تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها الأولى التي تتناول الأحوال العامة للنصارى في القرن التاسع عشر في ضوء معطيات سجلات محكمة القدس الشرعية في القدس العثمانية والتي تحوي معلومات في غاية الأهمية وفريدة من نوعها ولا تتوافر في المصادر التقليدية. وقد جاءت الدراسة في تمهيد وستة فصول ومجموعة من الملاحق.

تناول التمهيد مفهوم الملة أو الطائفة وهى جماعة دينية من الناس تنظمهم رابطة مذهبية واحدة بغض النظر عن الجنس أو اللغة أو القومية ويخضع أفرادها إلى زعيم روحي ينتخب من قبل أفراد الملة ويقترن تعيينه بصدور البراءة السلطانية ويمنح رؤساء الطوائف حق رعاية شؤون رعاياهم العامة والشخصية وحرية ممارسة شعائرهم الدينية.

ويشير المؤلف إلى أن نظام الملة صدر في الأول من يناير عام 1454 في عهد السلطان محمد الفاتح وقد بني على أسس إسلامية مستنبطة من المذهب الحنفي المذهب الرسمي للدولة العثمانية فأعطى الحرية الدينية لكافة الطوائف بما يتفق مع الشريعة الإسلامية.

ويتطرق المؤلف إلى طوائف النصارى التي عاشت في مدينة القدس فتناول في الفصل الأول أعداد الطوائف اعتمادا على المصادر المعاصرة كالرحالة والقناصل والإحصاءات العثمانية الرسمية فتبين منها أن نصارى القدس مثلوا ثلث سكان المدينة ومن أبرز الطوائف.. طائفة الروم الأرثوذكس، وقد مثلت أغلبية نصارى القدس في القرن التاسع عشر وكانت الأكثر نفوذا وأسمى الكنائس رتبة بوصفها ممثلة لعشرة ملايين من رعايا السلطان الأرثوذكس ولحماية روسيا لها ولكونها وجدت قبل فتح المسلمين للقدس من قبل الخليفة عمر بن الخطاب.

إلى جانب ذلك كانت هناك طائفة الروم الكاثوليك وقد انشقت عن طائفة الروم الأرثوذكس واضطهدهم الأرثوذكس، حسبما يذكر المؤلف، بمساعدة الدولة العثمانية في البداية ويرجع وقوف الدولة العثمانية إلى جانب الروم الأرثوذكس إلى أنها لم تكن في ذلك الوقت تعترف بالطوائف التي انشقت عن أصولها، هذا إلى جانب طوائف الأرمن وطائفة اللاتين وطائفة الأقباط وطائفة الأحباش والبروتستانت والسريان.

ويتطرق المؤلف في الفصل الثاني إلى البحث في الحياة الاجتماعية وتحدث عن الأحوال الشخصية حيث تمتعت طوائف النصارى في القدس بإدارة شؤونها المدنية والدينية وفق نظام الملل العثماني ولكن خط التنظيمات الخيرية الصادر عام 1856 قلص اختصاصات رجال الطوائف النصرانية بأن أخرج منهم القضايا الجنائية والمدنية وقصرها على دعاوى الأحوال الشخصية.

ويتبين أن التنظيمات الخيرية مست سلطة الأكليروس من خلال تشكيل المجالس المختلطة من رجال الدين والعلمانيين والتي استهدفت الدولة من تشكيلها إيجاد سلطة الرقابة على صلاحيات البطاركة الزمنية. ويتطرق المؤلف إلى الزواج فيشير إلى أن الزواج كان يتم بين أبناء الطائفة الواحدة وبخاصة الروم الأرثوذكس واللاتين ونادرا ما حصل تزاوج بين الطرفين بسبب العداء المذهبي بينهم وقلما تزوجوا من طوائف أخرى.

ومن بين ما يذكره المؤلف في هذا السياق حرص النصارى على إطالة مدة الخطوبة للاختبار وللتمازج ولتعذر الطلاق والجمع بين أكثر من زوجة. واعتمد الزواج للمخطوبة على جمالها وثروتها وعلى أخلاق والدتها وسلوكها.

