يعمل ألفن توفلر وزوجته هايدي، منذ أكثر من ثلاثة عقود في ميدان البحوث المستقبلية. وقد نالا من جامعة «براون»، احدى أشهر جامعات الولايات المتحدة الأميركية، جائزة «البحث المستقل» التي كانت قد نالتها شخصيات عالمية كبرى تقديرا لعقلها الحر ونزاهتها الفكرية من أمثال ميخائيل غورباتشوف وستيفن جوبس، مؤسس شركة «ابل»، وتيد تورز، مؤسس قناة سي. ان. ان. التلفزيونية الإخبارية الشهيرة.

كذلك يتمتع الباحثان «المستقبليان» بشهرة عالمية كبيرة بفضل مساهماتهما الدراسية عبر مجموعة من الكتب التي تمت ترجمتها إلى العديد من اللغات العالمية، مثل «الموجة الثالثة» و«صدمة المستقبل» و«التأقلم أو الفناء، المؤسسات أمام صدمة المستقبل» و«الحرب والحرب المضادة: البقاء في فجر القرن الحادي والعشرين»، الخ.

يأتي الكتاب الجديد «الثروة الثورية» بعد سنوات طويلة من كتاب «صدمة المستقبل» الذي بيعت منه ملايين النسخ. ويقع هذا العمل الجديد في «النهج المستقيم» للعمل الأول من حيث محاولة شرح الآليات التي يتطور على أساسها العالم المعاصر وتتبدل الرهانات السياسية وأنماط العيش وكذلك أيضاً الدورة المالية وحقائق الصناعة والتجارة وغيرهما من النشاطات الاقتصادية.

ويشير المؤلفان إلى أن هذا العمل «الثروة الثورية» هو حصيلة ما يزيد عن عشر سنوات من «التحقيقات» والدراسات التي قاما لها حول مصادر الثروة. وقد توصلا إلى نتيجة مفادها ب«الخط العريض» أن الثروة ليست فقط مسألة تتعلق بالمال وإنما تتعلق قبل كل شيء بعامل آخر هو «المعرفة».

هذه المعرفة تشكل برأيهما «المادة الأولية» الاستراتيجية الأولى أنها أكثر أهمية من البترول والغاز وغيرها من المواد التي قامت من أجلها الحروب سابقا ولا تزال تقوم بسببها اليوم. ثم إن «المعرفة»، وعلى عكس المواد الأولية «الاستراتيجية» الأخرى، غير قابلة للنضوب بل إنها بمقدار ما يتم البحث عنها واستخدامها تزداد وتتعاظم.

والمعرفة، بتطورها، قادرة على خلق أسواق جديدة وعلى أحداث تغييرات عميقة في سلوكيات البشر. بل وإنها قادرة على دحر التخلف ودفع كل ما يفيد البشر على مختلف مستويات الثقافة والصحة والتربية وغيرها إلى الأمام. باختصار المعرفة، كما يتم تقديمها، هي عالم يستطيع كل إنسان أن يكون فيه منتجا ومستهلكا لهذه الثروة الجديدة.

ويطلق المؤلفان على أولئك الذين يساهمون، من مختلف مواقعهم كهواة أو محترفين، في «التقدم الجماعي» للبشر تسمية «المستهلكون التقدميون». وهؤلاء يمكن أن يشكّلوا ردا حقيقيا ضد البطالة والتقهقر الاقتصادي الاجتماعي. فمثلا ألم تكن خدمة ال«الويب» عبر شبكات الانترنيت، مجانية في البداية ولكنها أنتجت مئات الآلاف من فرص العمل.

وعلى أساس مثل هذا النهج من التحليل يعتبر المؤلفان أن «ثروة المعرفة» أهم بكثير من البورصة أو الحروب فيما يخص المستقبل الذي ستؤول الإنسانية إليه. هذا فضلا عن أنها تمثل «دواء ناجعا» ضد نزعات التشاؤم السائدة.

