مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور «غوتييه بيروت»، الباحث الاجتماعي الذي يدرّس في معهد العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة «لييج» ـ بلجيكا، والذي يشرف منذ عدة سنوات على أبحاث حول المجتمع المدني، وبوجه خاص حول المنظمات اللاحكومية (ONG) ومن بين أعماله: «صنع المجتمع المدني في أوروبا الشرقية وإفريقيا السوداء»، «المجتمع المدني ما بعد المرحلة الثورية»، «المجتمع المدني ونمط جديد في الحكم» الخ.
منذ نهاية الحرب الباردة فرضت فكرة المجتمع المدني نفسها، إلا أنها تظل حاملة لاستخدامات مختلفة لها، الأمر الذي يقود الكاتب إلى الرجوع إليها تاريخيا، والمفاهيم التي تطورت لها واستعمالاتها اليوم.
وأهمية الكتاب تنبع من أن المؤلف يهتم بهذه الفكرة لا بالنسبة لأوروبا وأمريكا وحسب، وإنما أيضا فيما يتعلق بالبلدان الشرقية التي تحولت عن الشيوعية، أو بالنسبة للبلدان التي توجهت نحو الديمقراطية، في حين أنها ما زالت مطروحة بالنسبة للمجتمعات العربية وعلى المستوى العالمي.
فالمجتمع المدني يعود إلى اليونان القديمة كنظام من المشاركة في حياة المدينة الإغريقية عبر ما عرف بالديمقراطية المباشرة. غير أن هذا المجتمع كان يستثني منه العبيد والنساء والأجانب. لقد كان مجتمع مدينة ـ دولة المواطنين الأحرار الذين يجتمعون للنقاش في الساحة العامة حول شؤونهم المشتركة ومن أجل التقرير بها.
لقد ترك التراث الإغريقي عدة مبادئ أساسية للمجتمع المدني ألا وهي:
1 ـ ليس هناك من مجتمع مدني دون وحدة مواطنين متميّزين عن «المجتمع المنزلي» أو«القبلي».
2 ـ هناك تعاقد بين مواطنين أحرار عبر نظام سياسي تداولي مباشر (ديمقراطي) يخضعون له والدولة بذلك تعمل على تأمين الحياة المتحضرة والسعيدة للجميع.
3 ـ هناك علاقة عضوية بين المستوى الحضاري الذي وصل إليه مجتمع ما وبين مستوى التنظيم السياسي لأفراده.
ومع سقوط روما في القرن الخامس وسيادة المسيحية فإن تأويلا جديدا تم بالنسبة للمجتمع المدني. لماذا؟ لأن التحضر والنظام الاجتماعي القانوني العادل أصبح مرتبطا ومحددا بوجود إرادة الهية ناظمة لكل شيء. هكذا أصبح المجتمع المدني يعني الجماعة أو الأمة المسيحية تحديدا.
إلا أن ما عاشه المجتمع الديني المسيحي من إشكاليات اجتماعية وسياسية سيدفع «القديس اوغسطين» إلى الفصل بين مجتمعين: مدينة الله السماوية ومدينة البشر الأرضية. فالمدينة الأرضية هي مجتمع الأنانية والخطيئة والعنف،
بينما تشكل المدينة السماوية مجتمع والطهر والسلام. والحل؟ إنه يكمن في الابتعاد عن شؤون المدينة الأرضية والتقيد بتعاليم وقواعد رجال الدين الكنسيين «الذين يمثلون ـ عبر الكنيسة ـ وطيلة القرون الوسطى المدينة السماوية».
والقديس «توما الاكويني» (الذي وصلت إليه حسب بعض المؤرخين فلسفة ابن رشد) سيقوم بتعديل أساسي حول المجتمع المدني وذلك بالنظر إلى الحياة الاجتماعية للبشر بشكل عقلاني. لقد تطورت المجتمعات الأوروبية، الأمر الذي انعكس ببزوغ عصر النهضة مما جعل المفكرين يعيدون النظر في النظم الاجتماعية ـ السياسية في واقع من الحالات الفكرية والصراعات الطائفية.
من هنا ارتبطت فكرة المجتمع المدني بمسألة استقلالية السلطة السياسية الزمنية عن كل سلطة دينية، وبمسألة استقلالية سلطة العاهل الحاكم عن الشعب الذي يحكمه. وفي هذا السياق يشير المؤلف في الوقت نفسه إلى الأثر الذي أحدثه الإصلاح الديني البروتستانتي الذي رفض أن تكون الكنيسة ورجالها ممثلين للمدينة السماوية وللتعاليم الإلهية.
لقد حرر الإصلاح البروتستانتي المؤمن ـ المواطن من السلطة الدينية ليجعل منه فردا «حر الضمير» متمتعا بالقدرة على «اختيار أفعاله»، و«متعاقدا مع غيره من البشر» لإدارة شؤونه الأرضية. كل هذه التطورات الفكرية والاقتصادية والدينية دعت إلى اعتبارات جديدة للمجتمع المدني.
