تناول الباحث السياسي في الشؤون العربية والفلسطينية فتحي رشيد القضية الفلسطينية والأحداث الجارية مؤخرا بين حركتي حماس وفتح في سبتمبر عام 2006 وكذلك التي حدثت مؤخرا في مايو 2007، وصعود المشروع الصهيوني ابتداء من الاعتراف بإسرائيل مسلطا الضوء على غزة الواقعة في قلب العاصفة.

فتحي رشيد من مواليد الناصرة (فلسطين) سنة 1943، حائز على شهادة البكالوريوس في العلوم عام 1967، خاض كضابط حرب السادس من اكتوبر وأصيب فيها، وعمل مدرسا في الثانويات السورية، من مؤلفاته رواية «التجاوز» عن حرب تشرين، كتاب «حدث ويحدث في العراق والمنطقة» أمركة أم صهينة، وكتاب «من يجرؤ على قول الحقيقة».

ويعتبر المؤلف الصراع القائم بين حركتي فتح وحماس هو مرحلة حسم للصراع العربي الصهيوني والذي تستغله إسرائيل وحلفاؤها كذريعة للانتقام من غزة وشعبها اللذين إذا ما تم تركيعهما بات من السهل تركيع مناطق الغربية المجزأة والمفتتة والمعزولة حيث تصبح بعدها إمكانية فلسطينيي الشتات الممنوعين من القيام بأية عمليات للدفاع عن قضيتهم قائمة بما يجعل إمكانية تصفية القضية بصورة نهائية أمرا ممكنا بسهولة.

وفي هذا الإطار يرى رشيد بأنه إن سلمت «حماس» بما تريده إسرائيل وأوروبا وجامعة الدول العربية واعترفت بإسرائيل وسلمت السلطة لمحمود عباس ستصفى القضية وإن لم تسلم فعليها أن تقبل الحصار والتجويع والقتل والموت وحتى الاجتياح الشامل بذريعة أن فدائيا قام بعملية استشهادية في أية بلدة داخل أراضي عام 1948، أو بذريعة إطلاق الصواريخ من غزة ومن هنا يتساءل الكاتب هل تستطيع غزة وحماس وحدهما تحقيق مثل هذا النصر على عدو يمتلك إمكانيات كبيرة مدعومة بقوى عالمية كبيرة وفي ظل وضع عربي وفلسطيني مترد؟؟

وفي هذا السياق أشار الباحث إلى المفارقات التي شهدها تاريخ المنطقة وهي تمكن حزب صغير مثل حزب الله لا يزيد عدد مقاتليه عن تعداد أفراد كتيبة عسكرية من إلحاق هزيمتين متتاليتين برابع قوة عسكرية في العالم، لم تلحقها بها الدول والجيوش العربية الجرارة وآلاف الدبابات والطائرات والصواريخ.

وحسب المؤلف فإن المفارقة المهمة تكمن في ذلك الجزء الصغير من فلسطين المسمى «قطاع غزة» والذي لا تزيد مساحته عن 2 بالمائة من مساحة فلسطين وعدد سكانه عن 2 بالمليار من سكان الوطن العربي والإسلامي، قد شكل منذ عام 1948 شوكة في عيون الإسرائيليين وحلفائهم، وبأن ذلك الجزء الصغير من الأرض الفلسطينية والقسم القليل من الشعب العربي المحاصر والمجوع والمجرد من جميع أنواع الأسلحة التي امتلكها حزب الله والتي تمتلكها أقوى الجيوش العربية سيكون قادرا على إلحاق هزيمة مماثلة بإسرائيل كتلك التي ألحقها حزب الله بها مؤخرا.

ويؤكد رشيد بأن غزة وشعبها صمدوا في وجه الاحتلال الإسرائيلي أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 عندما تم احتلال غزة وبعد العدوان الإسرائيلي على الدول العربية عام 1967 وأثناء وبعد الاجتياح الإسرائيلي للقطاع عام 2000 وأرغموها على الانسحاب من غزة من طرف واحد عام 2006 .

