تعد مجموعة «كما لو كنت ستفهم على أي حال «هي مجموعة القصص الأولى التي يقدمها القاص والروائي الأميركي جيم شيبارد منذ عقد بكامله من الزمان. وتنطلق كل قصة من القصص الإحدى عشر التي تضمها المجموعة من خلفية كارثية،

مثل الليلة التي وقعت فيها كارثة مفاعل تشرنوبل، معركة اغريقية قديمة، مخيم فتى في مقتبل العمر، عصر الإرهاب في باريس حيث تتوالى عمليات الإعدام بالمقصلة، في سهولة التنفس، حتى ليساور المرء شعور كما لو كان يجلس في غرفة طوارئ في أحد المستشفيات في ساعة مبكرة من يوم السبت.

يبدو واضحاً من خلال قصص المجموعة أن شيبارد يميل إلى ما هو غريب وغير مألوف، وتتراوح القصص بين انتقالات مدهشة في الزمان والمكان، وتضفي الأبحاث التي يجريها المؤلف قبل كتابة كل قصة طابعاً قوياً يوحي بتمكن شيبارد من كل التفاصيل المتعلقة بكل قصة.

على سبيل المثال، في القصة التي تدور أحداثها حول كارثة تشرنوبل نراه يحشد الحقائق المتوهجة والمتدفقة بالحيوية دقيقة بعد أخرى ليقترب بنا ومعنا إلى أبعد الحدود من العاملين في المفاعل.

والأمر نفسه نراه في القصة التي تقع أحداثها في الصحراء الاسترالية، لكننا لن يغيب عن أعيننا أن شيبارد يميل إلى مراكمة هذه الحقائق، كأنما هو يعجز عن مقاومة هذا الاتجاه التراكمي، فهو ليس بالكاتب الذي يترك الكثير لخيال القارئ.

وعلى سبيل المثال، في القصة التي تدور أحداثها خلال سباق الفضاء بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، فإنه لا يبدو أمراً كافياً بالنسبة للمؤلف أن يذكر أن كلبين قد احترقا على متن مركبة الفضاء «سبوتنيك 3»، وإنما هو يضيف كيف انطلق الكلبان يعبران عن ألمهما.

هكذا فإن الشخوص في قصص هذه المجموعة لا يبدو في الأفق أمامها احتمال للخلاص، ومع ذلك فإنها تواصل مسيرتها الشاقة. وفي كل قصة على وجه التقريب فإننا نجد أنفسنا في مواجهة ألم الأب والابن، ألم الأخ وأخيه. وفي قصة «سور هادريان» نلتقي بجندي روماني حزين يحاول أن ينهض ويرتقي إلى مستوى توقعات أبيه،

وهذا الجندي، وهو راوية القصة، يقف في نوبة حراسة في الظلام، ويتأمل في الكيفية التي حققت بها الإمبراطورية هيمنتها. وهكذا نسمعه يقول: «اعتاد الأسبان غزو الغال، ودرج الغال على غزو التونجريين.. تلك كانت عبقرية روما طوال الوقت، أن تجعل الأخ ينقلب على أخيه والأب يعادي ابنه. ما الذي يمكن أن يكون أسهل من هذا؟».

ونلاحظ أن الراوية، في كل القصص ما عدا القصة التي تدور أحداثها في الفضاء هو رجل. وجنون الاضطهاد يسري عميقاً في حياة هؤلاء الرجال، وسرعان ما نكتشف أن لديهم شيئاً يخافونه في نهاية المطاف.

وعلى الرغم من هذا فإن شيبارد لا يبدو لنا كاتبا تخلو قصصه من لمحات المرح. وعلى سبيل المثال، ما علينا إلا أن نلقي نظره على قصة «الرحلة الأولى لجنوب وسط استراليا» لكي نكتشف أن قائد الرحلة هو مهرج في القالب التقليدي لهذه الشخصية، حيث يمضي بسفينة صيد حيتان عبر أميال من الصحراء القاحلة، متيقناً أنه سيكتشف محيطاً بعيد التل الرملي المقبل.

ومن أكثر هؤلاء الرواة إثارة للدهشة عالم الأنثروبولوجيا في قصة «ميراث الأسلاف»، الذي كلفه هتلر باكتشاف الدليل على أن القوقازيين كانوا يسكنون التبت ذات يوم، وعلى الرغم من أن الهر شافير يومئ من طرف خفي إلى عبثية هذا المشروع، إلا أنه ينظر إلى الرايخ باعتباره يقدم «عصراً ذهبيا لدارسي الانثروبولوجيا» ويقر بأنه «هناك تمويل أضخم من أن يتم تجاهله».

