يقدم المفكر والباحث الدكتور رفعت سيد أحمد ( كاتب ومحلل سياسي مصري ) في كتابه الجديد «حسن نصر الله.. الوعد الصادق» قصة الحرب العدوانية(الأميركية ـ الإسرائيلية) على لبنان، والتي استمرت 34 يوما وانتهت بالانتصار التاريخي والاستراتيجي للبنان مقاومة وشعبا، وذلك بالوثائق والتحليل المتعمق.
واستعرض الباحث عبر خمسة فصول موسعة تناولت أحداث الحرب ودروسها كاملة والتي كان فيها حسن نصر الله أحد أبرز أسباب النصر وذلك لقيادته الحكيمة عسكريا للمقاومة،ولإدارته السياسية بذكاء ووعي ندر مثيله. وتطرق المؤلف إلى دروس الحرب والتي كان أبلغها أنها لم تكن حربا من أجل جنديين أسرا للعدو الصهيوني كما زعم. وكما روجت الصحافة الأميركية وبعض الصحافة العربية،وإنما كانت حربا من أجل ولادة شرق أوسط جديد (الشرق الأوسط الأميركي) الذي تريده واشنطن من أجل نفطه ومن أجل إسرائيل لذا يجب أن يكون بدون مقاومة أي أن يكون الإقليم الملحق أو التابع لإستراتيجيتها في المنطقة والعالم.
ومن هنا يؤكد المؤلف أن الهدف الرئيسي لهذه الحرب كان رسالة للمنطقة ومحاولة لإعادة تخليقها مجددا وإسرائيل بالقطع كانت الأداة الأكثر دموية فيها وواشنطن كانت الممول والمحفز والشريك إن لم تكن الفاعل الأصيل في العدوان سياسيا وعسكريا.
وأشار الكاتب إلى حال العرب تجاه قضايا الأمة وحقوقها والذي اعتبره في أسوأ أوضاعه حيث كان متواطئا في غالب حالاته إن بالصمت أو بالمشاركة الفعلية والتي تمثلت في تلك التصريحات السياسية أو الفتاوى الدينية المعادية لحزب الله ولنصرته التي أعطت ـ جميعها- مبررا هاما وتاريخيا للعدوان،ولكنها فيما بعد حاولت تعديل مواقفها، إلا أن الانطباع الأول الذي ساد وسط المراقبين ولدى الأمة هو أن هذه الدول كانت مع العدوان.
وجاء تعديل موقفها نتيجة نوعية للحرب على مستويين، الأول: الصمود الأسطوري لحزب الله والذي راهنت الدول المذكورة على تدميره في خمسة أيام على أقصى تقدير، والمستوى الثاني أنها فوجئت بحجم الدمار والإجرام الإسرائيلي ضد البشر والبنية التحتية اللبنانية تحت إشراف وموافقة من أميركا.
وهكذا كشفت هذه الحرب حجم الوهن والتخاذل الرسمي العربي، وهو تخاذل أراد أن يداري سيئاته بمزيد من القمع للتحركات الشعبية فكان لافتا ذلك الاستدعاء الهائل لقوات الأمن والشرطة في العديد من بلادنا العربية المركزية، ضد التحركات السلمية الهادئة لمنظمات المجتمع المدني،وضد النقابات والأحزاب التي أرادت أن تعبر عن مساندتها لحزب الله عبر مطالبتها بطرد سفراء العدو الأميركي ـ الإسرائيلي وتقديم الدعم المادي والسياسي للمقاومة الباسلة، فتم قمعها بأسوأ الوسائل وأكثرها عنفا.
واعتبر المؤلف بأن هذه الحرب أثبتت الخبرة الجهادية لحزب الله على المستوى القتالي وأن حرب العصابات أو حرب المقاومة الشعبية التي تتسلح بعقيدة قتالية وإيمانية صادقة،بإمكانها أن تهزم أقوى قوة عسكرية في المنطقة،حيث أثبتت هذه الحرب أن القتال النظامي بين إسرائيل والجيوش العربية لم يعد يجدي أو يحدث آثاره المؤلمة مثل حرب العصابات التي شنها ونجح فيها حزب الله،سواء في تعامله مع البوارج البحرية،أو التفوق الجوي، أو عبر استخدامه الرائع لسلاح الردع الجديد (سلاح الصواريخ قصيرة أو طويلة المدى)، ومن الضروري أن تستفيد جيوش المنطقة من هذه الخبرة القتالية كون المواجهات المستقبلية مع إسرائيل حتمية.
وفي هذا الإطار يؤكد رفعت سيد أحمد أن هذه الحرب دشنت حسن نصر الله كأهم وأنبل شخصية عربية ورفعته إلى المكانة التي كان يستحقها منذ حرر بالمقاومة الجنوب اللبناني يوم 25- 05- 2000 دون تفاوض أو اتفاقات مذلة، إذ لفتت القيادة الحكيمة والواعية التي أدار من خلالها هذه الحرب الأنظار إليه.
ومن جهة أخرى تطرق المؤلف إلى أهمية الأعلام والدور الذي لعبه وخطورته في الحرب النفسية التي دارت بين الطرفين حيث تعامل حزب الله منذ بداية الحرب بشفافية وبوعي وكان لإعلامه وبخاصة تلفزيون المنار دور مشهود، ولذلك تعمدت إسرائيل ضربه وتدمير مبانيه عدة مرات، ولكنها كانت تفاجأ به ومعها العالم يخرج من بين الأنقاض ومن مكان آخر ليشارك في هذه الحرب الإعلامية ـ النفسية.
