مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي والمخرج السينمائي الأميركي المعروف كيفن ماك كيرنان. وكان قد اشتغل كمراسل لعدة مجلات وجرائد أميركية كبرى كالتايم، والنيوزويك، والنيويورك تايمز. وقد غطى بتحقيقاته الصحافية عدة مناطق ساخنة من العالم من نيكاراغوا، إلى العراق، إلى غرب إفريقيا. ونال جائزة بوليتزر الشهيرة على مقالاته وتحقيقاته الرائعة.

وفي هذا يتحدث المؤلف عن مأساة الشعب الكردي الذي تآمرت عليه الظروف والقوى العظمى والمحلية ومنعته من تشكيل دولته أسوة ببقية شعوب المنطقة. ويعود الحق بالدرجة الأولى على بريطانيا وفرنسا اللتين تقاسمتا المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الإمبراطورية العثمانية وشكلتا دولا اصطناعية. وهكذا حرم الأكراد من تشكيل دولتهم الطبيعية والشرعية بعد أن وزعوهم كأقليات على أربع دول هي: تركيا، إيران، العراق، ثم سوريا بدرجة أقل.

ثم يردف المؤلف قائلا: ينبغي العلم أن الأكراد هم شعب يسكن منطقة كردستان الكبرى التي كانت تستحق أن تعطى دولة لأنها منطقة مترامية الأطراف وذات تواصل جغرافي متكامل. ولكنهم قطّعوا أوصالها ووزعوها على أربع دول عربية وتركية وإيرانية: أي ليس فيها أي دولة كردية واحدة! وهكذا حرموا هذا الشعب العريق من حقه الطبيعي في تشكيل دولته القومية الخاصة كبقية شعوب الأرض.

والأكراد ليسو أقلية صغيرة لكيلا يستحقون دولة. وإنما هم شعب يتجاوز عدده الأربعين مليون نسمة. وهم يتوزعون في الدول الأربع المذكورة سابقا على النحو التالي: في تركيا (عشرون مليونا)، في إيران (سبعة ملايين)، في العراق (ستة ملايين)، في سوريا (مليونان).

وبالطبع هناك أقليات كردية مهاجرة في الشتات من بلدان عربية وأجنبية. ومن أهمها الأقليات الموجودة في أذربيجان، ولبنان، والكويت، وألمانيا، وبلجيكا، والعديد من الدول الأوروبية والعالمية الأخرى. والأكراد هم أكبر شعب في العالم بدون دولة. بالتالي فقد لحق بهم ظلم تاريخي لا مثيل له، ولا يشبههم في ذلك إلا الفلسطينيون مع الفارق هو أن عدد الأكراد أكبر بكثير من عدد الفلسطينيين.

ويرى المؤلف أن الأكراد يناضلون منذ أكثر من قرن من أجل تقرير مصيرهم واستقلالهم وتشكيل وطن خاص بهم دون غيرهم: هو كردستان الكبرى، أي وطن الأكراد. ولكن مصيبتهم هو أن الدول الأربع المذكورة أي تركيا، وإيران، والعراق وسوريا تعارض مشاريعهم الوطنية وطموحاتهم.

وبالتالي فكيف يمكن لهم أن يحاربوا أربع دول دفعة واحدة؟ هنا تكمن مشكلة الأكراد الكبرى. ولذا فقد تشتت هذا الشعب وتبعثر في شتى أنحاء الأرض. فهناك دياسبورا كردية كما قلنا في العديد من دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة واستراليا وحتى اليابان وإن بدرجة أقل بالطبع.

إن الدول الأربع التي يتوزع عليها أغلبية الأكراد تخشى من تأسيس دولة كردية واحدة لأن ذلك يعني قطع جزء لا يستهان به من أراضيها وضمه إلى الدولة الكردية الكبرى. وهذا ما تخشاه أشد الخشية، وبخاصة تركيا لأن مناطق الأكراد واسعة جدا هناك ولأن عددهم كبير.

وبالتالي فالأكراد لكي يؤسسوا دولتهم ينبغي أن يحاربوا أربع دول لا دولة واحدة. ومن بينها دول كبرى كتركيا وإيران. وبالطبع فإن المشكلة الكبرى هي مع تركيا لأنه يوجد فيها أكبر عدد ممكن من الشعب الكردي كما ذكرنا. إن عددهم هناك يفوق عدد سكان الكثير من الدول العربية.

والأكراد يتكلمون لهجات عديدة متقاربة من بعضها البعض، وكلها ناشئة عن اللغة الكردية الأم التي هي لغة هندية-أوروبية قريبة من الفرع الإيراني. وبالتالي فهي ليست سامية كالعربية مثلا أو العبرية.

ويرى المؤلف أن أغلبية الأكراد ينتمون إلى الإسلام السني. ولكن هناك أقليات كردية علوية ويزيدية وشيعية بل وحتى مسيحية. ويجمع بينهم كلهم الانتماء القومي والعرقي اللغوي. ووطنهم الأم منذ قديم الأزمان هو كردستان. وهي منطقة مرتفعة مؤلفة من هضاب وجبال عالية في قسم كبير منها وتقع جنوب غرب آسيا. وهي تمتد على مناطق شاسعة شمال غرب إيران، وشمال شرق العراق وشرق تركيا وجنوب جبل ارارات.