إن مؤلفي هذا الكتاب يقدمان على مدى عشرة فصول، أو «عشرة أقسام» حسب تصنيفهما، تحليلا للمجتمعات الحالية المتقدمة على أساس أن مفتاح الازدهار فيما هو المعرفة وليس المال. المعرفة أو «الثروة الثورية». ويبينان من خلال أمثلة عديدة أن العالم الذي «ندخل فيه سيكون مختلفا جذريا «عن عالم الأمس، وحتى القريب منه.

من هنا يشكل الكتاب عملية «تشريح» للمجتمع ما بعد الصناعي بكل تعقيداته والذي يعيش العالم بوادره إثر ثورة المعلوماتية ودخولها إلى مختلف مظاهر الحياة اليومية، وبالتزامن مع إيقاع متسارع للتطور «يغيّر كل شيء».

الرؤية العامة المقدّمة في هذا الكتاب يمكن أن تعبر عنها الجملة التالية التي نقرأ فيها أن الثروة «لن تتولّد فقط عبر محاصيل الحقول ومنتوجات المصانع والمكاتب والآلات. إن الثروة الثورية كما سوف نحددها ليست مسألة مال فقط». ويضيفان في موقع آخر: «إننا نتطور في الواقع أيضاً في إطار اقتصاد موازٍ ساحر ولم يتم اكتشافه بجزء كبير منه وحيث تتم تلبية العديد من الرغبات والحاجات الحيوية دون دفع أي ثمن».

ويؤكد المؤلفان أن العالم الذي نترقبه سيشهد «كمية أقل من أشكال القسر». ذلك أن الفرد سيجلب معه طريقة في العيش وستسود حضارة لا سابق لها وسنعرف تجديدات على صعيد البنى التجارية وسيزدهر الإبداع الموسيقي والفني وأنماط التغذية. بل وستكون هناك معايير جديدة للجمال والقيم والمواقف حيال جميع الإيديولوجيات بكل أنواعها.

وذلك كله باسم عنوان واحد هو «الحريّة الفردية». النموذج - المثال- الذي يتم تقديمه لعالم الغد هو الولايات المتحدة الأميركية وهذا يؤدي إلى اتخاذ مواقف عدائية حيالها من قبل شعوب العالم الأخرى التي تخاف مما يرتسم في المستقبل.

وهذا ما يعبّر عنه المؤلفان بالقول: «هناك اليوم ملايين البشر الذين يكرهون الولايات المتحدة الأميركية، وبعض المتشددين يأملون تدميرها بسبب سياساتها في الشرق الأوسط أو لأسباب أخرى كرفضها اتفاقيات دولية -كيوتو وغيرها- أو لطموحاتها الإمبريالية».

ويشير المؤلفان في هذا السياق إلى أنه لو تم اليوم إحلال السلام في العالم كله وسادت الديمقراطية فإن الولايات المتحدة ستتابع إثارة «القلق» لدى الآخرين. السبب هو أن «نظام الثروة الجديد الذي تتبناه هذه البلاد يهدد، بطبيعته نفسها، المصالح المالية والسياسية في العالم أجمع».

وفيما هو أعمّ من أميركا يؤكد المؤلفان على وجود «ثقافة وليدة» تقوم على أساس «تشجيع الحس الفردي» وبالتالي «يتم النظر إليها على أنها تهدد المجموعة». أميركا هي رائدة «الثقافة الوليدة» وبالتالي يتوجه «الحقد» ضدها.

وهذا ما يعبّر عنه المؤلفان بالقول: «بالاختصار يمكن تفسير نزعة العداء العام لأميركا بجمعها بين الثروة الثورية والتحولات الاجتماعية والثقافية أكثر مما يمكن تفسيرها بالأسباب التي تقدمها وسائل الإعلام». لكن المؤلفين يؤكدان أيضاً أن أميركا قد لا تستمر في احتلال مواقع الريادة إذ هناك أمم أخرى «تتقدم» باتجاه النموذج الجديد.

ويؤكد المؤلفان أن التكنولوجيات الجديدة، وليدة المعرفة، هي التي كانت وراء «الثروة الثورية» التي هي ليست ثمرة «الفقاعة المالية» المتعاظمة التي عرفتها أسواق البورصة خلال سنوات التسعينات المنصرمة. وبمحصلة الثورة المعرفية دخلت الإنسانية في مرحلة جديدة من تطورها. فـ «العالم هو بصدد تحول كبير لا عودة عنه»، كما يقول المؤلفان.

