عاد الروائي والقاص الأميركي جيم شيبارد من جديد لاستقطاب الاهتمام والأضواء مع صدور مجموعته القصصية الجديدة بعنوان «كما لو كنت ستفهم على أي حال». وبهذه المناسبة أجرى معه موقع «بورزوي ريدر» الالكتروني المتخصص هذا الحوار الذي ألقى فيه الضوء على النبع الذي يستهل منه قصصه.

وأوضح طبيعة العناصر والموضوعات والمؤثرات التي تدخل في نسيج هذه القصص كما تناول طبيعة تأثير السينما على أعماله، وشدَّد على أن شخصياته تبدأ في العالم الواقعي ثم تجد نفسها في قلب مواقف متطرفة إلى أبعد الحدود،

وكشف الأسرار الكامنة وراء القائمة الطويلة من الكتب والمقالات التي أورد في صدر مجموعته أسماء مؤلفيها، معرباً عن شكره لهم، حيث أعرب عن اعتقاده بأنه ربما من دون هذه القائمة الطويلة من القراءات ما كان يمكن لقصصه أن ترى النور في المقام الأول. وفيما يلي نص الحوار:

* كيف يصل المرء إلى تأليف مجموعة قصصية؟

ـ حسناً، إنها تتراكم بمرور الوقت، وإليك صورة أقدمها، على سبيل المثال، للكيفية التي وصلت بها إلي كتابة قصة من القصص الإحدى عشرة التي تضمها مجموعتي الجديدة. فهناك افتناني بالثورة الفرنسية وبشكل أكثر تحديد بمرحلة حكم الإرهاب في مسيرتها، وهو الافتنان الذي بدأ بمشاهدتي لفيلم «حكاية مدينتين» في الصياغة التي قدمتها استوديوهات مترو جولدوين ماير،

أو على نحو أكثر احتمالاً بكتاب «في عهد الإرهاب» الصادر ضمن سلسلة الكتب المصورة الشهيرة، ولكنني لم يخطر ببالي قط أن أكتب عن ذلك الافتتان. ولكن ذات يوم وخلال تقليبي للكتب في إحدى مكتبات الكتب المستعملة صادفت كتاب «ميراث الموت» من تأليف بربارة ليفي والذي يحمل العنوان الفرعي «القصة المميزة لعائلة سانسون التي عملت كجلادي فرنسا على امتداد سبعة أجيال».

وقد خاطب هذا الكتاب الفتى ذي الاثنى عشر عاماً الكامن في أعماقي، حيث كانت هناك عائلة أرغب في معرفة المزيد عنها. وتبين أن من بين أبناء أحد هذه الأجيال السبعة رجل احتل المكانة المحورية، وهو رجل بدت حياته

ومهنته مذهلتين للغاية بالنسبة لي بحيث وجدت نفسي أرغب بشدة في محاولة تخيلهما بشكل أكثر اكتمالاً، على الرغم من الصعوبات الجلية التي يكتنفها القيام بذلك. وأعقبت ذلك شهور من الأبحاث المكثفة، وكانت النتيجة هي قصة «سان فارين».

*ترتبط بذلك قائمة المؤلفين للكتب والمقالات الذين وجهت لهم الشكر باعتبار أن أعمالهم ساهمت في انجاز مجموعتك. هل تقرأ دائماً كثيراً على هذا النحو قبل الكتابة؟

ـ في العديد من الحالات ما كانت قصصي لترى النور في المقام الأول من دون بعض هذه الكتب والمقالات. وأنا أقرأ الكثير، وابتداء قد يكون ذلك لأن شيئاً ما قد اجتذبني. وفي غمار القراءة فإنني أحاول أن تكون هذه القراءة بشكل استقبالي، بمعنى أنني أحاول أن أكون متيقظاً للتحركات الصغيرة والمهمة للمؤثرات أو لنوعية من الشحنة الموجودة بداخلي.

* في هذه المجموعة الجديدة هناك الكثير من القصص أو الموضوعات داخل القصص التي تتناول العلاقة بين الأخوة أو الصداقة أو الولاء بين الرجال، فهل هذا شيء أردت استكشاف آفاقه بشكل خاص وهل له ارتباطات بحياتك أو صلتك بأخيك؟

ـ أعتقد أن هناك علاقة أخوية مفيدة بصورة مكثفة بالنسبة لي نظراً للطريقة التي تفرض بها الكثير من التشديد على إحساسنا بما يعنيه أن نحب أحداً بلا شروط. وقد كنت أنا وأخي الذي يكبرني بخمس سنوات على الدوام قريبين ومنفصلين،

وقد كان ذلك مصدراً كبيراً للتعقيد والزخم الانفعاليين في حياتي النفسية. ومن الصدمات الكبرى في حياة عائلتي دخول أخي لمستشفى للأمراض النفسية والعصبية عندما كان في السادسة عشرة من عمره. وقد كان ذلك حدثاً بلور بالنسبة لي أشكالاً محددة لأنواع من القضايا ـ إلى أي حد يمكن للمرء أن يقدم المساعدة؟ ما الذي يشكل المساعدة؟ ـ التي تدور حول العلاقات العائلية الأكثر أهمية.

