يسعى الناقد د. شاكر عبد الحميد في كتابه (الفنون البصرية وعبقرية الإدراك)الى تقدم بعض الأفكار القديمة والحديثة الخاصة بالفنون البصرية ومكوناتها وتفاعلاتها، وأيضا حول كيف يرتقي فهم الطفل لها، وكيف يتفاعل المخ البشري معها، وكيف تطورت فكرة المكان والمنظور عبر تاريخ الإنسان، وما عناصر الخيال البصري ومكوناته وكيف يرتقي ويتطور خلال الإبداع للأعمال البصرية وخلال التذوق لها أيضاً ثم قمنا بختام هذا الكتاب بفصل حاولنا أن نربط فيه بشكل عام بين الفنون البصرية والثقافة البصرية.
ولا يدعي د. شاكر عبد الحميد أنه قد أحاط بكل الفنون البصرية، ولا أنه قد تعامل معها بالعمق الكبير اللائق بها، ولا أنه قد تتبع المراحل والتطورات التاريخية والأسلوبية في كل هذه الفنون، ويقول: هذه وغيرها تحتاج إلى كتابات وكتابات كثيرة يعجز أن يقوم بها الإنسان الفرد، فهي مهمة المؤسسات والهيئات الثقافية الكبرى.
ويؤكد المؤلف أن الفنون البصرية هي علاقة خاصة بين الإنسان والعين والمكان، المكان الموجود داخل العمل الفني أو الموجود خارجه، المكان الموجود في اللوحة أو قاعة العرض أو المتحف أو المحيط بالمباني أو الخاص بالميادين والشوارع أو المكان الداخلي الخاص، مكان الخيال والحلم والذاكرة.
المكان ثلاثي الأبعاد مكان واقعي لكنه مكان فني أيضاً يميز الفن الواقعي وأحيانا غير الواقعي، ويستخدم الفنانون التشكيليون والمصممون المعماريون وغيرهم المكان غالباً عنصرا إيجابيا في أعمالهم. ولكنهم لا يقصرونه على المكان ثلاثي الأبعاد فقط، فقد يكون هذا المكان ثنائي الأبعاد أو ثلاثي الأبعاد أو رباعي الأبعاد، وقد يكون واقعيًّا أو متوهمًا أو متذكرًا أو متخيلاً..إلخ. كما سنعرف ذلك لاحقا، وكما سنربطه بالفنون البصرية بشكل عام.
ويطرح د. شاكر العديد من التساؤلات منها ما الفنون البصرية هذه ؟ ويجيب: إن ما نقصده بالفنون البصرية، كل تلك الفنون التي تعتمد في إنتاجها وإبداعها وفي تذوقها وتلقيها على حاسة الإبصار، أو على فعل الرؤية كي يتسع المعنى الذي نقصده بالإبصار ليشمل الرؤية البصرية الخارجية والرؤية العقلية والخيالية والوجدانية الداخلية.
إذن الإبصار والمظهر الخارجي المرئي من الأمور الحاسمة في تصنيف الفنون البصرية التي تشتمل على الرسم والتصوير والنحت والعمارة وغيرها، ولكن ثمة أمور أخرى جوهرية مميزة لهذه الفنون سنشير إليها لاحقا عبر صفحات هذا الكتاب.
أيضا ما عبقرية الإدراك؟ ويقول أولاً: نقول إن الإدراك ـ في جوهره ـ عملية يقوم العقل الإنساني من خلالها بإضفاء المعنى أو خلعه على المدركات الحسية التي يتلقاها أيا كانت، فعندما أستمع إلى كلمة «كتاب» باللغة الإنجليزية مثلا ولا أكون عارفًا بمعنى هذه الكلمة، تظل الحروف المكونة لكلمة ًُُ مجرد اهتزازات صوتية ترتطم بطبلة أذني ولا ترتقي إلى مدارك الفهم في عقلي.
