رومان رولان كاتب روائي ومسرحي فرنسي فاز بجائزة نوبل للآداب عام 1915 بعد مضي 13 عاما فقط من نشره لأول كتاب له حينما كان في السادسة والثلاثين من عمره، وذلك لإسهامه العميق في واقعية الأدب وتعاطفه وحبه للحقيقة التي جسدها في مختلف أوجهها عبر شخصيات أعماله.

ولد رومان رولان في 29 يناير عام 1866 في كلاميس في كنف عائلة من رجال القانون، وبالتالي محاطا بأناس من مختلف طبقات المجتمع. وكتب عن الناس المتفردين عبر التاريخ الفني وكان يرى نفسه كممثل لتلك الكائنات التاريخية الذين كان يستدعيهم عبر قصصه مثل (كولاس بروغنون) التي نشرت عام 1919.

درس في البداية الفلسفة، لكن روحه الحرة وفكره المستقل دفعاه إلى دراسة التاريخ. وفي عام 1889 عاش في روما لمدة عامين حيث التقى هناك بنيتشه وواغنر، ثم حصل على الدكتوراه عن دراسته لتاريخ الأوبرا قبل ظهور لولي وسكارلاني عام 1895، ثم بدأ بدراسة سيرة وحياة أعلام الموسيقى حيث نشر كتابا عن حياة بيتهوفن عام 1903.

كما ساهم رولان في انتقال المسرح من النخبة إلى العامة من خلال مقالاته العديدة حيث نشرها في كتابه «مسرح الشعب» عام 1913، وترجم فكرته على الواقع من خلال مسرحياته وأهمها «دانتون» عام 1900 و(14 يوليو) عام 1902 اللتين حققتا نجاحا واسعا. وأثمرت جهوده عن افتتاح عدة مسارح للعامة في عدد من البلدان الأوروبية مثل فرنسا وألمانيا.

عمل بعد إنهاء دراسته كمدرس لتاريخ الموسيقى في عدد من الجامعات أبرزها السوربون، وتفرغ للكتابة منذ عام 1912. وهو من الرواد الذين كانوا يناهضون الحروب ويدعون إلى السلام، كما ربطته صداقة بزعيم الهند غاندي الذي نشر عنه كتابا عام 1924 والتقى به عام 1931.

كانت حياته حافلة بالمرض والسفر والمعارض، وحينما احتل الألمان بلدته فيزيليه التي كان يعيش فيها عام 1940 عاش في عزلة مطلقة طيلة فترة الاحتلال، ولم يتوقف خلالها عن الكتابة، وآخر عمل له الذي نشر بعد وفاته هو (بيغوي) ويتمعن فيه في الدين والاشتراكية عبر ذكرياته.

ولم يتوقف أبدا عن مهاجمة الفاشية والنازية وناضل حتى النهاية لأجل العدالة الاجتماعية والإنسانية، وكان يرى بأن الفن جزء من الصراع الوجودي للمساهمة في تنوير الناس. وتوفي جان في بلدته في 30 ديسمبر عام 1944،

وكان مخلصا في مسيرة حياته لفنه أسوة ببطل روايته «جان كريستوف» التي مهدت له الفوز بجائزة نوبل والتي كتبها خلال الفترة من 1904 إلى 1912 إلى جانب العديد من الأعمال الأدبية التي شملت سيرا ذاتية لعدد من رواد الفن والتاريخ.

وروايته «جان كريستوف» التي تقع في 2000 صفحة، تتناول مغامرات وتحولات روح فنان موسيقي عبقري لم يقبل المساومة على الحقيقة طيلة حياته.

تبدأ الرواية بتصوير طفولة جان الذي كان يعيش مع والده ميلشيور الموسيقي الثمل على الدوام ووالدته الإنسانة البسيطة الصبورة التي كانت تربطها صلة وثيقة بجد ابنها جان ميشيل الملحن الشهير الذي كان يمد أسرتها بين الحين والآخر بالمال لتأمين قوت العائلة.

