«الجنرال في متاهته»رواية يستعرض من خلالها الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز أحداث وتطورات الشهور الأخيرة من حياة محرر بلدان أميركا اللاتينية «سيمون بوليفار».

وعنوان حكاية الحائز على جائزة نوبل للآداب، الذي ظهر للمرة الأولى عام 1989، يلمح إلى عبارة منسوبة للجنرال الفنزويلي الأسطوري الكبير سيمون بوليفار قالها قبل بضعة أيام من وفاته: «سأكون بحالة يرثى لها لكي تحدثني عن شهادة واعتراف. ترى كيف سأخرج من هذه المتاهة؟». الرواية تغطي مرحلة موثقة بشكل ضعيف من حياة بوليفار، وتبدأ من 8 مايو 1830، عندما غادر بوغوتا تنازله عن رئاسة كولومبيا، وتمتد حتى 17 ديسمبر من العام نفسه، حيث توفي في بيت ريفي بالقرب من الساحل الكاريبي محاطا بحفنة ضئيلة من الأصدقاء.

بين عامي 1811 و1826، شارك سيمون بوليفار في عملية تحرير فنزويلا ورفع الوصاية عنها وقاد جيوشا من الرجال الوطنيين حقق من خلالها العديد من الانتصارات التي دمغت استقلال كل من كولومبيا والإكوادور وبيرو.

كما قام بإنشاء جمهورية «كولومبيا الكبرى»، التي ضمت عددا من بلدان أميركا اللاتينية، وشغل منصب رئيس كل من فنزويلا وكولومبيا، ودافع عن تشكيل اتحاد كونفدرالي بين سائر بلدان القارة الأميركية، لكنه لم ينجح في هذا المسعى المفعم بالنبل والمشاعر القومية الجياشة. في عام 1930، وبعد فترة غصت بالمواجهات بين جماعات سياسية مختلفة، غادر بوليفار إلى منفاه الطوعي في أوروبا، الذي لم تكتحل عيناه برؤيته أبدا.

في الفصل الأول من الرواية، يظهر غارسيا ماركيز الزعيم بوليفار أثناء مرحلة الاستعدادات التي سبقت الشروع في رحلة قام بها من منطقة سانتافي في بوغوتا وقادته إلى شاطئ نهر ماجدالينا، ومن هناك إلى مدينة كارتاخينا دي اندياس. وكان بوليفار في هذه المرحلة الأخيرة من حياته مصابا بمرض السل ومتكدر المزاج بسبب فشل مشروعه السياسي في ظل حالة أقرب على البؤس.

أثناء رحلته الطويلة عبر ذلك النهر الخالد، يصل إلى قرى يستقبله الناس فيها استقبال الأبطال ويصبر على حفلات تكريم واحتفاء باتت تبدو بلا معنى وخارج كل سياق في ظل الوضع الذي آلت إليه تطلعات الجنرال وأحلامه على الصعيدين العام والخاص على حد سواء.

«الجنرال في متاهته»، بالإضافة إلى أنها رواية ذات خلفية تاريخية تدور أحداثها حول أحد أهم محرري أميركا (في نهاية العمل، يشرح غارسيا ماركيز كيف قام بعملية التوثيق لأحداث الرواية وما هو مدى هذه العملية)، هي عبارة عن نص يركز فيه المؤلف على حالة من التأمل حول وضع انعدام الاستقرار في الجمهوريات الأمير كية الجديدة. فها هو جندي من الجيش المحرر يطلب إلى بوليفار ما كان خارج جميع الحسابات والتوقعات السياسية على ما يبدو قائلا: «لقد حصلنا على الاستقلال أيها الجنرال، فقل لنا الآن ما الذي نفعل به؟»

ولد غابرييل غارسيا ماركيز سنة 1928 في بلدة أركاتاكا وهي بلدة كولومبية صغيرة، وأنهى تعليمه الثانوي في بوغوتا في مدرسة يسوعية هناك. «أوراق ذابلة» هي روايته الأولى وصدرت عام 1955، وتبعها مجموعة قصصية تحت عنوان» جنازة الأم العظيمة» في عام 1961. لكن احتلاله لهذه المكانة الأدبية المرموقة تكرس مع صدور «مئة عام من العزلة»، الرواية التي نشرتها دار النشر «سود أميركا» لأول مرة عام 1967. واعتبارا من ذلك التاريخ لم تتوقف شهرة غارسيا ماركيز عن الاتساع.

تسلم جوائز عديدة تكللت بغار جائزة نوبل للآداب التي حصل عليها عام 1982 عن رائعته الأدبية «مئة عام من العزلة». بعد هذه الرائعة الأدبية، نشر أستاذ ما بات يعرف باسم الواقية السحرية في أدب أميركا اللاتينية رواية «خريف البطريرك» عام 1975، التي اعتبرها الأقرب إلى قلبه وفضلها على جميع ما تبقى من أعماله وهي قصة مشوبة بكثير من الغموض ومثقلة بالرؤى والأوهام حول رحلة منافية للعقل يقوم بها ديكتاتور أعزب وغريب الشكل ومثير للضحك.

ومن بين أبرز أعماله الأدبية رواية قصيرة حملت عنوان «قصة موت معلن» الصادرة عام 1981 والمأخوذة عن قصة غرام وانتقام حقيقية تمدها عليها ريشة غاريا ماركيز بإبعاد أسطورية.

لكن تبقى لروايته «الحب في زمن الكوليرا» الصادرة عام 1987 مكانة مرموقة خاصة في مجل مشهد الأدب العالمي وهي تعالج قصة حب تعبر الأزمان والأعمار، والتي على الرغم من أنها تكشف النقاب عن معرفة عميقة بشجون القلب الإنساني، إلا أنها أكثر من ذلك بكثير، ومرد ذلك إلى الفصول والأحداث المتعددة والمتنوعة التي تتداخل مع القصة المركزية والتي تلمع من خلالها قدرة المؤلف التي لا تصدق على التخيل.

اللافت في تجربة غارسيا ماركيز يكمن في أنه رغم كل هذا النجاح منقطع النظير في ميدان الرواية وتحليقه في عوالم متخيلة ربما لم يسبقه إليها أحد من نظرائه الذين رحلوا عنا أو الذين لا يزالون على قيد الحياة،إلا أن تعلقه بجنس التحقيق الصحفي لم يفتر ولو للحظة واحدة طوال مسيرته الإبداعية وربما مرد ذلك إلى إبحاره في عالم الكلمات والأفكار بدأ في ميدان الصحافة.

ولذلك نجده يعود إلى هذا الصنف الصحافي العظيم بين الحين ولآخر، لكن أبرز محطاته على هذا الصعيد تجلت في تحقيق صحافي أجراه بالتعاون مع المخرج التشيلي ميغيل ليتين عام 1986 تحت عنوان» سري في تشيلي». قامت دار النشر» ألفاغوارا»، مؤخرا، بإصدار سيرة كاملة لغابرييل غارسيا ماركيز تحت عنوان» رحلة إلى البذرة» كتبها داسو سالديفار. لكن السيرة الذاتية للمؤلف» أعيش لأروي» تبقى، حسب كلماته، تشكل ضمانة لإبقاء» الساعد حاميا» بين روايتين.