وقد اختلف المهر من امرأة إلى أخرى ومن طائفة إلى أخرى وكان يصرف جزءا كبيرا من المهر في شراء الحلي والملابس ودفع أجرة خياطة الملابس وأثاث المنزل، وجرت العادة أن يختار يوم الأحد لإتمام الاحتفال بالزواج أو حفل الإكليل داخل الكنيسة وقبل العرس بمدة أربعين يوما يذهب أهل العريس لبيت العروس ويطلبون منهم تسليم ما كان قدمه العريس طيلة مدة الخطوبة لأجل أن يفصلوا ويخيطوا ويحضروا جهاز العروس ليكون جاهزا عند العرس.

أما بالنسبة للزواج من أخرى في ضوء تحريم الطلاق في المسيحية فيشير المؤلف إلى أنه من دراسة عينة ضمت 53 متوفياً تبين أن الزواج من ثانية تم بالنسبة لنحو ست حالات فقط.

وعن مكانة المرأة أشار المؤلف إلى أنها خضعت لسيطرة والدها وإخوانها وعاشت المرأة مع أهل زوجها فقيدت حريتها بإحدى الغرف وقامت المرأة مهما علا شأنها بأعمال المنزل من الترتيب والطبخ والخياطة والتطريز ورعاية الأولاد حتى أن دخولها المدارس كان بهدف تعلم هذه الأعمال وعملت على جلب الحطب للطبخ عليه.

وعن الملابس أشار المؤلف إلى أن النصارى ألزموا بلبس الأسود والأزرق ومنعوا من تقليد المسلمين في ملابسهم وكان يجري معاقبة كل من يخالف ذلك فصدر فرمان عام 1807 وخفضت هذه القيود على النصارى في عهد السلطان محمود الثاني فأصدر عام 1829 مرسوما أوجب على جميع موظفي الدولة لبس الطربوش والتخلي عن القلنسوة والعمامة مع استثناء رجال الدين من كافة الطوائف وقد رحب النصارى بذلك وبخاصة التجار وبإعلان الدولة المساواة في خط كولخانة عام 1839 وخط التنظيمات الخيرية عام 1856 ونتيجة ذلك أصبحت ملابس النصارى تشبه ملابس المسلمين.

وبالنسبة لملابس الرجال يذكر المؤلف أن النصارى ارتدوا على رؤوسهم الطاقية والطربوش والكوفية فيما لم يختلف زي نساء نصارى القدس عن زي الرجال من حيث مسميات الثياب إلا أن ثياب المرأة كانت أكثر زينة وزركشة على الرغم من القيود التي فرضت على لون الثياب الخارجية ولم تخرج المرأة النصرانية خارج بيتها غير متحجبة.

وفي إطار استعراضه كافة جوانب حياة نصارى القدس يتطرق المؤلف إلى قضية الرقيق فيشير إلى أنه لم يسمح للنصارى باقتناء الجواري في بداية القرن التاسع عشر وأشارت السجلات إلى ملاحقة السيد محمد فطينة الذي أدعي عليه بأنه باع جاريتين إلى أحد النصارى والمطالبة بتأديبه وسجنه.

أما بالنسبة للمحلات فقد عاش النصارى في محلات خاصة بهم كمحلة النصارى ومحلة السريان ومحلة الموارنة وتفرع عن محلة النصارى حارات أخرى كحارة الزراعنة والحدادين وعلى الرغم من ذلك أقام المسلمون في محلات النصارى وأقام النصارى بمحلات المسلمين.

ثم يتطرق إلى التعليم في الأديرة والكنائس فيشير إلى أن التعليم كان يتمحور عند أبناء طوائف النصارى في بداية القرن التاسع عشر حول ديانتهم وقام رهبان النصارى بالإشراف على تعليم الإنجيل وترتيل الصلوات في الكنائس والأديرة ومنها دير ماري حنة التابع لطائفة الروم ووجد في دير مار نقولا أحد أديرة الروم بالقدس مجموعة كتب وفي دير السلطان التابع للقبط 152 كتابا بلسان الحبش.

وقد كان المعلمون من رجال الدين يتصفون بالضعف وترتب على ذلك ضعف المستوى التعليمي واقتصر التعليم في هذه الأديرة على تعليم الأولاد قراءة الكتاب المقدس ومبادئ الحساب والكتابة واللغة العربية وقراءة القرآن الكريم. ومع توسع الإرساليات التبشيرية في إنشاء المدارس سعت الكنيسة إلى إصلاح التعليم في مدارسها وجذب المتعلمين لإدارتها.