* يبدو أن موضوعاً آخر من موضوعاتك يدور حول المغامرة أو حماقة المغامرة نحو ما نجد في قصة «سور هادريان» و«الرحلة الأولى لجنوب وسط استراليا» و«ميراث الأسلاف». فهل هذه شهوة الترحال أم شيء آخر تهتم به عندما تنطلق في هذه الرحلات؟

ـ إنها ليست شهوة الترحال بقدر ما يعد بالنسبة لي المزاوجة التي لا تتجزأ للعواطف المتناقضة. وأنا أجد أن تلك النوعية من الجهد مثيرة للإعجاب ومؤثرة وكذلك سخيفة وأنانية.

* لديك مقدرة مدهشة على الدخول إلى رؤوس شخصياتك التي تحس دوماً بالعذاب وبعدم الثقة في نفسها ولكنها مراقبون أذكياء ومسلون لما يدور حولهم بحيث أن القارئ يحس بقدر كبير من التوحد معهم حتى وهو يضحك على ما يصادفونه من سوء الحظ. هل هذه النوعية من الرواة المتحدثين بضمير المتكلم هو شيء تسعى إليه لسبب محدد؟

ـ الأمر كذلك إلى حد كبير، فيما أعتقد، فأنا أجتذب إلى ذلك الموقف الذي نحرز فيه معرفة أفضل ومع ذلك نفشل في تحقيق أفضل معنى لذواتنا أو المعنى الذي نفضله لها. إنني أهتم بتلك النوعية من الشخصيات التي يبرع روبرت ستون في كتابتها، الأبطال الأذكياء للغاية ومع ذلك يفشلون بطريقة مدوية.

* إلى أي حد شكلت السينما مؤثراً محورياً بالنسبة لأعمالك؟

ـ غالباً ما تبدأ شخصياتي في العالم الواقعي، ثم تجد نفسها وسط المواقف الأكثر تطرفاً، مواقف نفسية، تشبه الحلم، ومفزعة. وشأن الكثيرين من أبناء جيلي فقد نشأت على مشاهدة الأفلام، وكان للنموذج الشكلي للفيلم الرائج تأثير أساسي على الكيفية التي أبني بها العمل السردي،

وهذا التأثير لا يزال موجوداً، بالطبع، فهناك أشكال عديدة للطرق التي تظهر بها الأفلام مباشرة أو على نحو غير مباشر في قصصي ورواياتي. وإلى جوار روايتي الخامسة «نوسفيراتو» فإنني أتذكر تصور نهاية روايتي الثانية «الدمية الورقية» من خلال معايير سينمائية، ما الذي ستراه في ذلك الموضوع؟ أين ستوضع الكاميرا لتصوير هذا؟

* إنك تقوم بتدريس الكتابة والسينما وتحظى بشعبية كبيرة في غمار قيامك بهذا في وليامز كوليج. فهل تدريس الكتابة يلهمك أو يشكل تحديا بالنسبة لك على الإطلاق فيما يتعلق بكتاباتك؟

ـ التدريس ليس مجرد طريقة للحصول على ساعات عمل مرنة وفوائد جيدة، حسبما تبين لي. فتدريس أعمال أخرى، وبصفة خاصة الأعمال التي أحببتها دوما يعد طريقة رائعة لتحقيق الانضباط الذهني. ونحن نقول لطلابنا دوماً إننا نتعلم كيفية مراجعة أعمالنا بتحليل الكيفية التي قام بها الآخرون ببناء هيكل أعمالهم. وهذا ينطبق على القائمين بالتدريس كذلك.

* ما هو عملك المقبل الذي تعكف الآن على إنجازه؟

ـ كانت لديَّ على الدوام كومة من الكتب أو القصاصات الغريبة الموضوعة على مكتبي والتي اعتزم قراءتها. وكما سألني أمين مكتبة يشعر بالدهشة حيال قائمة الكتب التي أطلبها بعد أن قام بفحص كومة أخرى من الكتب التي تدور حول موضوع مختلف تماماً عن الموضوع السابق الذي كنت أهتم به: «هل يمكنني أن أسألك سؤالاً؟ ما الذي تقوم به؟» وقد كان حرياً بي أن أرد عليه قائلاً: «إنني ألهو، وغالباً ما أجد الدنيا تدفع لي أجراً لقاء ذلك».

محطات في مسيرة شيبارد

*ولد الروائي والقاص الأميركي جيم شيبارد في بريدجبورت في عام 1956، وتلقى تعليمه في ترينتي كوليج في هارتفورد، وعمل بتدريس الكتابة الإبداعية في العديد من الجامعات الأميركية ومنها جامعة ميتشيغان وجامعة وليامسون.

* أصدر ست روايات، أبرزها «المشروع اكس» ومجموعتين قصصيتين، أبرزهما هي «الحب والهيدروجين» وأصدر مؤخراً مجموعته الثالثة «كما لو كنت ستفهم على أي حال».

* نال العديد من الجوائز، التي كانت أشهرها جائزة ترانس أتلانتك ريفيو في عام 1979 وجائزة مكتبة الكونغرس في عام 2002 وجائزة رابطة خدمات المكتبات العلمية لليافعين في عام 2004 وجائزة سيمون جوجنهايم التذكارية في عام 2004 كذلك.

منى مدكور