كانت نيكول غنيسوتو أول مديرة «لمركز الدراسات الأمنية لدى الاتحاد الأوروبي» وذلك خلال فترة 2002 ـ2007. وهي نائبة رئيس جمعية «أوروبا» التي أسسها جاك دولور المفوَّض الأوروبي الأسبق. وكانت أحد المشرفين على كتاب جماعي تحت عنوان: «قوس الأزمات: الإستراتيجيات الأوروبية والأمريكية حول الشرق الأوسط الكبير». المساهمون الآخرون في الكتاب هم باحثون في مركز الدراسات الأمنية لدى الاتحاد الأوروبي.

يتضمن هذا الكتاب «العالم عام 2025» قراءة «مستقبلية» في أفق نهاية الربع الأول من القرن الحادي والعشرين. وهو ثمرة دراسات وتحقيقات طويلة ومعمقة قام بها باحثون مختصّون حول التوجّهات التي ترتسم في الأفق والعوامل المؤثرة فيها والقوى الفاعلة التي تتحكّم، بهذه الدرجة أو تلك، في مساراتها. والملامح الرئيسية التي تبرز في لوحة المستقبل تتمثل بأزمات على صعيد الطاقة وكوارث بيئية ومجابهات جديدة بين القوى الكبرى واستمرار حالة الفوضى بل و«احتمالات» الانهيار في مختلف بلدان الشرق الأوسط.

تتوزع مواد هذا الكتاب تحت ثلاثة عناوين رئيسية. يخص العنوان الأول «التوجهات» والثاني «المناطق» والثالث «الاتحاد الأوروبي». وعلى صعيد التوجهات يتم البحث في مسائل استراتيجية حاسمة بالنسبة لمستقبل العالم كله مهما قيل عنه اليوم أو عما سيكون عليه غدا. وهذه المسائل تتعلق بـ «الديمغرافية» والاقتصاد و«الطاقة» و«البيئة» و«العلوم والتكنولوجيات».

وتتم دراسة «المناطق» على أساس التوزيع الإقليمي الجيوسياسي للعالم. وهكذا يمكن الحديث عن ستة فصول تحمل العناوين التالية: «اوراسيا ـ منطقة الحدود الأوروبية الآسيوية ـ والفدرالية الروسية» و«الشرق الأوسط وشمال إفريقيا» و«إفريقيا جنوب الصحراء» و«الولايات المتحدة» و«الصين» و«الهند» و«أميركا اللاتينية».

ويضم القسم الخاص بـ «الاتحاد الأوروبي» فصلا أول يقدّم فيه المساهمون «رؤية توليفية لما سيكون عليه العالم عام 2025» ويطرحون في الفصل الثاني «ثلاثة أسئلة أساسية بالنسبة للمستقبل» وفصل أخير عن «مستقبل الاتحاد الأوروبي».

كتب مقدمة هذا العمل «باسكال لامي»، رئيس المنظمة العالمية للتجارة. ويشير بداية إلى أن شريحة هامة من الرأي العام الأوروبي، وخاصة في فرنسا، تنظر إلى العولمة كمصدر تهديد وإلى المستقبل كمصدر خوف، لاسيما فيما قد يعرفه من «تقهقر أوروبا» على الصعيد العالمي.

ومن هنا يؤكّد على أهمية هذا الكتاب الذي يأتي من أجل «إحياء النقاش لدى الأوروبيين حيال مكانتهم في العالم والتحديات التي سينبغي عليهم مواجهتها».

ويؤكد باسكال لامي أيضا على أن «طبيعة رهانات المستقبل تتطلب خاصة المعالجة في المنبع. ذلك أن العولمة سارعت من إيقاع التبادلات واتساعها ومداها». على الصعيد الديمغرافي تشير التوقعات إلى أنه من المفروض «تباطؤ النمو الديمغرافي العالمي تدريجيا مع تغيير طبيعته، فبدلا من معدلات ولادات ووفيات مرتفعة وأمل متوسط أمل حياة قصير نسبيا سوف تحلّ معدلات ولادات ووفيات منخفضة وأمل حياة مديد أكثر».