ومن هنا تبرز قدرة هذا الحزب على أن يخلق لنفسه البدائل السريعة في مجال الإعلام حيث إنه أهل لنفسه الإمكانات السريعة لإطلاق قناته التلفزيونية، من المؤكد أنه قادر على أن يخلق لنفسه عسكرياً وميدانياً بدائل أكثر سرعة وأشد فاعلية في حرب العصابات التي يشنها ويستنزف بها العدو على الأرض في الجنوب.
وسلط الباحث الضوء على إطلالات السيد نصر الله التليفزيونية التي كان لها دورها الفعال في مجال الحرب الإعلامية ـ النفسية حيث أثرت سلبا على العدو ورفعت بالمقابل الروح المعنوية ليس فحسب لدى المهجرين من أبناء الجنوب اللبناني أو المجاهدين المقاتلين في القرى الحدودية، بل لدى أبناء الشعوب العربية والإسلامية.
وانتقل الكاتب إلى الآثار السلبية للحرب والتي ألحقت خسائر كبيرة بقطاعات الاقتصاد الإسرائيلي المختلفة والتي وصلت إلى 2,2 مليار دولار خلاف نفقات الحرب التي بلغت في الأسابيع الثلاثة الأولى نحو 400 مليون دولار،بالإضافة إلى خسائر في القطاع الزراعي والسياحي.
وفي تقدير المؤلف بان الانتصار التاريخي لحزب الله قد قام بفرز الأمة إلى خندقين: خندق مع المقاومة ومصالح لبنان والأمة، وخندق من ضد المقاومة ومصالح الأمة، وفي هذا السياق لم يتجاوز الرئيس بشار الأسد الحقيقة والواقع حين تحدث عن المواقف،لأن سيرورة الحرب والمواقف المتخاذلة وأحيانا المؤيدة والمغطية على العدوان أكدت بأن ثمة فرزا رأسيا قد جرى على الأرض بين (الخنادق المقاومة) و(الخنادق المتخاذلة).
وبالمقابل كانت إيران وسوريا تقويان بالدعم المادي والأدبي من ظهر المقاومة والشعب اللبناني، وكانت سوريا تفتح أذرعها لتحتضن قرابة ربع مليون مهاجر لبناني من المناطق التي تقاوم وتوفر لهم المأكل والملبس بكل محبة وأخوة.
وفي قراءته لمشهد «الحربي ـ السياسي» توقف رفعت سيد أحمد في البداية أمام الشخصية المحورية والكاريزمية للسيد حسن نصر الله الذي يقف اليوم كأحد أبرز معالم هذه الحرب وذلك لقدرته وحنكته على الإدارة الإستراتيجية للحرب فضلا عن حصافته السياسية ومتابعته الدؤوبة للمشهد الإعلامي والسياسي اللبناني والعربي والعالمي على الرغم من الظروف التي كان يعيشها وقت الحرب، بالإضافة إلى ما ميز خطاباته وإطلالاته التليفزيونية من عفة اللسان ورباطة الجأش رغم عنف اللحظة واختلاط أوراقها العربية بالإسرائيلية بالعالمية على كافة الصعد السياسية والإستراتيجية.
واستعرض الكاتب المشهد الحربي والسياسي من زاوية خطابات وإطلالات حسن نصر الله أثناء الملحمة العسكرية السياسية، حيث محور رؤية وفلسفة نصر الله في محاور مرتبة تصاعديا على المستوى الزمني بدءا من لحظة أسر الجنود الصهاينة الذي كان وسيلة لرد العدوان وتحرير الأسرى اللبنانيين وليس لأهداف سورية أو إيرانية كما روج له فريق 14 آذار وحلفه الإقليمي والدولي.
وجاءت خطابات السيد نصر الله لتؤكد على أن الهدف هو مبادلتهم بالأسرى اللبنانيين في سجون الاحتلال وتأكيده على البعد الوطني لعملية الأسر والهدف الرئيسي منها وفي هذا السياق قال السيد حسن نصر الله في مؤتمره الصحفي الأول يوم 12 -07- 2006«يجب أن أتوجه إلى المجاهدين الأبطال الذين وفوا بالوعد، ولذلك سميت عمليتهم بعملية الوعد الصادق، بالشكر، وببركة جباههم لن يبقى قيد في زند أسمر في سجون الاحتلال».
ويعتبر سيد أحمد بأن الثقة في النصر كانت منذ البداية لدى السيد نصر الله والتي ميزت خطاباته انطلاقا بالقطع من إيمانه بالله أولا وبشعبه ومقاومته الإسلامية ثانيا،كما كانت خطاباته تضع معايير وضوابط أسماها العسكريون توازن الرعب مع العدو الصهيوني بحيث تميزت بالقدرة على إدارة حرب نفسية على العدو وتحطيم نفسيته سواء على مستوى الداخل الإسرائيلي أو على مستوى القوات البرية المقاتلة وكان سلاحه هنا هو الحقيقة.
ناهد رضوان
*الكتاب:حسن نصر الله - الوعد الصادق وملحمة النصر الإلهي
*الناشر:دار الكتاب العربي - حلب 2007
*الصفحات:378 صفحة من القطع الكبير

