يحمل غايدز ميناسيان، مؤلف هذا الكتاب، شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية ويعمل أستاذا في جامعة باريس العاشرة (نانتير). وهو أحد الباحثين في مركز دراسات وبحوث التعليم العسكري العالي في المدرسة الحربية بباريس. يساهم بالكتابة في العديد من الدوريات مثل «السياسة الخارجية» الصادرة عن المركز الفرنسي للعلاقات الدولية و«مجلة التوثيق الفرنسي» الصادرة عن وزارة الخارجية.

له العديد من المؤلفات حول القوقاز وأوروبا الوسطى من بينها: «الحرب والإرهاب الأرمنيان» و«جيوسياسة أرمينيا». «جنوب القوقاز» يعني منطقة واقعة بين روسيا وأوروبا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى، أي أنها ذات أهمية إستراتيجية استثنائية من حيث موقعها، وهي أيضاً ذات أهمية إستراتيجية من حيث ما تمتلك من مصادر للطاقة، وخاصة نفط أذربيجان.

هذه المنطقة التي كانت حتى عام 1991 في عداد جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. ولكنها عرفت منذ استقلالها بعد انفراط عقد الإمبراطورية السوفييتية، ضغطا جيوسياسيا كبيرا دفع العديد من المعلقين والخبراء الإستراتيجيين إلى القول بأنها تشهد نوعا من الحرب الباردة الجديدة. من هنا جاء عنوان الكتاب: «جنوب القوقاز، الحرب الباردة الجديدة».

الملفات التي تتأسس عليها حالة التوتر القائمة كثيرة. وهكذا نجد في عداد ما يتعرض له المؤلف منها مسألة التوترات القائمة بين جيورجيا وروسيا ولكن أيضاً بين أذربيجان وروسيا على خلفية الإرث الذي ترتب على انهيار الاتحاد السوفييتي، وأزمة «كاراباخ العليا»

التي تمثل أحد أكثر المناطق حساسية كعقدة إستراتيجية يتم تشبيهها بـ «شرفة» تطل على آسيا الوسطى كلها وصولا إلى المياه الدافئة في الخليج، ومسألة التنافس الكبير بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا حول مصادر الطاقة ومستقبلها،

والمسألة التي يسميها المؤلف بـ «حرب الغاز». وجاءت مؤخرا مسألة الملف النووي الإيراني وما رافقها من حالة توتر بسبب شبح إمكانية عمل عسكري أميركي لا يمكن التنبؤ بنتائجه مسبقا.

هذه الملفات «العالقة» كلها وعدد غيرها يجدها مؤلف الكتاب مصدر تشويش كبير بالنسبة لجميع مشاريع الإصلاح الاقتصادي والسياسي الطموحة التي ارتسمت ملامحها الأولى في الأفق عند الخروج من المنظومة الشمولية «التوتاليتارية» السوفييتية، بل هي مصدر تهديد للمستقبل السياسي للبلدان الثلاثة الرئيسية المعنية بتحليلات هذا الكتاب: أي أرمينيا وجورجيا وأذربيجان.

يضم هذا الكتاب ستة فصول عن منطقة جنوب القوقاز التي يصفها المؤلف بأنها شديدة التعقيد، كما يصف البلدان الثلاثة المعنية أذربيجان وأرمينيا وجورجيا بأنها «تجمع ثلاثة متصارعين محصورين في حلبة». ويبلغ عدد سكان هذه البلدان حوالي خمسة عشر مليون نسمة موزعين بين عشرات الاثنيات التي عرفت مسارا تاريخيا حافلا في الصراعات والنزاعات فيما بينها،

هذا إلى جانب حرص أغلبية هذه الاثنيات على المحافظة على هويتها وخصوصياتها بحيث أصبح من المألوف أن نجد في قريتين متجاورتين «لغتين» مختلفتين. ويؤكد المؤلف في هذا السياق أن وقوع جنوب القوقاز على مفترق الطرق. بين آسيا وروسيا أوروبا كان عامل نزاع وشقاق أكثر مما كان عامل اتفاق وتوحّد.

الدول الثلاث المعنية، كما تدل شروحات هذا الكتاب، تعيش أيضاً حالة من التناقض فيما بينها أيضا، ذلك أن كلا منها تسعى لبسط نفوذها تبعا لمصالحها الخاصة، الأمر الذي يخلق توترات كبيرة دعت المؤلف إلى طرح تساؤل «مثير» عمّا إذا كان هذا المجموع الجغرافي، الذي تمثله منطقة جنوب القوقاز، هو «موجود حقيقة» في الواقع وليس في القول فقط.

لكن بالمقابل يؤكد المؤلف على أن منطقة جنوب القوقاز، ورغم مختلف أشكال التوترات والتدخلات الخارجية وسعي القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، إلى إيجاد مواقع قدم لها في المنطقة وأحيانا بصيغة قواعد عسكرية، قد نجحت،

رغم هذا كله في أن تجد خلال السنوات الأخيرة نوعا من «التنسيق» في مواقفها على أساس أنها «الممر الأساسي» الذي يعبر منه البترول والغاز من منطقة بحر قزوين نحو البلدان الغربية المستهلكة للطاقة. ومن الواضح أن روسيا تحاول أن تلعب ورقة الدول المحيطة ببحر قزوين «لخدمة مصالحها الإستراتيجية».

وإذا كان مؤلف هذا الكتاب يؤكد حقيقة السعي من أجل الوصول إلى درجة ما من توحيد المواقف، على الأقل فيما يخص سياسات استثمار موارد الطاقة، بين الدول الثلاث المعنية، فإنه يؤكد بقوة أيضاً أنها لا تزال بعيدة جدا عن إيجاد حلول للتناقضات فيما بينها النزاعات التي تعتمل في داخل كل منها بسبب إرثها التاريخي تحديدا.

