نعوم شومسكي مفكر أميركي ذائع الصيت والشهرة. من مواليد فلادلفيا في بنسلفانيا. كان أبوه، ذو الأصل الأوكراني، أخصائيا باللغة العبرية بينما تعود أصول والدته إلى بيلوروسيا. عاش طفولته في وسط يهودي «مغلق» بأحد أحياء نيويورك.

كان الأدب «العبراني» هو أول ما اطّلع عليه نعوم شومسكي إذ بدأ بقراءته وهو في سن الثامنة. بل وعمل في بداية حياته مدرسا للغة العبرية. لكن هذا لم يمنعه من التصريح لاحقا بعد أن أصبح عالم لسانيات شهير قوله: «اللغة الوحيدة التي أتحدثها وأكتبها بشكل صحيح هي اللغة الانجليزية».

عمل شومسكي لفترة في جامعة هارفارد ثم التحق بمعهد ماسوشست التكنولوجي الشهير كأستاذ للغات الحديثة وعلم اللسانيات. جرت تسمية عام 1986 درجة «الأستاذية» الكبرى التي لم يحصل عليها سوى قلّة نادرة من الأساتذة. قام شومسكي بالتدريس لمدة 50 سنة متتالية دون انقطاع.

دخل شومسكي معترك السياسة من باب معارضة الحرب الفيتنامية عندما نشر مقالا شهيرا تحت عنوان «مسؤولية المثقفين» في «مجلة نيويورك للكتب». ومنذ ذلك الحين لم يتوقف عن كتابة آرائه النقدية اللاذعة للسياسة الخارجية الأميركية ولشرعية السلطة الأميركية ومناصرته الواضحة والقوية للقضية الفلسطينية مما جرّ عليه حقد وعداء المنظمات اليهودية المتطرفة باعتباره «يهوديا مارقا».

ينبغي أن يضاف لهذه المقدمة الطويلة قول إن شومسكي قد قدّم خلال مسيرة حياته العشرات من الكتب من أواخرها: «قراصنة وأباطرة» و«قانون الأقوى» بالاشتراك مع وزير العدل الأميركي الأسبق رامسي كلارك والمرحوم إدوار سعيد و«مبدأ النوايا الحسنة»... الخ.

«الدول المارقة: إساءة استخدام القوة والإفلاس الديمقراطي» هو كتاب جديد لنوام شومسكي في انتقاد السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية، وخاصة ممارساتها القائمة في العالم على قاعدة القول إنه لها الحق في التدخل عسكريا ضد «الدول منقوصة المهمة»، أي التي لا تؤدي المهمات الملقاة على عاتقها كـ «دولة» وفي مقدمتها «حماية مواطنيها».

إنها الدول التي لا تستطيع «أو ربما لا تريد» حماية مواطنيها من العنف أو ربما من الموت الذي يحيق بهم. ذلك «على خلفية اعتقادها أنها فوق القوانين الوطنية أو الدولية». هذه «الدول منقوصة المهمة» هي إذن «دول مارقة»، أو «دول خارجة على القانون».

بل ويتم وصف الدول المعنية، من قبل أصحاب القرار الأميركي، أنها ذات «مظهر ديمقراطي» لكنها تعاني في واقع الأمر من «إفلاس» حقيقي في هذا المجال، إذ لا تتجاوز هيئاتها «الديمقراطية» مجرد هياكل فارغة لا مضمون لها وبالتالي هي أيضا «هيئات» منقوصة من حيث إنها لا تؤدي المهمات المناطة بها.

نعوم شومسكي يقوم في هذا الكتاب بقلب الآية. ولا يرى العالم من خلال المنظور الأميركي الذي يقول به المحافظون الجدد وإدارة جورج دبليو بوش، وإنما يأخذ نفس المعايير التي تتبناها الرؤية الأميركية السائدة اليوم للعالم كي يطبّقها نفسها على الولايات المتحدة الأميركية.

وهو يخرج من هذا بنتيجة «بسيطة» مفادها أن أميركا نفسها تمتلك صفات «الدولة منقوصة المهمة» وبالتالي لا تؤمن حماية أبنائها من العنف ومن الموت. بل على العكس تشكل خطرا متعاظما على الشعب الأميركي نفسه وعلى العالم كله أيضا. وهذا ما يعبّر عنه بـ «خطر الكارثة الكبرى» و«نهاية العالم قريبة»، كما جاء في عنوانين فرعيين بالكتاب.

