تعد رواية «شجرة الدخان» عملاً استثنائياً بكل المعايير، فهذه الرواية السابعة للروائي والشاعر والكاتب المسرحي دنيس جونسون ـ خلافاً لكل أعماله السابقة ـ نقع في 624 صفحة، وليس الكم وحده هو الذي يميزها، وإنما ينعقد إجماع النقاد الأميركيين على الإشارة إليها باعتبارها تصور ذروة ما وصل إليه الأدب الأميركي في محاولة اختزال تجربة حرب فيتنام والشرخ العميق الذي تركته في الضمير الأميركي والذي يرتبط بشكل أو بآخر بمشاعر الكثير من الأميركيين نحو حرب العراق.
لعله ليس من قبيل المصادفة أن الكاتب والناقد ديفيد إجناتيوس يبادر في مقال مطول له نشرته صحيفة «واشنطن بوست» إلى وصف «شجر الدخان» بأنها الرواية المعجزة.وهو يفصل القول فيما يعنيه بهذا الوصف، حيث يبادر إلى القول إن تأليف رواية إضافية حول حرب فيتنام بعد حوالي 35 عاماً من انتهائها يعد عملاً من أعمال الادعاء الأدبي، أما القيام بذلك على نحو رائع مثلما فعل دنيس جونسون في «شجرة الدخان» فيعد معجزة بالتأكيد.
غير أن هذه الرواية تقتضي الكثير من القارئ، فعليه أولاً أن يواصل التركيز على امتداد ما يزيد على ستمائة صفحة وعليه أن يتابع لغتها وبنيتها اللتين قد تضللانه في يسر، وعليه أن يضع يده على التجربة المراوغة والمروعة لشخصياتها، وعليه أن يحلق أخيراً إلى سقف طموحها العالي المتمثل في كتابة العمل الأكثر تعبيراً عن جيل حرب فيتنام.
وربما يحاول القارئ مقاومة التأثير الهائل للرواية في بداية مصافحته لها وعلى امتداد المئات الأولى من صفحاتها، ولكنها بعد ذلك ستحكم قبضتها عليه، ونتسلل إلى ذهنه، تماماً كالحرب التي تصفها، بكل ما فيها من غموض وفظائع وتأثيرات وحشية. ويصيب ديفيد اجناتيوس قلب الحقيقة بتعبير بالغ التوفيق عندما يقول إن جونسون، وهو شاعر ومدمن مخدرات سابق وصحافي مغامر، قد ألف رواية تلتف في نهاية المطاف حول القارئ بإحكام كما يلتف حوله ثعبان من ثعابين الأدغال.
تدور الرواية حول وليام ساندس، أحد العاملين في وكالة المخابرات المركزية الأميركية، والذي يمضي إلى فيتنام في عام 1967 كجزء من فريق ينفذ عمليات خداع ضد فيتنام الشمالية. وقائده هو عمه الكولونيل فرانسيس كزافيه ساندس وهو محارب أسطوري متخصص في العمليات المضادة لحروب الأنصار، والذي يدعوه الجميع بلقب «الكولونيل».
وهذا الكولونيل العتيد هو الذي يهيمن على هذا العمل كالشيطان، وقد قصد بهذه الشخصية أن تكون شخصية أسطورية في قلب الظلام، مع إيماءة إلى شخصية كورتز في رواية كونراد وأصداء من الحياة الواقعية لكولونيل إدوارد لاندسديل، واضع مذهب الحرب المضادة للأنصار في فيتنام.
تحمل العملية السوداء التي ينفذها هذا الفريق اسم «شجرة الدخان»، ومع انطلاق مسيرة الرواية نكتشف أن تلك ربما تكون محاولة لاستخدام عميل مزدوج فيتنامي لخداع هانوي ودفعها للاعتقاد بأن الولايات المتحدة تخطط لهجوم شيطاني ضدها، وأن «شجرة الدخان» قد تكون سحابة تضليل.
ويدرج المؤلف في الرواية بعض الملاحظات المثيرة للاهتمام عن إدارة العملاء المزدوجين، حيث يقول وليام ساندس إنهم: «يحملون روحين في بدن واحد» ولكن آليات روايات التجسس هي حبكة فرعية فحسب، فشجر الدخان هي المشهد الطبيعي غير الواقعي للحرب ذاتها.
سيتوقف القراء طويلاً عند شخصيات كوربورال جيمس هيوستون والجنود الآخرين المنتمين إلى فصيلة «إيكو» المكلفة بمهام الاستطلاع في الأدغال، والذين تنسج تجاربهم الكابوسية على امتداد الكتاب، وهي تصور بشكل رائع، والحوار بينهم يمتد بحدة ويأس بالغين، بحيث أن القارئ يجد نفسه على يقين من أن تلك هي الكيفية التي كان يتحدث بها الجنود في فيتنام حقاً في عام 1967.
ويلفت نظرنا هنا أن المؤلف يخترع لهؤلاء الجنود اللغة اختراعاً، حيث يقدم نوعاً من هذر المدمنين على المخدرات الذي يمتد متدفقاً بلا انتهاء تقريباً ابتداء من دور العاهرات التي يرتادها هؤلاء الجنود إلى معسكر قاعدتهم وصولاً إلى المعارك الدموية التي يخوضونها في الأدغال.
