مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الفرنسي آرنو بلان المختص بدراسة الصراعات الاستراتيجية، وكان قد نشر سابقا مع جيرار شاليان كتابا ضخما تحت عنوان: قاموس الاستراتيجية العسكرية. كما قدم تحليلا معمقا عن معركة فيينا الشهيرة التي جرت بين نابليون والجيش البروسي الألماني.
والرجل مختص بدراسة الصراعات القديمة والحديثة في آن معا، وكثيرا ما يدرس الطابع الإرهابي للفاتحين الكبار من أمثال جنكيز خان، أو تيمورلنك، أو نابليون، أو هتلر، أو سواهم. ويرى المؤلف أن تيمورلنك هو أحد كبار الفاتحين في التاريخ، ولكنه في الوقت ذاته أحد كبار المجرمين والإرهابيين. وربما كان أول من ارتكب الجرائم ضد الإنسانية كما نقول نحن اليوم. وذلك لأنه كان يستبيح المدن الكبرى ويقتل سكانها عن بكرة أبيهم أحيانا.
وبالتالي فهناك علاقة بين تيمورلنك الذي عاش ومات قبل ستمئة سنة وبين كبار الإرهابيين في القرن العشرين من أمثل هتلر وستالين وماو تسي تونغ وبول بوت الذين قتلوا الناس أيضا بالملايين. لقد كان تيمورلنك فاتحا لا يشق له غبار، هذه حقيقة.
ولكنه في الوقت ذاته كان مجرما استباح عواصم العالم آنذاك وأرعبها كبغداد، واصفهان، وحلب، ودمشق، والحبل على الجرار. ولم يكن ينتهي من معركة حتى يدخل في معركة أخرى حتى شكل إمبراطورية شاسعة واسعة في ذلك الزمان. وعندما مات وهو في التاسعة والستين من عمره كان يتهيأ لغزو الصين.
ثم يردف المؤلف قائلا:
كثرت في الآونة الأخيرة الكتب التي تتحدث عن الكتاب الأسود للشيوعية، أو الكتاب الأسود للاستعمار، أو الكتاب الأسود للإرهاب، الخ. فمن سيؤلف الكتاب الأسود لتيمورلنك؟
من المعلوم أنه عندما استباح بغداد قطع رأس تسعين ألف رجل فيها. وعندما استباح اصفهان قطع رؤوس سبعين ألفا، هذا دون أن نتحدث عن المدنيين والنساء والأطفال. وهذا ما فعله بمدينة حلب التي استباحها مرتين وهدم قلعتها وأسوارها.
وأما دمشق فقد أشعل النيران فيها لمدة ثلاثة أيام بلياليها، وقس على ذلك. وفي دمشق بالذات حصلت المقابلة الشهيرة بينه وابن خلدون عام 1401: أي في بداية القرن الخامس عشر بالضبط. وكان يصنع أهرامات أو حتى مآذن من رؤوس الرجال المقطوعة والتي تقدم له كهدية...
كان بلا شفقة أو رحمة. ولذلك هابته الشعوب والبشر دون استثناء وخافت منه الملوك والجبابرة. ويقال بأن فتح بغداد على يديه أدى إلى قتل 99 بالمئة من سكانها، وبالتالي فلم يبق إلا الفقهاء ورجال الذين وفّرهم ولم يقض عليهم. وبالتالي فمجازره البشعة تشبه المجازر التي دشنها القرن العشرون، قرن الأنظمة الفاشية والتوتاليتارية.
وأما فيما يخص حروبه ضد المماليك فيقول المؤلف ما معناه: كان المماليك الأتراك يحكمون سوريا ومصر عندما هجم عليهم تيمورلنك بجيوشه الجرارة. ولكن قبل أن يصل إلى سوريا كان قد حرق أرمينيا في طريقه وقتل من شعبها أعدادا كبيرة.
وعندما وصل إلى حلب كان جيش المماليك محتشدا بكل عدده وعدته أمام قلعتها الشهيرة. والواقع أن والي المدينة نصح قادة المماليك بالاستسلام لأن تيمورلنك لا يقهر. فلم يستمعوا له. وعندئذ وقف الجيشان أمام بعضهما البعض في لحظة رعب رهيبة.
وكانت الفيلة الضخمة تتقدم جيش تيمورلنك كعادتها من أجل أن تزيد من خوف الجيش المقابل. ثم هجم الجيشان على بعضهما البعض وهما يصرخان: الله أكبر! واستطاع تيمورلنك أن يهزم جيش المماليك بسرعة مدهشة بفضل أفياله العملاقة التي تتقدم كالدبابات وتسحق الخصوم.