ومن جهة أخرى يعتبر المؤلف مواقف حركتي «حماس» و«الجهاد» والفصائل والحكومات الوطنية والقومية الفلسطينية والعربية والإسلامية الأخرى مثل حزب الله وسوريا وإيران المتمسكة بحقها وحق شعبها في المقاومة والنهوض والرافضة لتقديم أية تنازلات مجانية للعدو، أو الرافضة للاعتراف بإسرائيل انطلاقا من إيديولوجية إسلامية أو قومية أو وطنية أو اشتراكية قد يشكل أساسا جيدا لنهضة قومية ووطنية وثورية شاملة ولنشوء وحدة وطنية تشكل رافعة جديدة تعيد للمشروع القومي الإسلامي الوطني الإنساني التحرري ألقه من جديد.

ويدعو رشيد إلى ضرورة إعادة قراءة المشروع الصهيوني والمشروع العربي القومي والمشروع الإسلامي الجديد خاصة بعد التغيرات التي حصلت في المنطقة والعالم خلال العشرين عاما الماضية مما قد يدفع الكثيرين إلى بناء رؤية جديدة أو مختلفة عما سبقها واتخاذ مواقف مختلفة عن المواقف التي اتخذتها قياداتهم في المرحلة الماضية .

وتطرق رشيد إلى حقيقة الخطر الإسلامي الذي تتبناه الإدارة الأميركية وكثير من الدول الغربية والشرقية وكثيرا من النخب العربية والإسلامية والذي صدره اليهودي الصهيوني الأميركي صاموئيل هنتنجتون في كتابه صراع الحضارات عام1992.

والذي يعتبر دعاية صهيونية أميركية لم تكن إلا مقدمة لشن الحرب على أفغانستان والعراق وسوريا وإيران ولبنان وحركات المقاومة الوطنية واليسارية القومية والإسلامية الجهادية في فلسطين ولبنان والسودان والصومال ومصر والمغرب مما يجعلنا نستنتج أن انسياق كثير من المنظرين والسياسيين والكتاب والصحفيين العرب وراء هذه الدعاية ما هو إلا أحد أشكال التبعية النظرية والسياسية للصهيونية والامبريالية.

وحسب الباحث فإن نشوء خوف الدول الاستعمارية بصورة خاصة من الحركات الإسلامية الجهادية التي تمت رعايتها من قبلهم في فترة الحرب الباردة لمواجهة السوفييت والشيوعيين والقوميين والوطنيين من أن تتحول إلى مواجهة معهم بعد أن غاب العدو الأحمر فأرادت أن تشن حربا استباقية أو وقائية عليها تحول دون الحركات الجهادية من الامتداد والتوسع لتشمل جميع الحركات الإسلامية الأخرى وذلك قبل أن يأتي وقت يصبح من الصعب السيطرة عليها، فبدأت وسائل إعلامها تروج للخطر الإسلامي الأصولي.

ومن ناحية أخرى يعتقد المؤلف بأن الاعتراف بإسرائيل لن يضع حدا للحروب والاعتداءات التي تقوم بها إسرائيل ليجنبنا شرورها وغدرها ولا زيادة مطالبها، فكل من يعترف بإسرائيل يعني أنه اعترف ضمنا بحق اليهود بطرده وجميع السكان الموجودين على أرض إسرائيل التاريخية (الممتدة من الفرات إلى النيل).

وتأتي مخاوف إسرائيل برأي الكاتب أنه لو اعترف العالم أجمع بإسرائيل وحقها في الوجود وبقي حزب أو تجمع فلسطيني واحد يرفض الاعتراف بها فإن وجودها سيبقى مهددا بالزوال باعتبار الفلسطينيين هم أصحاب الحق الأصلي والتاريخي والقانوني والشرعي في فلسطين.

وفي هذا السياق يستعرض خطورة الاعتراف بإسرائيل الذي تصر عليه الدول الثمانى والرباعية خاصة أميركا وبريطانيا على أن يعترف العرب والفلسطينيون خاصة قادة «حماس» و«الجهاد» بحق اليهود في الوجود على أرض إسرائيل التاريخية في دولة اسمها إسرائيل يعني في التحليل النهائي أن لإسرائيل وحدها الحق في البقاء والأمن والازدهار والتوسع والقبول بكل شروطها الحالية والمستقبلية.