لقد رأى بعض الباحثين أن اجتماع البشر هو نزعة طبيعية لديهم (الأمر الذي يعيدنا إلى ابن خلدون عندما يقول إن الاجتماع الإنساني ضروري ويعبر عنه الحكماء بقولهم الإنسان مدني بالطبع أي لا بدّ له من الاجتماع الذي هو المدينة في اصطلاحهم وهو معنى العمران).
لكن هناك من يعارض بين «المجتمع المدني» وبين مجتمع «الملّة الدينية» وبين «المجتمع بوجه عام»، لماذا؟ لأن المجتمع المدني كنزعة طبيعية ليس بحاجة إلى أية مشيئة عليا فوقه ليتم، كما أن اجتماع البشر لا يصبح مدنيا إلا بعقد اجتماعي لإقامة سلطة مشتركة فيما بينهم.
لقد تصاعد دور البورجوازية في المجتمع الانجليزي في القرن الثامن عشر، ومن هنا فإن المفكر «جان لوك» (مؤسس الليبرالية السياسية) يرى أن المجتمع المدني هو «كلية اجتماعية تتضمن الدولة التي يفترضها المواطنون سلطة التنظيم وتطبيق القانون الطبيعي».
وبالتأكيد فإن «جان جاك روسو» يعطي في فرنسا قراءة مختلفة نوعيا عما سبق حول المجتمع المدني حيث يرفض إقامته على الملكية الخاصة أو السوق قائلا «احذروا من الاستماع إلى ذلك المحتال (الذي قال لكم هذ ملكي)،
فأنتم خاسرون عندما تنسون أن الخيرات للجميع وأن الأرض ليست لأحد». ولهذا يؤكد «روسو» على عقد بين البشر يسمح باحترام الحرية والمساواة والإرادة المواطنية الديمقراطية المباشرة أي بما يقيم المصالحة بين الفرد الإنساني والمواطن.
ومن اللافت للنظر ما يتعرض له الكاتب حول مسألة المجتمع المدني في ظل دولة استبدادية وفي واقع بلد ما زال يلعب فيه رجال الدين تأثيرا على أذهان الناس وفي وضع من استمرار التفاوت الصارخ في النمو بين مناطقه كالمجتمع الإيطالي، بل إن هذه المسألة تتعدى هذا المجتمع إلى غيره.
فالمفكر الشهير الإيطالي «انطونيو غرامشي» يطرح منذ ثلاثينات القرن العشرين سؤالا حول استمرار تسيّد مجموعة أو طبقة ما على الشعب قائلا: ما الذي يجعل الرأسمالية تستمر داخل ظروف موضوعية تسمح بتجاوزها؟
ويجيب أن السبب يكمن في الهيمنة الثقافية ـ الإيديولوجية التي تمارسها الطبقة السائدة على مؤسسات وتنظيمات الحياة اليومية، أي على المجتمع المدني.
ولهذا فهو يفرّق منهجيا في البنية الفوقية بين:
ـ المجتمع المدني بمؤسساته وتنظيماته المختلفة والذي يؤمن وظيفة الهيمنة أي القيادة الثقافية الإيديولوجية للفئات السائدة.
ـ المجتمع السياسي أو الدولى التي توفر وظيفة السيطرة أي الإكراه، والقمع إن لزم الأمر، لضمان استمرار هذه الفئات في مواقعها.
باختصار هناك بين الدولة وبين القاعدة الاقتصادية للحياة الاجتماعية مجتمع مدني يجب تغييره لا بكشف آليات الهيمنة الثقافية الإيديولوجية المنتشرة وحسب وإنما أيضا بتحقيق كتلة تاريخية ثقافية اجتماعية سياسية لمواجهة الكتلة التاريخية المسيطرة والعمل في الوقت بنفسه على تغيير علاقات الإنتاج القائمة بواسطة تغيير العلاقات الاجتماعية ومعاييرها داخل المجتمع المدني بالذات، وصولا بذلك إلى تغيير الدولة.
على الرغم من أن المجتمع المدني بدأ يأخذ قسمات جديدة تميّزه عن الدولة وعن القاعدة الاقتصادية وباعتباره أصبح يعني مجمل الروابط والتنظيمات والنوادي والمنظمات اللاحكومية، أي مجالا عموميا تطرح فيه تداولا ونقاشا، المسائل المتعلقة بالمواطنين والمصالح العامة والمشاركة في حياة «المدينة»، فإن سؤال «غرامشي» ما زال راهنا بالنسبة للمجتمعات العربية في حين أن إجابة غرامشي عليه تقدم قاعدة نظرية وعملية لفتح الطريق أمام بناء مجتمع مدني عصري فيها.
*الكتاب:مفهوم المجتمع المدني
*الناشر:لاديكوفرت ـ باريس 2007
*الصفحات :122 صفحة من القطع المتوسط
La notion de la société civile
Ed. La Découverte- Paris 2007
P.122