أما عندما أكون عارفًا بمعنى هذه الكلمة، أو غيرها في الإنجليزية أو العربية أو غيرها من لغات العالم، فإن سماعي لهذه الكلمة قد يستدعي في ذهني كل ما يرتبط بالكتاب من صور ومعايير ودلالات، وهذا الاستدعاء أو التمثيل العقلي للكلمة هو ما نسميه بالإدراك ويحدث هذا فيما يتعلق بالصور واللوحات والأعمال الفنية وغير ذلك من موضوعات هذا العالم. إذن الإدراك هو إعطاء المعنى للمثيرات الحسية، فما عبقرية الإدراك؟
ثانيًا: يختلف التصور العلمي الحديث للعبقرية عن ذلك التصور العلمي القديم الذي كان يربط بين العبقرية والدرجة المرتفعة جدًّا من الذكاء؛ فقد أصبح الذكاء الآن مجرد مكون واحد من مكونات العبقرية، أما المكون الآخر المهم فهو الإبداع الذي هو القدرة على الإتيان أو إنتاج كل ما هو جديد ومفيد.
الذكاء تفكير في نسق مغلق، أي أن أصل إلى حل مناسب لكنه معروف سلفًا لمشكلة معينة أو لمسألة معينة كما يحدث في المقررات الدراسية التي أبرزها الآن مرحلة الثانوية العامة التي قد يحصل بعض طلابها على 100% من الدرجات، هؤلاء أذكياء لكنهم ليسوا مبدعين ولا عباقرة، فالمبدع هو من يأتي بالجديد المفيد.
وتتفاوت درجات المبدعين ومستوياتهم فتكون مرتفعة أو متوسطة أو منخفضة، كذلك شأن الأذكياء قد يكون ذكاؤهم مرتفعا أو متوسطا أو منخفضا، فإذا اجتمعت مستويات مرتفعة من الذكاء (العام) والإبداع معا، مهدت الطريق لظهور العبقرية في المجالات المختلفة، فإذا حدث ذلك في مجال التفكير البصري، أي مجال فهم العالم وإبداعه من خلال لغة الشكل والصورة، وظهرت لنا عبقريات مثل ليوناردو دافنشي أو بيكاسو أو غيرهما. وقد يحدث الأمر نفسه فيما يتعلق باجتماع مستويات الذكاء والإبداع في الحقول المعرفية المختلفة الأخرى.
ومثلما ميز توماس كون في كتابه «بنية الثورات العلمية» بين نوعين من العلماء: الثوريين الذين يقدمون الإنجازات الكبرى والمطورين الذين يمتدون بأفكار الثوريين إلى مسافة أبعد، فكذلك يمكن التمييز في مجال الفنون البصرية بين فنانين مجددين وفنانين مجودين؛ حيث يقدم النوع المجود من الفنانين الأفكار الأساسية والأساليب بالنسبة إلى المدارس والاتجاهات الفنية الجديدة، ثم يهتم المجودون بهذه الأفكار والأساليب وينشغلون.
قد يكون المجدد ذكيا ومبدعا، وكذلك قد يكون المجود ذكيا ومبدعا، أما الفنان العبقري فهو الذي يجمع بين الذكاء والإبداع، وبين التجديد والتجويد، ثم إنه يصهر ذلك كله في بوتقة واحدة فذة ونادرة.فإذا أضيفت إلى ذلك كله مستويات مناسبة من الذكاء العاطفي أو الانفعالي، وكذلك الذكاء الشخصي والاجتماعي، كانت العبقرية مؤكدة.
إن الذكاء العاطفي مهم جدا في التحقيق والتجسيد لذكاء الإدراك وعبقريته، فما الذكاء العاطفي هذا باختصار؟ لقد طرح العالم «دانييل جولمان» الفكرة الخاصة بهذا الذكاء في كتابه المسمى «الذكاء العاطفي» والذي صدرت طبعته الأولى عام 1995م، وصدرت ترجمته العربية عام 2000م.
(في سلسلة عالم المعرفة بالكويت وترجمته بتمكن: ليلى الجبالي) ويتمثل جوهر هذه الفكرة في محاولة فهم الأسباب التي تؤدي ببعض المرتفعين في الذكاء لأن يتعثروا أكاديميا وعمليا وحياتيا، بينما يحقق آخرون أقل منهم ذكاء بدرجة واضحة نجاحا مدهشا في الدراسة وفي الحياة. إن السبب يكمن فيما يسميه جولمان «الذكاء العاطفي» والذي يشمل «ضبط النفس والحماسة والمثابرة، والقدرة على حفز النفس».