ويتم هنا تقديم عدد من الإحصائيات، كمؤشرات على التبدل الحاصل، مثل القول انه يوجد اليوم 800 مليون حاسوب فردي في العالم. وكانت اليابان قد اخترعت عام 2002 حاسوبا مهمته العمل على رصد توقعات تبدلات المناخ الكونية. لكن مع ذلك يتم التأكيد أنه «لا أحد يمكنه أن يقول اليوم بشكل ثابت وأكيد إلى أين تقودنا العلوم المتقدمة».

وبالاعتماد على المعرفة يتم التأكيد أيضاً أن «الثروة لها مستقبل» وأن «الإنسانية سوف تنتج أكثر خلال السنوات القادمة». هذا مع الإشارة أن هذه «الزيادة في الإنتاج» لا ينظر لها جميع على أنها أمر جيد على قاعدة مقولة قديمة مفادها أن المطلوب هو «الإنتاج الذي يؤمن الاكتفاء الذاتي وليس أكثر».

وتحت عنوان «موجات الثروة» يشرح المؤلفان أن البشر ينتجون الثروات منذ آلاف السنين. ورغم الفقر المتفشي هنا وهناك في مناطق العالم فإن الواقع يثبت أن إنتاج الثروة سوف يستمر على المدى الطويل فوجود 5,6 مليارات نسمة في العالم اليوم يتطلب ذلك.

ويخوض المؤلفان في آليات عمل «البورصات» والتي تساهم وسائل الإعلام بتوجيهها. ويصلان إلى القول: «إن البلدان التي تمتلك اقتصادات كبرى في عالم اليوم، أي الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي، هي بصدد السير نحو أزمة كبيرة وقليل من مسؤوليها يستعدّون لمواجهتها. إنها أزمة سوف ترسم حدود التقدم الاقتصادي المقبل». ولا يتردد في القول انها سوف تحدث بعد زمن قصير وأن السبب الرئيسي فيها هو عدم التوصل إلى «إدارة الزمن».

ويتم التأكيد فيما يخص «إدارة الزمن» هذه على ضرورة «ضبط إيقاع مسيرة التقدم، ذلك أن «كل اقتصاد هو نتاج للمجتمع الذي يتجذر فيه وهو تابع لمؤسساته الرئيسية». ثم إن أي اقتصاد متقدم يحتاج إلى مجتمع متقدم. لكن بكل الحالات «من الصعب جر الفيلة» التي تمثلها الاقتصادات القديمة.

في الفصل الأخير من الكتاب يتساءل المؤلفان عما إذا كانت الصين سوف تشكّل المفاجأة القادمة؟ هنا تتمّ الإشارة إلى أن آسيا عرفت وجود ستة من أصل الاقتصادات العشرة التي عرفت أكبر سرعة خلال العقد الماضي، وخمسة من أصل الشركاء العشرة للولايات المتحدة، هذا فضلا عن أنها تضم أكبر عدد من المسلمين وأكبر عدد من الأسلحة النووية أيضا.

وفي المحصلة تحاول آسيا، خاصة الصين، «تسريع التسارع» من أجل اللحاق بالغرب. أما عن الولايات المتحدة فتدل المؤشرات المقدّمة على أنها لن تحتفظ بدور رائد في ثورة الثروة العالمية. ولا بدورها كقوة عالمية ولن تقضي على الفقر إذا لم تغيّر منظومتها التربوية.

وملامح عالم الغد، كما يتم رسمه، تقوم على مبدأ السرعة وسيادة النزعات العابرة والتسلية 24 ساعة من 24 ساعة وسبعة أيام كل أسبوع وتلفزة منحدرة ورحلات إلى كوكب الزهرة. باختصار عالم معقد لما بعد الصناعة.

*الكتاب: الثروة الثورية

*الناشر: كورنسي ـ نيويورك 2007

*الصفحات:512 صفحة من القطع المتوسط

Revolutionary wealth

Currency- N.Y. 2007

P.512