نقرأ: «تتميز منطقة جنوب القوقاز بوجود خاصية مزدوجة. فمن جهة هناك واحد من أصل عشرة من ساكنيها هو لاجئ وضحية للحرب، ومن جهة أخرى تمتلك هذه المنطقة أكبر كثافة للنزاعات الحقيقية والكامنة في العالم».

بالمقابل ورغم التحولات «الديمقراطية» التي عرفتها بلدان جنوب القوقاز، لاسيما «الثورة الوردية» في جورجيا عام 2003، فإن حالة التوتر المستمرة وغياب منظور حقيقي للسلام دفع الحكومات إلى الدخول في سباق للتسلح وتبنّي سياسات ذات طابع تسلّطي على المستوى الداخلي.

وهذا ما ساعد عليه واقع وجود «بؤر قابلة للانفجار» في كل لحظة داخل كل بلد مثل «ادجاريا» و«جافاكيتيا» في جورجيا، و«ليزغيستان»، المشتركة بين روسيا وأذربيجان، و«نختشيفان» التي تمثل منطقة وجود لأذربيجان وسط أرمينيا.

لكن تبقى منطقة «كاراباخ العليا» هي أحد أكثر بؤر التوتر خطورة. لاسيما من خلال واقع أنها تابعة «رسميا» لأذربيجان بينما أغلبية سكانها هم من الأرمن. وكانت «كاراباخ العليا» قد عرفت حربا طاحنة عام 1994 وكرّست واقع انفصالها.

وتشكل أيضاً منطقتا «ابخازيا» التي أعلنت بكل صراحة ووضوح أنها تريد الاستقلال والانفصال تماما عن جورجيا. وكذلك فعلت أيضاً «اوسيتيا الجنوبية» عندما أعلنت عن إرادتها الاندماج الكامل مع الفدرالية الروسية.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى أن الأسلحة قد «صمتت» في البلدان الثلاثة المعنية. بجنوب القوقاز كي تسود حالة من استقرار الأمور على ما هي عليه، أو قيام أشكال من الاستقلال الذاتي تترأسها القوى الداعية للانفصال التي كانت قد انتزعت ذلك الاستقلال بالقوة.

لكن بالمقابل ترفض السلطات المركزية في البلدان الثلاثة المعنية «الاعتراف» رسميا بالوضع القائم على الأرض. ما يؤكده المؤلف هو عدم وجود أي حل في الأفق المنظور كما تدل الأوضاع التي آلت إليها المفاوضات الجارية.

ويشرح المؤلف على مدى صفحات عديدة من كتابه السياق والعوامل التي تجعل بلدان جنوب القوقاز الغنية التي خرجت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي من تحت عباءة الشيوعية ذات بنى هشّة. وفي مقدمة العوامل التي يذكرها، بالإضافة إلى الإرث التاريخي المعقّد، علاقاتها الصعبة والمتوترة مع بلدان الجوار الجغرافي، وخاصة الكبيرة منها.

هكذا تشهد العلاقات بين جورجيا وأذربيجان وبين روسيا حالة من التوتر المستمر، وعلاقات أرمينيا مع تركيا ليست أقل توترا وهي لم تكن جيدة عمليا في أي يوم من الأيام وقد ازدادت هشاشة في إطار حالة عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة، خاصة بسبب القرب الجغرافي من بؤر النزاعات لم تخمد منذ سنوات في أفغانستان والعراق، ولكن أيضاً في المنطقة الشيشانية.

كما أن وقوع أرمينيا في نقطة تتقاطع فيها الرهانات البترولية يجعل منها ذات موقع إستراتيجي تتنافس عليه موسكو وواشنطن من أجل تعزيز وجودهما في المنطقة. وفي نفس إطار الحديث عن دول الجدار يشير المؤلف إلى أن بلدان جنوب القوقاز الثلاثة تُبدي «الحذر» في علاقاتها مع إيران.

وبالإضافة إلى وجود محيط جغرافي يدفع نحو التوتر فإن الدول الثلاث المعنية لا تستطيع التوصل إلى التعاون «المطلوب من أجل خدمة مصالحها» بل ولا تستطيع التفاهم فيما بينها. ويركّز المؤلف مرّات ومرّات على أن مشكلة «كاراباخ العليا» تشكل موضوعا للشقاق يصعب حلّه بين أذربيجان وأرمينيا.

أما الديمقراطية فـ «وجودها جزئي» وخاصة في جورجيا بعد «الثورة الوردية» لعام 2004. وما يزيد في «جزئيتها» طبيعة السلطات القائمة كما يرى المؤلف، ويشرحه بالقول: «إن عملية نشر الديمقراطية مصادرة من قبل القوى الصاعدة التي يتمثل هدفها في المحافظة بأي ثمن على السلطة».

وفي ظل مثل هذه الأوضاع يزدهر القمع السياسي وتتضاءل حرية الصحافة ويتعاظم الخوف، حسب الشروحات المقدّمة. وينهي المؤلف كتابه بنوع من «النداء» إلى الاتحاد الأوروبي للاهتمام بهذه المنطقة ذات الأهمية الإستراتيجية الاستثنائية.

*الكتاب:جنوب القوقاز

الحرب الباردة الجديدة: أرمينيا وأذربيجان وجورجيا

*الناشر:اوترومون ـ باريس 2006

*الصفحات :192 صفحة من القطع المتوسط

Caucase du sud, la nouvelle guerre froide Armenie,Azerbaidjan,Georgia

Autrement- Paris- 2006

P. 192