وضمن تناوله الشامل لأوضاع نصارى القدس يتطرق المؤلف في الفصل الرابع إلى الحياة الاقتصادية لهم مستعرضا أوضاعهم في المجال الزراعي حيث امتلكوا أراض خاصة بهم تشمل البساتين والكروم والبيارات.

كما اهتم النصارى بشراء العقارات السكنية والتجارية والصناعية في القدس والقرى المجاروة لها منذ بداية القرن التاسع عشر في محلة النصارى والحارات التابعة لها كحارة الزراعنة والحدادين محل سكن النصارى أما العقارات الزراعية فانحصر اغلبها بالأراضي المحيطة بالقدس وبخاصة الجهة الغربية منها.

ويتطرق المؤلف في الفصل الخامس إلى الحياة الدينية فيتحدث بداية عن موقف الدولة العثمانية من التنصير حيث أصدر السلطان أحمد الثالث (1703 ـ 1730) 1723 فرمانا منع فيه طائفة الكاثوليك من قبول أفراد الطوائف الأخرى في المذهب الكاثوليكي ثم صدرت عام 1763 فتوى عثمانية بعدم التعرض لمن يتدخل من الروم الأرثوذكس في المذهب الكاثوليكي.

ويذكر المؤلف أن الدولة العثمانية قاومت في أواخر القرن التاسع عشر النشاط التبشيري فيما اعتنق بعض النصارى الإسلام وكان على من أراد منهم أن يسلم أن يذهب إلى محكمة القدس الشرعية ويعلن إسلامه أمام القاضي وقد حسن إسلام بعض النصارى ومن هؤلاء سلامة الروم الذي تركته زوجته بعد أن رفضت الدخول في الإسلام بينما أسلم معه أولاده وزوج أحدى بناته إلى مسلم وهو عبد الله الكردوش.

ثم يتطرق المؤلف إلى موقف الدولة العثمانية من النصارى عموما خلال القرن التاسع عشر مشيرا إلى أنها وضعت من أجل ذلك نظام الملل الذي يقضي بأن ينتخب الرؤساء الدينيون من قبل أفراد الملة على أن يقترن تعيين البطريرك بصدور البراءة السلطانية ومنح رؤساء الطوائف حق رعاية شؤون رعاياهم في كافة الشؤون العامة والشخصية كما منحهم حرية ممارسة شعائرهم الدينية.

كما حرصت على تطبيق العهود والمواثيق التي منحها المسلمون للنصارى وانطلاقا من ذلك وفرت لهم الأمان والحماية طالما سددوا ضريبة الجزية وإن كانت فرضت عليهم بعض القيود كمنعهم من ركوب الخيل والحمير ومن التزيي بزي المسلمين.

وفي مرحلة تالية خلال الحكم المصري (1831 ـ 1839) وفر لهم محمد علي قسطا من الحرية الدينية وألغى القيود التي فرضت عليهم من قبل الدولة العثمانية وجاء ذلك انطلاقا من رغبته في كسب ود الدول الأوروبية ليضمن عدم تدخلها إلى جانب السلطان ولذا اعلم القناصل الأوروبيين بأن حكومته ستأخذ بعين الاعتبار مصالح هذه الدول وتعامل الأقليات غير المسلمة في تلك المناطق معاملة أفضل من معاملة العثمانيين.

ثم كانت مرحلة ثالثة تتمثل في إصدار السلطان عبد المجيد خط شريف كولخانة وخط التنظيمات الخيرية وقد كان هذان الخطان بمثابة اعتراف من الدولة بحقوق النصارى وإطلاق الحريات الدينية ومساواتهم مع المسلمين في الحقوق والواجبات. وخلال هذه المرحلة سمحت الدولة للنصارى بإعادة ترميم الكنائس والأديرة التي أصابها تخريب أو تعطيل إن من جراء قدمها وإن من الحرائق بناء على فرمان صادر من السلطان.

ألفت عبد الله

*الكتاب: نصارى القدس

*الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 2007

*الصفحات: 576 صفحة من القطع الكبير