وتدل الإحصائيات المقدمة على أن معدّل زيادة سكان العالم سيتضاءل من 2,1 عام 2007 إلى 7,0 عام 2030. أو سيكون التبدل تدريجيا ويختلف إيقاعه من منطقة إلى أخرى. وكذلك سوف تتم نسبة 97 بالمائة من الزيادة العالمية للسكان في البلدان النامية وسوف يعيش 9 أشخاص من أصل كل عشرة في أحد هذه البلدان (النامية) مقابل ثمانية من أصل كل عشرة اليوم... التوقعات المبيّنة هي على مدى العشرين سنة القادمة.

وتتمثل أهم الظواهر على الصعيد الديمغرافي العالمي في أفق عام 2025 بزيادة شيخوخة البلدان المتطورة وتزايد موجات الهجرة وتعاظم المخاطر الصحية في البلدان النامية، هذا مع تباين أثر هذه الظواهر حسب المناطق.

هكذا تتم الإشارة إلى أنه من المتوقع أن تتابع معدلات الولادة «تراجعها» في منطقة الشرق الأوسط بحيث تنتقل من 11,3 حاليا إلى 52,2 بما في ذلك في إيران وتركيا. ولكن سيزداد عدد السكان في المنطقة من الآن وحتى عام 2025 بنسبة 38 بالمائة وبحيث يبلغ 537 مليون نسمة مقابل 388 اليوم.

أمّا على الصعيد الاقتصادي فإن الأمر متعلق بالنسبة للمستقبل بمتغيرات أخرى مثل المحيط السياسي والأمن والمعطيات الديمغرافية والتقدم التكنولوجي وثمن الطاقة. ثم هناك مؤشرات عديدة مثل المردودية والاستثمار والتجارة والتدفقات المالية تسمح كلها بتقدير النتائج الاقتصادية. إن تعددية هذه العوامل تجعل من الصعب ترقب التوجهات الاقتصادية المستقبلية.

ومع ذلك يتم في هذا الكتاب تحديد عدد من التوجهات الكبرى العامة على الصعيد الاقتصادي. وفي مقدمة هذه التوجهات «استمرارية بل تسارع العولمة الاقتصادية» و«انفتاح اقتصادي أكبر مع وصول قوى تجارية جديدة مما سيزيد من المنافسة وسيرغم المنظومات الاجتماعية ـ الاقتصادية على التكيّف» مع المعطيات الجديدة.

ومن المتوقع أيضا أن يستمر «الثالوث» الممثّل في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان بالسيطرة على الأسواق «ذات القيمة المضافة العالية» و«سوف تصبح عدة بلدان، مستفيدة من العولمة، قوى اقتصادية جديدة... ومن التوجهات المذكورة» زيادة النمو الاقتصادي للبلدان الآسيوية الصاعدة بحيث تحقق أعلى معدلات النمو وبحيث يتضاعف ثلاث مرات إجمالي الإنتاج الداخلي للهند وللصين من الآن وحتى عام 2025.

بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط يقول الاستقراء المقدّم أنه قد سيكون على بلدان المنطقة إعادة التوازن لمصادرها في النمو والانتقال من القطاع النفطي إلى القطاعات غير النفطية. ومن الاستثمارات التي تمر عبر الدولة إلى الاستثمارات الخاصة المتمحورة حول السوق ومن سياسات سياسات ـ استبدال التوجه نحو الاستيراد نحو نشاطات تستهدف التصدير.