وعلى الرغم من أن الأكراد موزعون على أربع دول مختلفة إلا أن القسم الأكبر منهم متمركز في منطقة الوطن الأم وبشكل متجاور. نقصد بذلك أن أكراد تركيا مثلا مجاورون لأكراد العراق وأكراد إيران. ولكنهم لا يستطيعون أن يتواصلوا مع بعضهم البعض بحرية وأن يتوحدوا. هذا ممنوع عليهم منعا باتا.

وهناك إحصائيات متفاوتة عن عدد الأكراد. فالأرقام غير دقيقة أحيانا. ولكن نسبتهم في العراق مثلا تتراوح بين 18 بالمئة و25 بالمئة، وفي تركيا 25 بالمئة وربما أكثر وفي إيران 18 بالمئة. ولكنهم في سوريا أقل شيء: 8 بالمئة. ولكن هناك مئتي ألف هاجروا إلى أرمينيا، وجورجيا، وأذربيجان، وتركمانستان، وسواها. وأما عدد الدياسبورا الكردية في أوروبا فيتراوح بين سبعمئة ألف ومليون شخص، وهم متوزعون على ألمانيا وبلجيكا وفرنسا وسواها.

ثم يضيف المؤلف قائلا بما معناه: إن الأكراديمتلكون كل مقومات الأمة القومية مثلهم في ذلك مثل العرب، أو الأتراك، أو الفرس، أو أية أمة أخرى في العالم. وهم يقاومون هيمنة الدول المركزية المجاورة لهم بكل قوة منذ سبعين سنة أو أكثر. وكثيرا ما حاولت هذه الدول إخضاعهم عن طريق إرسال جيوشها إلى مناطقهم الجبلية الوعرة لتأديبهم. انظر ما كان يحصل في عهد صدام، أو في العهد التركي الحالي، الخ.

ولكن كيف حصل هذا الوضع يا ترى؟ ومتى ابتدأت مأساة الشعب الكردي، وعلى يد من؟

على هذا السؤال يقول المؤلف بما معناه: ينبغي أن نعود إلى الوراء قليلا لكي نفهم أصول المشكلة وجذورها. ففي نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918 حصل تقطيع لأوصال الإمبراطورية العثمانية.

وفي العاشر من شهر أغسطس عام 1920 وقعت تركيا مع الحلفاء الذين انتصروا معاهدة «سيفر» في فرنسا. وكانت هذه المعاهدة تقضي بإنشاء دولة كردية مستقلة جنوب منطقة الأناضول. وأعطوا لأكراد العراق الحق في أن ينضموا إلى هذه الدولة بدءا من عام 1922 إذا ما أرادوا.

ولكن وصول مصطفى كمال أتاتورك إلى السلطة في تركيا أدى إلى التراجع عن هذه المعاهدة فيما يخص الأكراد. فقد وقف «أبو الأتراك» بقوة ضد استقلال الأكراد وأجبر الحلفاء على توقيع معاهدة جديدة تسحب من الأكراد حق الاستقلال. وهي معاهدة «لوزان» التي نقضت معاهدة «سيفر». هنا تكمن أصول المشكلة بالضبط.

ولهذا السبب يمكن القول إن تركيا هي المعتدي الأول على الشعب الكردي وهي التي حالت بينه وبين تحقيق مطلبه المشروع بتشكيل دولة قومية أسوة ببقية شعوب المنطقة. وبالتالي فليس الحق على الدول العظمى بالدرجة الأولى وإن كانت قد خضعت لمطالب مصطفى كمال.

ولا تزال تركيا حتى الآن هي الدولة الأكثر عداء للأكراد. ولهذا السبب انتفضوا عليها في ثورات متلاحقة عام 1925، 1930، 1937. وبعد هذه الانتفاضات المتلاحقة اجتمعت الدول الأربع تركيا، وإيران، والعراق، وأفغانستان ووقعت معاهدة فيما بينها. وهذه المعاهدة تقضي بأن تحارب كلها الانتفاضة الكردية بشتى الوسائل.

وبالتالي فهناك تواطؤ بين هذه الدول على الأكراد لمنعهم من تحقيق حلمهم الوطني المشروع. ولكن بعد عام 1991 تشكلت لأول مرة نواة للدولة الكردية المستقلة في شمال العراق. وأصبح لها برلمان ومؤسسات خاصة بها. وهذه النواة هي التي تخيف تركيا الآن ولذلك فإنها تحاول تهديدها أو حتى تقويضها لكيلا تتسع وتشمل أكرادها.

*الكتاب:الأكراد..شعب يبحث عن وطن

*الناشر:مطبوعات سانت مارتن نيويورك 2007

*الصفحات: 400 صفحة من القطع الكبير

The Kurds :a people in search of their homeland

Kevin McKiernan

St Martin's Press-N.Y 2007

P.400