والذي يعني برأي رشيد من الناحية العملية والإستراتيجية الاعتراف الرسمي بأن أرض فلسطين هي لليهود لايجوز للعرب المطالبة باستردادها، وليس هناك الحق لأي مسلم أو عربي أو فلسطيني أن يزعم أن فلسطين هي بلد عربي أو أرض مقدسة للمسيحيين والمسلمين، ولايحق لأي لاجئ فلسطيني المطالبة بالعودة إلى دياره التي طرد منها.

كما لن يحق للعرب أوللفلسطينيين المطالب باسترداد أي شبر تم احتلاله بالقوة عام 1948 أو 1967 إلا من خلال ما يمكن أن يقدمه لهم اليهود من خلال المفاوضات وبشروطهم لأن هذه هي أرض إسرائيل التاريخية، كما سيحق لهم تغيير جميع القناعات الفكرية والسياسية والمناهج المدرسية (التاريخية والجغرافية والدينية) التي تدرس في الجامعات والمدارس والكنائس والمساجد والتي يؤمن بها جميع سكان هذه المنطقة والعالم .

ويؤكد الكاتب على أن أول من عارض وقاوم المخطط الصهيوني لتصفية القضية الفلسطينية كانوا أهل غزة، وأول من أعلن عن تشكيل مجلس وطني فلسطيني ضم 90 من خيرة أبناء الشعب هم من أهل غزة، وأول من أعلن عن قيام دولة فلسطينية على كامل التراب الفلسطيني وليس على جزء منه، وأول من شكل حكومة فلسطينية لعموم فلسطين مستقلة ودعمها إنما كانوا من أهل غزة.

وأشار الباحث إلى المواقف المبدئية التي قامت عليها منظمات المقاومة والتي تمسكت بها حماس بعد أن تخلت أغلب الفصائل الفلسطينية عنها فقد اكتسبت شعبية افتقدتها منظمة التحرير بقيادة فتح والمنظمات الأخرى الموالية لها، وأصبح من الصعب عليها استعادتها، وقيام حركتي حماس والجهاد والمنظمات الأخرى بالنضال من الداخل سواء السلمي أو المسلح ساهم بنقل هذه المشروعية والشعبية بصورة تلقائية إليها.

وتطرق رشيد إلى الفوز الكاسح الذي حققته حماس في انتخابات المجلس التشريعي والذي ألقى عليها مسؤوليات كبيرة وجديدة، لتتحمل وحدها أعباء النضال الوطني بما فيها أعباء بناء مؤسسات الدولة على أسس صحيحة، وسعيها لإحداث عملية الاختراق الفعلية في جدار التعنت الإسرائيلي من خلال العمل لبناء مؤسسات وطنية حقيقية أو لإيقاف حالة الانحدار الأخلاقي لإيقاف مسلسل التنازلات المجانية، جعل الدنيا كلها تنقلب عليها وتتهمها بالانقلاب والسعي إلى السلطة.

ويتوقع الباحث أن غزة بعد الأحداث التي حصلت مؤخرا وبقائها تحت سيطرة حماس يعني أن تصفية القضية الفلسطينية لن تتحقق على الأقل في هذه المرحلة، لهذا فإن الصهاينة حريصون على تقديم الدعم لعباس وسلطته لإسقاط حماس وإعادة غزة إلى الوضع الذي كانت عليه قبل 14 حزيران 2007، وحتى لو استطاعت غزة وشعبها ـ برأي المؤلف ـ مقاومة الاعتداء والقتل والتدمير والتجويع إلا أنها ستكون عرضة لحرب عالمية ستشارك فيها السلطة وإسرائيل والأميركان كما حصل ضد حزب الله.

كما ليس من المستبعد أن تقوم إسرائيل بحرب استباقية ضد سوريا مما قد يدخل إيران في الحرب ضد أميركا وأوروبا والأطلسي في العراق وقواعدهم في الخليج والسعودية قد تجعل الحرب تتطور لتشمل المنطقة كلها.

ناهد رضوان

* الكتاب: غزة في عين العاصفة

* الناشر: مركز الأمل للخدمات الطباعية

* الصفحات: 248 من القطع الكبير