كذلك يتم التأكيد في هذا السياق على المسائل المتعلقة بإيجاد فرص العمل لليد العاملة المتزايدة، وبجذب الاستثمارات الأجنبية. وتشير إحدى التوجهات المستقبلية إلى أن الصين سوف تستورد في أفق عام 2025 ثلاثة أضعاف ما تستورده الولايات المتحدة من بترول الشرق الأوسط. وفي محصلة التحليل يتم التأكيد على أن المنظورات الاقتصادية للمنطقة تبقى مرتبطة بشكل وثيق مع الوضع السياسي وخاصة فيما سيؤول إليه الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي والأوضاع في العراق وإيران.

بالنسبة للطاقة التي أصبحت منذ سنوات رهانا ضخما بالنسبة لقسم كثير من دول العالم. وتدل التوجهات العامة في أفق عام 2025 إلى أن الطلب العالمي سوف يزداد سنويا بمعدل يقارب 6,1 بالمائة، وسوف يبقى البترول والغاز والفحم هي مصادر الطاقة الرئيسية بمعدل 81 بالمائة من الطلب العالمي.

ومن المتوقع أن تزداد حصة الطاقة النووية في أغلبية البلدان الصناعية، وإنما سوف تتقدم في البلدان النامية لاسيما في البلدان الصاعدة، وسوف تعتمد البلدان في طريق النمو على نفسها كثيرا في مجال الطاقة. وبكل الأحوال من المحتمل كثيرا أن تبقى مصادر الطاقة قادرة على الاستجابة لزيادة الطلب العالمي. وعلى صعيد مناطق العالم تتم الإشارة إلى أن مفهوم «الاتحاد السوفييتي» سوف يفقد دلالته في أفق عشرين سنة قادمة.

وسوف تبرز مكانه عدة تجمعات ذات بعد إقليمي هي «أوروبا الشرقية على حدود الاتحاد الأوروبي» و«جنوب القوقاز المرتبط كثيرا بمنطقة البحر الأسود» و«آسيا الوسطى، القريبة من الصين وجنوب آسيا»، وبالمقابل سوف تبقى «فدرالية روسيا» هي المحور الرئيسي الذي تدور حوله المنطقة كلها.

وتحت عنوان: «الشرق الأوسط وشمال إفريقيا» يتم التأكيد على عدة مشاكل تلوح في الأفق وتطال مسألة الطاقة. فهذه المنطقة التي تحتوي على أكبر كمية من الاحتياطات العالمية للنفط والغاز سيزداد إنتاجها من 28 بالمائة حاليا من بترول العالم إلى 38 بالمائة في أفق عام 2030 وبينما سوف يتضاعف إنتاج الغاز ثلاث مرات.

ويتم تأكيد القول: «ضمن المقياس الذي تمثل فيه البلدان المنتجة ـ لمصادر الطاقة ـ الوحيدة التي تمتلك على احتياطات كبيرة، فإن المنطقة وخاصة بلدان الخليج، سيكون لها أهمية قصوى للاستجابة إلى النمو السريع للقوى الصاعدة».

وهناك أيضا مشاكل، يتم طرحها في أفق المستقبل القريب، وتتعلّق بالديمغرافيا والبيئة. وكذلك يتم تحديد ثلاث رهانات سياسية كبرى تخص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والرهان الديمقراطي لاسيما في علاقته مع صعود الحركات السياسية ذات الإيديولوجية الإسلامية وأخيرا الرهان المتعلق بالمسائل الاثنية والاختلافات المذهبية.

وفي المحصلة يتم تقديم استقراء «متشائم» حول مستقبل المنطقة مثل القول بـ «عدم إمكانية استبعاد انهيار بعض الأنظمة» و«إفلاس بعض الدول» وذلك بالتزامن مع «نزاعات مختلفة تمزّق المنطقة».

*الكتاب:العالم عام 2025

*الناشر:روبير لافون ـ باريس 2007

*الصفحات:314 صفحة من القطع المتوسط

Le monde en 2025

Nicolle Gnesotto et

Robert Laffont- Paris 2007

P.314