وهذه المهارات كما يُقال، يمكن تعليمها للأطفال لنوفر لهم فرصا أفضل في الدراسة والحياة، وأيا كانت الممكنات الذهنية التي منحتها لهم عمليات الوراثة أو الجينات الوراثية. ويضيف د. شاكر: وكما تلعب العلاقات بين الإحساس والشخصية والاستعدادات الأخلاقية دورا كبيرا في الذكاء العاطفي، والانفعال هو المحرك الأساسي لهذا الذكاء.
وقد يحركه سلبا أو إيجابا، والقدرة على السيطرة على الانفعال هي أساس الإرادة وأساس الشخصية ؛ وضبط النفس والاهتمام بالآخرين والإيثار كلها عوامل إيجابية في الذكاء العاطفي؛ ومن ثم فهي تساعد على تحقيق النجاح، أما القلق خاصة عندما يصل إلى مرحلة يشلّ عندها التفكير فهو البذرة الجوهرية للفشل.
إن القلق يشل التفكير كما يشير جولمان - وعلى سبيل المثال، فإن المهام المعقدة التي تتطلب قدرًا من تركيز التفكير مثل مهمة مراقبي الحركة الجوية، والتي قد يعاني من يعملون بها من قلق مزمن من أنهم سوف يفشلون في عملهم، هذا القلق يمكن أن يؤثر في أدائهم. والمصاب بالقلق يفشل في معظم الأحوال حتى لو حصل على درجات ممتازة في اختبارات الذكاء...
فالقلق يتسبب في إخفاق كل أنواع الأداء الأكاديمي، وقد تبين من دراسات مختلفة بلغت 126 دراسة (مئة وستًا وعشرين دراسة) شملت أكثر من 36 ألف شخص (ستة وثلاثين ألف شخص) ان كل من كانت لديه ميول أكثر من غيره للشعور بالقلق يكون أضعف في الأداء الأكاديمي.
وعلى الرغم من أن جولمان يستخدم مصطلح «الذكاء» لا مصطلح «التفكير»، فإن حديثه يرتبط بشكل خاص بالمهارات التي يمكن أن يتعلمها الصغار والكبار لضبط انفعالاتهم، خاصة القلق وتنشيط حساسيتهم الأخلاقية والاجتماعية والجمالية، وتوظيف ذلك كله للنجاح في الدراسة والعمل والحياة.
لقد قال عالم النفس البريطاني الشهير فرنسيس جالتون ذات مرة: «إنه لا يمكن أن يكون هنا شك بصدد فائدة موهبة التصور البصري، وخاصة عندما تخضع على نحو وافٍ للعمليات العقلية الأعلى؛ فالصورة البصرية هي أفضل أشكال التمثيل العقلي اكتمالاً، وخاصة عندما يؤخذ الشكل والوضع وعلاقات الموضوعات بالمكان في الاعتبار،
وهي مهمة ـ أي الصورة البصرية ـ في كل عمل يدوي، وفي كل مهنة حين يكون التصميم مطلوبا، وتميل تربيتنا المعتمدة على الكتب، وعلى الكلمات إلى كبت هذه الموهبة القيمة التي تقدمها لنا الطبيعة، ذلك أنها موهبة ذات أهمية في الشؤون التقنية والفنية في أنها تضفي دقة على مدركاتنا، كما تضفي سدادا على تعميماتنا، ولكننا نعمل من خلال سوء الاستخدام البليد على خنقها، بدلاً من استثمارها بفطنة معينة بحيث تأتي بأحسن النتائج.
إن ما قاله جالتون منذ أكثر من مئة وخمسين عامًا هو ما نحاول أن نؤكده مرة أخرى في هذا الكتاب، وذلك لأن الكثير مما قاله في هذه الفقرة التي نقلها مؤرخ الفن البريطاني الشهير هربرت ريد عنه، مازال صحيحا وحيّا إلى يومنا هذا وخاصة في بلادنا العربية.
محمد الحمامصي
*الكتاب:الفنون البصرية وعبقرية الإدراك
*الناشر:دار العين ـ القاهرة 2007
*الصفحات: 625 صفحة من القطع المتوسط