وراح تيمورلتلك يصنع أهرامات من رؤوس الجنود المماليك. وأضاف إليهم رؤوس الجنود الأحياء الذين لم يسقطوا في ساح الوغى. فقد أمر بقطع رؤوسهم لكي تكون الأهرامات أكثر علوا. وعلى هذا النحو كانت شهرته المرعبة تسبقه إلى كل مكان وتخيف الناس.
وبعد أن هزم المماليك هزيمة نكراء دخل المدينة وراح يتناقش مع كبار الفقهاء ورجال الدين. وراح يفحصهم لكي يرى مدى خبرتهم بالعلوم الدينية حتى لكأنهم تلامذة لديه. ثم طرح عليهم هذا السؤال الخبيث لكي يجرحهم:
من هو الأحق بصفة الشهيد: جنودي أم جنود المماليك؟ وبالطبع فإن أحدا لم يتجرأ على القول بأن جنود المماليك شهداء. نقول ذلك على الرغم من أنهم مسلمون تماما مثل جنود تيمورلنك.
وبعد أن أخضع حلب سار في طريقه إلى دمشق. وفي أثناء الطريق راح يستبيح حماة وحمص وبعلبك. وعندما وصل إلى دمشق هرب قائد جيش المماليك بعد أن حاول في البداية التصدي له. ولكن عندما عرف أنه سيهزم لا محالة لاذ بالفرار.
ثم حاصر تيمورلنك المدينة وأحرقها لكي تستسلم. بل وصل الحريق جزئيا حتى إلى الجامع الأموي الكبير. وهناك حصل اللقاء الشهير بينه وبين ابن خلدون حيث سأله تيمورلنك عن أحوال بلاد المغرب وعن مسيرة التاريخ البشري وأشياء أخرى كثيرة.
ومعلوم أن ابن خلدون جاء من مصر إلى دمشق لكي ينقذ رجال الدين السوريين من براثن تيمورلنك. وقد قبل هذا الأخير وساطته. وبعد انتهاء المقابلة أبدى تيمورلنك إعجابه ببغلة ابن خلدون فسارع هذا الأخير إلى تقديمها له كهدية.
وقبلها الطاغية ولكنه أرسل إلى عالم الاجتماع الكبير مبلغا ضخما من المال كثمن للبغلة. ثم يضيف المؤلف قائلا: وبعد أن أخضع تيمورلنك سوريا واستباح حلب مرتين بل هدم قلعتها راح يواصل طريقه حتى وصل إلى بلاد الأناضول. وهناك دارت أكبر معركة في التاريخ في ذلك الزمان بين زعيم الأتراك المغول وزعيم الأتراك العثمانيين بيازيد الأول.
وهي ما يدعى بمعركة أنقرة لأنها دارت في السهول الواسعة المحيطة بالمدينة. هناك التقى وجها لوجه أكبر سلطانين في ذلك الزمان وأعظم جيشين. وكلاهما كان قائدا عسكريا لا يشق له غبار. ويقال بأن عدد الجيشين كليهما كان يتجاوز المليون رجل أو أكثر. وقد دامت المعركة يوما كاملا وانتهت بهزيمة بيازيد بل وأسره من قبل تيمورلنك.
ويقال بأنه عندما دخل عليه وهو مقيد بالأصفاد ضحك تيمورلنك فقال له بيازيد: أنت تضحك عليّ الآن. ولكن أنصحك بألا تضحك كثيرا لأن الله عز وجل الذي أعطاك هذا النصر قد يسحبه منك غدا. فلا شيء مضمون في هذه الدنيا يا تيمورلنك. فلا تغتر بجبروتك وانتصارك أكثر من اللزوم.
فأجابه تيمورلنك قائلا: أعرف ذلك جيدا ولهذا السبب فإني لا أشتمك ولا أهينك وأنا أراك أمامي مقيدا بالأصفاد. إني أشكر الله سبحانه وتعالى على هذا النصر الكبير الذي وهبني إياه ولكني لا أغتر بالانتصارات أيا تكن. مهما يكن من أمر فإن بيازيد لم يعش طويلا بعد ذلك فقد مات من كثرة الهمّ والغمّ، ولكن الإمبراطورية العثمانية لم تمت بموته وإنما بعثت بعد سقوطه بخمسين سنة فقط.
*الكتاب:تيمورلنك
*الناشر:بيران ـ باريس 2007
*الصفحات:250 صفحة من القطع الكبير
Tamerlan
Perrin -Paris 2007
P.250