وشأن الجنود في رواية مايكل هر «رسائل» فإن هيوستون يصبح ضابط الصف التقليدي الذي يقوم بدوريات استطلاع لا تتوقف في الأدغال، الأمر الذي يصل به إلى النهاية الأكثر تطرفاً ووحشية، والمدهش أنه يحب ذلك، ويبادر إلى التطوع لخوض غمار جولة قتال أخرى ويستبد به الجزع والقنوط عندما يضطر للعودة إلى فونيكس مجدداً ليغدو من جديد رجلاً فاشلاً عادياً آخر، فهو قد أدمن على فيتنام، حسبما يدرك القارئ، ولا يمكنه أن يعيش حياته بعد الآن في العالم العادي.
القارئ هنا على موعد مع الحرب باعتبارها هلوسة، فهذه الرواية هي قصة تحلل وتردي الشخصيات وبالتبعية فيتنام نفسها. وتحذر كالتي جونز، إحدى العاملات في الإغاثة، وليام ساندس بعد أن تقع في غرامه، وهي التي تشكل الجوهر الأخلاقي للكتاب في العديد من الجوانب، من أنه سيسأل نفسه في فيتنام: «متى مت؟ ولماذا ينزل بي هذا العقاب الآلهي شديد القسوة؟». وبعد عدة مئات من الصفحات من هذا التحذير، سيقول الراوية: «لقد استنفدتها الحياة» ونرى ونحس كيف أن كاثي تتداعى أمامنا منهارة. ولكننا في المقام الأول نرى تداعي وليام ساندس نفسه.
لقد استهلت الرواية فيما كان يبدو شاباً متحمساً يؤمن بكل كلمة وردت في كراسات تعليمات السي. أي. ايه. وفي النهاية يبدو لنا منبوذاً، وحشياً، يعمل في تهريب الأسلحة في جنوب شرقي آسيا. وهو يقول في معرض تبرير ما يقوم به: «لقد تركت العمل لصالح المجرمين الكبار، وبدأت في العمل لحساب المجرمين المتوسطين، وأقضى ساعات سيئة بلا تعويضات جانبية، ولكن الأخلاقيات أكثر وضوحاً».
ولكن كيف يصور المؤلف الفيتناميين في هذا العمل؟ إنهم يبدون لنا ملامح لا تنتمي إلى زمان بعينه للطبيعة تقوم الشخصيات الأميركية حيالها بالحديث الذي يرقى إلى الهذيان المجرد من المعنى. وتوضح إحدى الشخصيات الفيتنامية رؤية الفيتناميين بشكل عميق الدلالة حيث تقول: «هناك قول سائر قديم مفاده ان السندان أطول عمراً من المطرقة». وبالمقابل فإن الكولونيل العتيد يقول عنهم: «هؤلاء القوم جادون فيما يقومون به. إنك تضربهم في يناير ولكنهم يعودون متألقين في مايو، على تمام الأهبة للمزيد من إزعاجنا الرهيب».
ويلفت نظرنا أنه في نهاية الرواية تكون كل الشخصيات الرئيسية قد تحطمت من خلال صياغتها الخاصة للإدمان على فيتنام، ونتوقف طويلاً عند التعبير الدال للسرجنت جيمي ستورم، وهو في مقدمة الشخصيات الأكثر سادية في الرواية، حيث يقول عن فيتنام: «هذا المكان هو ديزني لاند التي تطفو فوق الحمض».
تظل «شجرة الدخان» رواية تستعصي على النسيان. وعلى الرغم من تعدد عيوبها، وفي مقدمتها أن العديد من شخصياتها يصعب التمييز بينها، فإنها رواية كتبت لتتألق، ولعلها تدخل تاريخ الأدب العالمي باعتبارها أقوى تعبير أدبي عن حرب فيتنام.
في الأدغال
«في الثالثة من قبل فجر ليلة أمس كان الرئيس كنيدي قد قُتل. ونام البحار هيوستون والمجندان الآخران بينما بثت التقارير الأولى على امتداد العالم. وكان هناك مرقص صغير واحد في الجزيرة، هو ناد متداع بمراوح دوارة كبيرة في السقف ومشرب ولعبة فليبرز. وقد أقبل البحاران اللذان يديران النادي لإيقاظهم وإبلاغهم بما حدث للرئيس.
وجلس البحاران مع الرجال الثلاثة. وراحا يرقبان مكيف الهواء ونقاط الماء تتساقط منه إلى علبة بن، وعكفا على شرب الجعة. وواصلت شبكة القوات المسلحة التي تبث من قاعدة سوبيك باي الإرسال على امتداد الليل، حيث راحت تبث النشرات عن جريمة القتل التي لا يُسبر لها غور.
الوقت الآن ضحى اليوم، وبدأ البحار المتدرب وليام هيوستون الشعور بالتخلص من تأثير الكحول، فيما هو يمضي في أدغال غراند ايلاند، حاملاً بندقية مستعارة من عيار 22. كان يفترض أن تكون هناك خنازير برية تجوب المنتجع العسكري بهذه الجزيرة، الذي كان هو كل ما شاهده من الفلبين حتى الآن. ولم يدر ما هو شعوره حيال هذا البلد. وكل ما أراده هو ممارسة الصيد في الأدغال. وكان يفترض أن هناك بعض الخنازير البرية في مكان ما هاهنا».
مقتطف من رواية «شجرة الدخان»
*الكتاب:شجرة الدخان
*الناشر:فارار، شتراوس أند جيروكس ـ نيويورك 2007
*الصفحات:624 صفحة من القطع المتوسط
Tree Of Smoke
Denis Johnson
Farrar, Straus and Giroux N. Y. 2007
P.624
