في عددها الخامس لشهري سبتمبر وأكتوبر نشرت مجلة «القافلة» التي تصدر عن شركة آرامكو السعودية للزيوت تحقيقاً عن المقاهي الثقافية، المقاهي التي قتلتها الصحافة نبشاً وبحثاً وتنقيباً ولم تترك لقائل قولاً إلا وذهبت فيه تحليلاً ومغزى، فما هو الجديد عن المقهى الثقافي ولماذا يثير كل هذا الحنين في النفس ولكأن المرء فقد عزيزاً على قلبه؟
هذا بيت القصيد، لقد مات المقهى الثقافي وتحول إلى «كوفي شوب» بالمفهوم الأميركي للعبارة، حيث يتكوم رهط من محبي كرة القدم أمام شاشة كبيرة في المقهى أو يتربعون فوق الأرائك وهم يحتسون الكابتشينو والهوت شوكليت.
ومع هذا التحول نأى المثقف بنفسه بعيداً عن المكان ضارباً في مشارق المقاهي ومغاربها عله يستعيد عشه الذهبي الذي كان مصدر إلهامه وتواصله، ودار نشره، ومركز التقائه بالأصحاب والأغراب وغيرهم.
ما يثير الشجن في حديث المقهى الثقافي ليس المكان بطاولاته وجدرانه، أو بمشروباته الساخنة ذات المذاق الخاص وليس بموقعه على زاوية شارع رئيس في مدن معينة، ولا بكل تلك الضجة التي تصدرها الملاعق والأقداح والفناجين،
إن الشجن متصل بما يحمله المكان من ذكريات، حيث كان محطة لمعظم الأدباء يتوقفون فيها ذات وقت قبل عبورهم إلى ضفاف الشهرة، أو إلى عالم النسيان والانشغال، كان المقهى مصدر المعرفة، وكانت الطاولات جامعات مفتوحة على ثقافات العالم.
كلما طالعت موضوعاً عن المقهى، شدني الحنين إلى مقهى القصر في حلب، ذلك المكان الذي فُتنت بطاولاته الكلاسيكية وكراسيه المنخفضة وقهوته الإكسبريسو التي يقدمها لك أبو الخير أو نمر وهما نادلان ينتميان إلى عصر النبالة، بسترة بيضاء وربطة عنق سوداء لا تفارق موضعها يوماً،
يحملان إلى الزبائن كل باسمه أخباراً تخصه، فلم يكن دورهما يتوقف عند توزيع الإكسبريسو، بل كانا مرجعاً موثوقاً وأميناً للرواد يتوصلون من خلالهما بالغائبين والعائدين ويضربون المواعيد ليلتقوا.. أيامها لم يكن الهاتف متاحاً ولم يكن الأثير مباحاً.
في بعض المدن العريقة، هناك مقاه خجولة تتحول إلى كوفي شوب عصري، ولكن بين التحول والثبات مسافة زمنية تحتاج إلى مزيد من الوقت لتنقطع صلتها بالماضي، وهو حقا ما يثير القلق، فالمسافة ليست في موت المقهى، بل بالثقافة التي تذبل ثم تذبل.. حتى تموت، عندها لا ينفع سوى التنهد كلما شاهد المرء موضوعاً عن المقاهي الثقافية، تنهد فيه حنين وذكريات وقلق وكثير من الخوف على نقاوة الحياة.