يعرض كتاب (ذاكرة الأمة.. محمود مختار ومتحفه) لتاريخ متحف محمود مختار في مراحله المختلفة والذي يطل على نيل القاهرة مقابل دار الأوبرا المصرية، كما يقدم توصيفاً لأبرز أعماله ذات الصياغة والموضوعات الوطنية والقومية والتاريخية التي استلهمها وعاد بها إلى جذور التاريخ المصري القديم حيث فجر أول حضارة في التاريخ.
مختار كان ينحت الجرانيت والبازلت والرخام وينفذ بعض أعماله بخامة البرونز، وهو ككل فنان راسخ الأسلوب يتنوع تشكيله بتنوع الخامات ويحقق المواءمة معها، حيث تلتقي المعرفة بالحلم والملاحظة بالخيال والقوة مع الرقة والحركة مع الهدوء وتقاليد الفن الموروثة مع صور الحياة المعاصرة.
ومحمود مختار (1891 ـ 1934) لم يعش سوى ثلاثة وأربعين عاما فقط استطاع خلالها أن يكون واحدا من الكبار في الثقافة المصرية، بل إنه انفرد بالريادة الفنية الوطنية في ساحة الفنون التشكيلية، وظل تمثاله نهضة مصر علامة على اسمه وسيرته،
وهو التمثال الذي كتب عنه الشاعر أحمد شوقي قصيدة شهيرة جاء في أحد أبياتها (وأخرجت الأرض مثالها) ويوم إزاحة الستار عن التمثال كان الشعراء والفقهاء والعلماء والساسة والفنانون والأدباء حاضرين هذه المناسبة.
وقد رحل مختار قبل أن ينجز حلمه في إقامة تماثيل لكليوباترا وأحمد عرابي والإسكندر الأكبر، مات بعد أن أصيبت يده وذهب بها إلى عشرات الأطباء لكن المرض لم يمهله ومات في السابعة والعشرين من مارس عام 1934.
ومن المدهش أنه في الفترة من 1923 إلى 1932 أقام مختار معظم تماثيله الصغيرة وابتداع نماذج مصغرة للتماثيل الصرحية التي كان يحلم بإقامتها، تسع سنوات تخللتها فترات توقف وانقطاع بسبب المشكلات التي واجهها أثناء إقامة تمثال نهضة مصر، وهي سنوات الإبداع والتألق التي أنتج خلالها مجموعة تماثيله التي بقيت بعد رحيله.
ويذكر أن تمثال نهضة مصر هو أول تمثال يقام في مصر بعد الفراعنة من حجر الجرانيت، أما تمثال الخماسين فهو أول عمل يستخدم منجزات المذهب التجريدي ويحتفظ في الوقت نفسه بموضوعيته، فمختار أول من أعاد الحياة إلى فن النحت المصري بعد أن توقف لمئات السنين، وهو أول مثال في مصر تقيم تماثيله في الميادين العامة،
وهو حتى الآن المثال الوحيد الذي أقيم لتماثيله متحف خاص هو متحف مختار في حديقة الحرية بأرض الجزيرة بالقاهرة. والكتاب الذي صدر باللغتين العربية والإنجليزية حيث ترجمه رمضان عبد القادر من تأليف الناقد التشكيلي د. صبحي الشاروني، وضم مفتتحه كلمات للدكتور طه حسين ود. أحمد نوار رئيس هيئة قصور الثقافة ومحسن شعلان رئيس قطاع الفنون الجميلة في وزارة الثقافة المصرية.
ود.صبحي الشاروني ناقد فني كبير له رصيد كبير في المكتبة العربية في مجال النقد الفني وتاريخ الفنون وهو صاحب الباب الأسبوعي «ألوان وتماثيل » الذي يظهر أسبوعيا يوم الثلاثاء بجريدة المساء، ليساهم بقوة في توجيه الحركة الفنية في مصر،
وقد نسجت دراساته القيمة على منوال الرؤى النقدية والأسلوبية والبحوث الميدانية إضافة إلى المراجع النظرية، من كتبه (عبد الهادي الجزار - فنان الأساطير وعالم الفضاء)، (الفنان صلاح عبد الكريم)، (أحلى الكلام)، (الفنون التشكيلية)، (الفن التأثري)،
(الإخوان سيف وأدهم وانلي بالاشتراك مع كمال الملاخ)، (77 عاما مع الفنون الجميلة في مصر) (هؤلاء الفنانون العظماء ولوحاتهم الرائعة ـ 80 سنة من الفن بالاشتراك مع رشدي اسكندر وكمال الملاخ)، (المثقف المتمرد رمسيس يونان) ،(فن النحت في مصر القديمة وبلاد ما بين النهرين) وغيرها.
وقد جرى تتويج جهده النقدي في ساحة الفنون التشكيلية بمصر لمدة تزيد على ربع قرن بحصوله على جائزة الدولة التشجيعية في الفنون التشكيلية.. جاء في كلمة د.طه حسين المأخوذة من مقال له بعنوان مختار والعميد كتبه قبل وفاة مختار ونشره بالفرنسية أن مختار كان ظاهرة فذة وكان حدثا معجزا أثار إعجابنا دون أن ندرك له تفسيرا وكانت هذه الفجاءة وتلك الدهشة التي صاحبت ظهوره هي التي جعلتنا نسميه النابغة.
أما د. أحمد نوار فقد قال إن مختار ربط شرايين حياتنا المعاصرة بشرايين الأرض في الريف أولا ثم المدينة فقد عاش في شرايين القرية المصرية منذ طفولته، نشأ في قريتين وفي صباه لحق بأمه في حي شعبي بالقاهرة ولحسن الحظ انه كان قريبا من موقع مدرسة الفنون الجميلة التي كان أول الملتحقين بها.
