصة «دار السيدة كلارا».

ويضم المجلد قطعاً صغيرة، قصصاً ومقالات على حد سواء، تعود إلى الفترة من 1962 إلى 2000. وقد يبدو بالنسبة للقراء أنه من الصعب أن ينخرط كل من القصص والمقالات في مجلد واحد على نحو مريح. ولكن مقالات ناداس تحقق ذلك التواصل الملحوظ الذي يجعلها تحظى بقوة القصص.

من المحقق أن هذا المجلد سيبقى في ذهن القارئ ووجدانه طويلاً، ربما من بين أمور أخرى كثيرة لأن كل قصة يضمها بين دفتيه تذكرنا بأن القصص يمكن أن تخبرنا بالحقيقة، تماماً كالأعمال غير القصصية، وربما أفضل.

وربما توجز مجلة «لايبراري جورنال» المتخصصة مشاعر الكثيرين إزاء هذا المجلد بالقول إنه في هذه المجموعة من المقالات وقطع النقد الأدبي والقصص القصيرة يقدم ناداس للقراء صفحة وراء أخرى من المتعة الذهنية وكذلك لمحات تطل على أغوار الروح والصراعات الداخلية حيال قضايا لا ينقصها التعقيد، مثل عقوبة الإعدام، وخاصة عندما يتطرق للحديث عن إعدام الدكتاتور الروماني المطاح به نيكولاي تشاوشيسكو وزوجته، فضلاً عن قصص قصيرة تردد أصداء روائع كافكا وبرنارد مالمود وروث.

إطلالة على المدينة

«كانت الورود التي التهمها الصدأ بجذورها السائبة، النباتات المتسلقة وأوراق الاقانثا الجميلة تحدث جلبة صاخبة وممتدة عندما تفتح أو تغلق البوابة الحديدية التي يصعب تحريكها في أي من الاتجاهين. وشقت الأصوات المختلطة الصادرة عن المعدن غير المشحم طريقها عبر الحديقة الهادئة، ثم ارتدت أصداؤها في وهن عن سور الفيللا ذات الطابق الواحد.

ترامت الفيللا، الفخور بأبعادها الممتدة، على مسافة كبيرة فوق الحديثة، ولكن من قاموا ببنائها مارسوا قدراً كافياً من الاعتدال بحيث حالوا بينها وبين أن تطل متباهية على الشارع، حيث حجبوا في اقتدار الواجهة وسط أشجار صنوبر سامقة وشجيرات شرقية وحدائق صخور. غير أن الشرفة البارزة والحديقة الشتوية، وراء القضبان المتداخلة، كانت لهما إطلالة مفتوحة على الخطوط الرئيسية الغامضة للمدينة.

مقتطف من كتاب «النار والمعرفة»

*الكتاب:النار والمعرفة

*الناشر:فارار وشتراوس وجيروكس نيويورك 2007

*الصفحات:392 صفحة من القطع المتوسط

Fire and Knowledge

Peter Nadas

Farrar, Straus and Giroux, N. Y. 2007

P.392