وفي قصة «سان فارين»، نجد أنفسنا أمام جلاد خلال الثورة الفرنسية، وهو رجل حسن النية، يجيد العزف على التشيلو، وهو زوج مخلص لزوجته، ولكنه يقضى عليه، أولا بفعل القدر، وثانيا بفعل إحجامه عن التحرك في ظروف تحتم التحرك سريعاً.

وفي الفقرة الأخيرة من هذه القصة، الجديرة بالقراءة مرات عدة، نجد أن هذا الجلاد وبعد أن أطاح بالمئات من الرؤوس باستخدام المقصلة قد أصبح هو نفسه «رأساً بلا بدن»، ومن ثم يمضي في سرد حكايته بلا انفعال.

ومن المهم هنا التوقف عند عدة ملاحظات، هي بمثابة اضاءات مهمة على طريق قراءة هذه القصص واستيعابها، فكل القصص بلا استثناء تروى بضمير المتكلم، ولكن لا ينبغي الاكتفاء بتمكن شيبارد من الانطلاق في إبداعه عبر هذا الضمير، فالمؤلف لا يكمن في هذا الضمير، وإنما هو يكمن في قلب العالم الذي يستحضره عبره.

الأمر ذاته ينطبق على النثر الذي يقدم شيبارد لنا عمله من خلاله، على نحو ما نجد في القصة التي تتحدث عن المخيم الصيفي، فهذه البراعة النثرية توضع في المقام الأول في خدمة سرد القصة، ولا تقدم على سبيل الاستعراض. وشيبارد كاتب مؤثر حقاً في نفوس قرائه، ولكن الكثير من القراء سينشغلون عن التأثر بمتابعة الصفحات بسرعة لاهثة وصولاً إلى الصفحة الأخيرة، بل إلى السطر الأخير.

وهناك بالطبع عيوب في مثل هذا العمل، ومنها حشد كل هذه العوالم بين دفتي الكتاب، وعدم الربط بين الموضوعات الكثيرة في المجموعة، وهناك أيضاً التركيز المكثف على العداء بين الأخوة بينما المجموعة مهداة إلى شقيق شيبارد، وهو أمر يشبه إهداء «هاملت» إلى العم كلوديوس.

ولكن، مع ذلك، تظل هذه المجموعة عملاً فريداً، وجديراً بالقراءة على مهل، ويظل من المهم أن يلتفت القراء، وربما مؤلفو القصص العرب أيضاً، إلى الكيفية التي يخدم فيها البحث المكثف الإبداع الأدبي إلى أبعد الحدود، على نحو ما نجد على امتداد قصص هذه المجموعة.

في خليج ليتويا

«عندما كنت في الثانية من عمري، خلصت أمي إلى أنها قد ضاقت ذرعاً بأبي، وسعت إلى صديقة لها من أيام الدراسة الثانوية، والتي كانت قد أوغلت كثيراً في الترحال إلى حد أنها التحقت بوظيفة مدرسة في إحدى مدارس اللغات في هاواي.

وكانت هذه المدرسة في بلدة صغيرة تدعى بيبيكيو. وقد أبلغتني بهذا كله في وقت لاحق خالتي الأكبر سناً من أمي. وانتقلت أنا وأمي للسكن مع الصديقة، التي كانت تقيم في كوخ صغير على الشاطئ الشمالي للجزيرة قرب المنشرة القديمة، منشرة بيبيكيو. وكنا على بعد حوالي اثنى عشر ميلاً إلى الشمال من هيلو. وكان ذلك في عام 1960.

كان اسم الصديقة تشك. وكان اسمها الحقيقي شارلوت، ولكن الجميع فيما يبدو كان يناديها بتشك. وكانت لدى خالتي صورة أطلعتني عليها أبدو فيها وسط اللهو على الرمال وفي الخلفية بعض حواجز الأمواج. وكنت أرتدي شيئاً يشبة الأوفرول بالمقلوب. وعكفت تشك على احتساء الجعة من علبة».

*الكتاب: كما لو كنت ستفهم على أي حال

*الناشر: الفريد نوف - نيويورك 2007

*الصفحات: 211 صفحة من القطع المتوسط

Like You'd Understand, Anyway

Alfred Knoph- N. Y. 2007

P.211