الخطر الأول والأكبر الذي يحدده نعوم شومسكي في السياسة الأميركية الخارجية، ولكن أيضا السياسة الداخلية الأميركية، يتمثل في زيادة النزعة العسكرية و«الحربية» على الصعيد العالمي كله. كما يؤكد أن مثل هذا الخطر يغدو أكبر وأشمل عندما يتعلق الأمر بما تجره السياسة الأميركية المتبعة من مخاطر حقيقية بنشوب حرب نووية.

ولا يتردد في هذا الإطار عن «إدانة» مثل هذه السياسة حيال مختلف الملفات «الحساسة» التي عالجتها إدارة جورج دبليو بوش خلال السنوات الأخيرة. إن شومسكي يشرح هذا كله بإسهاب في فصل كامل يحمل عنوان «تشجيع الديمقراطية في الخارج».

ويتحدث المؤلف ضمن السياق نفسه عن النتائج الخطيرة التي ترتبت على الحرب الأميركية والانجليزية الأخيرة في العراق. هذه الحرب التي أثارت رفضا واحتجاجا عالميين، كما أضعفت كثيرا مصداقية الولايات المتحدة في العالم بعيون الأعداء، ولكن أيضا بعيون الأصدقاء ذلك أنها عقّدت المشاكل في العراق ولم تجلب له الديمقراطية «الموعودة»، كما يشرح تحت عنوان: «العراق وديمقراطية العالم الحر».

وإذا كان نعوم شومسكي يعترف أن تحديد المشاكل التي يجد بها المرء مصدر تهديد أكثر من غيرها إنما هو تحديد خاضع إلى درجة كبيرة لعوامل «ذاتية» تتعلق بذلك الذي يقوم بـ «الاختيار». فإنه بالمقابل يؤكد أن الجميع يتفقون اليوم على أنه هناك ثلاثة مصادر أساسية تهدد الإنسانية

ويحددها بالشكل التالي: «الحرب النووية والكوارث البيئية وسلوك حكومة القوة الدولية الأولى في عالم اليوم»، وذلك على اعتبار أن سلوك هذه الحكومة له دور كبير في «زيادة» أو «تقليل» حدّة الخطرين النووي والبيئي. ولا ينسى المؤلف أن يفتح هنا قوسين ليؤكد أنه يعني «الحكومة الأميركية» تحديدا ذلك أن الشعب الأميركي ليس موافقا على ذلك».

ويلح نعوم شومسكي على مسألة يرى أنها تثير قلقا كبيرا لدى الأميركيين ولدى العالم أجمع. وتتمثل في البون الشاسع بين الرأي العام والعمل الحكومي العام. يقول المؤلف صراحة أن «المنظومة الأميركية تعاني عامة من صعوبات حقيقية. وذلك أنها تنتهج مجموعة من السبل والسلوكيات تؤدي إلى نهاية قيمها التاريخية المتمثلة في المساواة والحرية والديمقراطي الأصيلة».

ويرى أن مثل هذا «الانزياح» يخلق نوعا من الخوف لدى شرائح واسعة من الشعب الأميركي وهو خوف لا يمكن التعامل معه بخفّة وإنما ينبغي أخذه بمنتهى الجديّة. ذلك أن الأمر يتعلق بانحراف تاريخي كبير وإنما يتم إعطاؤه صفة الشرعية.

إن الصفات التي أطلقها المحافظون الأميركيون الجدد وإدارة جورج دبليو بوش على بعض الدول وأنها «مارقة» هي ـ أي الصفات ـ في طريقها كي تنطبق على سلوكية الولايات المتحدة. الدول المعنية، حسب التوصيف الأميركي،

هي تلك التي قد تشكل تهديدا «ضمنيا» للأمن الأميركي مثل العراق في ظل نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين أو تلك التي تجعل التدخل الأميركي، مع العالم الحر أو باسمه، ضروريا في هذا البلد أو ذاك من بلدان العالم، ضروريا في هذا البلد أو ذاك من بلدان العالم، ضروريا من أجل إنقاذ سكانه من تهديدات داخلية تحيق بهم.