وفي أحد الأيام يسمع ميلشيور ابنه البالغ من العمر ثلاث سنوات يلعب على البيانو. وفي غمرة حماسة سكره يقرر أن يصنع من طفله أسطورة موسيقية. وهكذا بدأت دروس جان الصارمة، مما كان يدفعه أحيانا إلى التمرد. وعلى الرغم من ضربات السوط كان البيانو يشده إليه دوما.

كما لاحظ الجد نبوغ الطفل حينما كان يستمع إليه وهو يدمدم بألحان متميزة خلال استغراقه بألعابه، فما كان منه إلا أن يدونها كنوتات موسيقية، ومع مضي الزمن بات على يقين من عبقرية حفيده في التلحين.

وحينما بلغ جان عامه السابع كان مهيئا للمشاركة في أول حفل موسيقي له مع الصغار. وبعد عزفه لبعض مقطوعات الرواد الألمان، عزف ألحانه الخاصة، مما أثار إعجاب الدوق الكبير الذي جعله في رعاية بلاطه.

وقبل وصوله سن المراهقة بات عازف الكمان الثاني الرسمي في أوركسترا البلاط والمعيل الأوحد لأسرته. كانت حياته آنذاك محصورة بين تدريباته وإعطائه للدروس من دون أي هامش للحياة الاجتماعية بما فيها تعلم سلوك وآداب المجتمع الذي عاش فيه.بعد انتحار والده ووفاة جده، تشتت العائلة وعاش مع والدته حياة متواضعة.

وخلال تلك الفترة مر بعدة تجارب عاطفية باءت جميعها بالفشل لصدقه المطلق وجهله بالبروتوكولات الاجتماعية. وحينما بدأ بنقد أعمال الموسيقيين الكبار تم طرده من البلاط. وبسبب دفاعه عن إحدى الفتيات الريفيات قتل شرطيا مما دفعه إلى الهرب من بلده ألمانيا إلى باريس.

وهناك وجد صعوبة في التأقلم مع مجتمع الأثرياء من كافة الجنسيات وإن احتفوا به. وفي بيت أسرة ستيفنس أعطى دروسا إلى الابنة كوليت المتكبرة وابنة عمها غرازيا التي أحبته بصمت سيما وأنه أغرم بكوليت. وفي النهاية استطاع أن يبني صداقة مع الشاب الخجول المعجب بموسيقاه أوليفييه الذي التقى بأخته أنطوانيت فيما مضى والتي أفنت حياتها لتعليم أخيها.

ومن خلال صديقه تعرف على الحياة الحقيقية لباريس عبر لقائه بناسها العاديين. وقد ساهمت كتابات أوليفييه عنه في الصحف في تأسيس شهرته. بعد ذلك تبنى شخص مجهول رعاية حياة جان الفنية وبات خلال سنوات معدودة من أشهر الموسيقيين في فرنسا وخارجها بعد زواج أوليفييه تباعد الاثنان، وبات لجان العديد من الأصدقاء

كما اكتشف بأن المحسن إليه لم يكن سوى غرازيا التي تعيش في النمسا مع زوجها الدبلوماسي. وعندما افترق أوليفييه عن زوجته عادت صداقتهما. وبعد مشاركة الاثنين في أحد الحركات الثورية جرح على أثرها أوليفييه هرب جان إلى سويسرا.

وفي منفاه عاش علاقة حب يائسة مع زوجة صديقه، وبسبب عبء إحساسه بالذنب خمدت عبقريته حتى التقى بغرازيا الأرملة التي ساعدته في العودة إلى فنه. وعلى الرغم من أن الاثنين لم يتزوجا إلا أن رباط الصداقة كان بينهما عميقا حتى النهاية حيث توفيت غرازيا في مصر.

rmaleh57@hotmail.com