الحالة التي يقدمها نعوم شومسكي على مثل هذا الوضع وجدها في «هاييتي» التي أطاح الأميركيون بحكومتها ونصّبوا مكانها حكومة جديدة منذ عدة سنوات، باسم «نوازع إنسانية». ويشرح شومسكي في هذا الإطار ألية تطبيق مثل هذه المفاهيم عبر التحيّز لإسرائيل ضد الفلسطينيين والعرب في الشرق الأوسط.

ويشير المؤلف ـ عالم اللسانيات إلى أن مدلول تعبير «الدول المارقة» ينقصه الكثير من الوضوح بل إنه يتسم بقدر كبير من عدم دقة المعنى. ولكن القاسم المشترك بينها كلها هو أنها تعتبر نفسها «خارج نطاق» القانون الدولي والقانون الوطني نفسه.

وذلك على اعتبار أن مجتمعاتها، ومواطنيها، هم بمثابة «ملكية خاصة» تتصرف بها كما تشاء ومتى تشاء. بهذا المعنى تكون «طليقة اليدين» في القيام بكل أشكال الاعتداءات والتجاوزات. في غياب أية ديمقراطية حقيقية. هذا ما تشهد عليه «فضائح التعذيب» في سجن أبو غريب وغيره وفعل كل شيء باسم «الحرب ضد الإرهاب».

يقول نعوم شومسكي: «إن إحدى المهمات الأكثر صعوبة بالنسبة لكل منا تتمثل في أن يتمعّن مليا في المرآة. فلنفعل ذلك وسوف لن نجد صعوبة في اكتشاف ملامح الدول المارقة هنا عندنا». إنه يقصد الولايات المتحدة الأميركية ولا يتردد في القول أيضا إن «إدراك» مثل هذه الحقيقة المتمثلة في وصف الآخرين بـ «النعوت» التي تنطبق على الذات،

لا بد وأن يثير قلق أولئك «الذين يهتمّون ببلدانهم وبالأجيال القادمة». استخدام «صيغة الجمع» في هذا التعبير الأخير فيما يخص «البلدان» و«الأجيال» إنما يرجع أولا إلى كون أن مجال تأثير القوة الأميركية لا يقتصر على حدودها الجغرافية فقط، كما إلى واقع عدم تحديد المخاطر على صعيدي المكان والزمان.

وما يحاول المؤلف أن يبرهن عليه هو أن الإدارة الأميركية الحالية في ظل رئاسة جورج دبليو بوش «تعفي نفسها ذاتيا من التقيّد بالعديد من البنود الأساسية التي يتمحور حولها القانون الدولي وخاصة فيما يتعلق بميثاق منظمة الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف واتفاقية «بروتوكول» كيوتو المتعلق بحماية البيئة.

وإذا كان نعوم شومسكي يصب جام غضبه وانتقاداته على السياسة الخارجية الأميركية الحالية ونزعتها التوسعية بعيدا عن أي التزام جدّي بالقوانين والمعاهدات والمواثيق الدولية، فإنه يحلل أيضا القانون الانتخابي الأميركي بحيث يصل إلى نتيجة مفادها أنه قد جرت صياغته أصلا على خلفية ذهنية تسعى إلى إقصاء جميع البدائل السياسية «الأصلية».

وبالتالي منع بروز أية ديمقراطية تستحق مثل هذه التسمية. إن المؤلف يدرس في هذا الإطار انتخابات الكونغرس لعام 2004. بالإجمال يقدّم المؤلف في هذا الكتاب عملية توصيف دقيقة لقوة عالمية عظمى وحيدة في عالم اليوم، هي الولايات المتحدة الأميركية،

أعطت نفسها منذ مدة طويلة «صلاحية» و«سلطة» صياغة البلدان الأخرى على الطريقة التي تريدها وحسبما تعتقد أنه مصلحتها، بعيدا عن رغبة المعنيين وتحديدهم لـ «مصالحهم». وهي تريد بهذا المعنى أن تقوم بدور الحكم لتعيين «مضمون الديمقراطية» في العالم. وليس الحكم فقط وإنما «الخصم والحكم» في الوقت نفسه. فأين «حق الشعوب»؟!

*الكتاب:الدول المارقة

إساءة استخدام القوة والإفلاس الديمقراطي

*الناشر:أوال بوكس - نيويورك 2007

*الصفحات:320 صفحة من القطع المتوسط

Failed states the abuse of power and the assault on democracy

7002 .Y.N- skoob lwO

023.P