أما وزير الثقافة الأسبق بدر الدين أبو غازي (وهو ابن أخت محمود مختار)، فكان أول من وضع كتابا عن خاله وقد صدر عام 1948 وهو كتاب رائد في مجاله وقد طبع أكثر من طبعة، ويري فيه أبو غازي أن مختار يجمع في فنه نوعين من بلاغة اللغة التشكيلية: بلاغة الجمال الهندي وبلاغة الأشكال الطبيعية العضوية،
ومن مزجهما معا تخرج نماذجه.. مؤكدا أن أصالة فن مختار جاءت من منابع ثلاثة: التراث والبيئة والعصر، أخذ من التراث التوازن والهدوء والوقار والجلال ومثالية التعبير.وأنه يمثل نقطة البداية للنحت المصري الحديث.
وقد قسم الشاروني كتابه هذا إلى قسمين الأول يرصد لرحلة الفنان الكبير ورؤيته الخاصة لمجمل أعماله، أما القسم الثاني فقد خصصه لمتحفه الذي يضم 79 تمثالا و8 لوحات من النحت البارز و3 نماذج مجسمة، فضلا عن أعماله العظيمة في ميادين القاهرة والإسكندرية.
يقول الشاروني: لقد اعتنى مختار عناية خاصة بصياغة الكتلة متبعا الأسلوب البنائي والصفات المعمارية، وهذا يحفظ لتماثيله مهما صغرت كل خصائص النحت الكبير دون إغراب أو افتعال، وحين نحت تماثيله الصغيرة الشهيرة للفلاحات،
نحتها مفعمة بالقوة والحيوية والخصوبة والأنوثة، ليست أنوثة الجواري لكنها أنوثة شجاعة معتزة بنفسها، وفي تمثاله «بنت الشلال» المسبوك بالبرونز يعبر عن الطلعة التي لوحتها شمس الحقول شمس الحقول مع تقطيبة تقي العينين الضوء الساطع ولا تخفي الجمال الجاد المشع من تحت عصابة الرأس.
ويضيف: كان لمختار إضافته الأصيلة والواضحة في تاريخ الفن، فقد احتل مكانة محددة لها أبعادها العميقة في تاريخ النحت، عندما نجح فيما فشلت فيه حقبة حضارية بأكملها هي حقبة البطالسة والرومان لمصر فيما بين غزو الاسكندر الأكبر ودخول العرب مصر،
فعندما أخضع الاسكندر الأكبر مصر تدهور فن النحت بسبب الصراع والتنافر بين القيم الجمالية الفرعونية وهي تراث مصر الأصيل في فن النحت من جانب، والقيم الجمالية الهلينستية من جانب آخر، وشهدت البلاد حقبة حضارية فنها النحتي متواضع القيمة عموما لأنه جمع بين قواعد محفوظة في كلتا الحضارتين دون أن تمتزج في كيان شكلي متكامل،
لكن مختار استطاع أن يوجد الصيغة الملائمة في عصرنا لتزاوج هذين التراثين العالميين، عندما جمع بأسلوب أصيل بين مقاييس الجمال الفرنسية في الفن المحافظ أي الذي يستمد جذوره من التراث الإغريقي والروماني والطابع المصري والمذاق المحلي النابع من التراث الفرعوني العظيم.
ويرى الشارونى أن مختار تمثل عصره بتطلعه وإشراقه ولاح في تماثيله الأمل والإصرار والكبرياء لصورة العصر... وتعتبر حياة مختار نموذجا في الكفاح له دلالات عميقة فهو أحد القلائل الذين حققوا لبلده ذاتية قومية وردوا إليه الثقة بنفسه
فكان أثره في مجال الفنون كأثر الشيخ محمد عبده في مجال الإصلاح الاجتماعي وأثر سعد زغلول في مجال الزعامة السياسية وأثر طلعت حرب في مجال الاقتصاد وأثر الدكتور طه حسين في المجال الفكري والفلسفي.
وأضاف لقد حظي مختار باحترام الشعب المصري إذ كان الفنان الوحيد الذي استقبلته مظاهرات الترحيب والاحتفاء في مدينة الاسكندرية الساحلية عند عودته إلى مصر ليقيم تمثال «نهضة مصر» تخليدا للثورة الشعبية بعد أن كانت تماثيل الميادين لا تصور سوى الملوك والقادة
وتبرع البسطاء المصريون لتغطية نفقات هذا التمثال الذي جسد أشواقهم إلى النهوض متلخصا في شعار من أربع كلمات الاستقلال والحرية والعدالة والدستور بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى.
ويشير الشاروني إلى أن مختار يعد أول طالب يتقدم إلى مدرسة الفنون الجملية التي تأسست عام 1908 بالقاهرة وبسبب تفوقه سافر إلى باريس عام 1911 والتحق بمدرسة الفنون الجميلة مع أكثر من مئة طالب فرنسي وأجنبي وجاء ترتيبه الأول.
وقال: لقد صنع في فرنسا تماثيل لبعض القادة الأوروبيين والأميركيين وتمثالا لأنا بافلوفا «أعظم راقصة باليه في مطلع القرن العشرين... وتمثالا لأم كلثوم وقد تحمس لها فصورها في تمثال يفيض بالرقة والشجن والجمال
ثم أقام لها تمثالا آخر عرضه في باريس عام 1925 بينما كانت أم كلثوم في مطلع حياتها الفنية» وفاز عنه بجائزة معرض صالون باريس في العام نفسه حيث كان أول مثال عربي يقيم معرضا شخصيا لأعماله التي انطلق بها فن النحت الحديث في البلاد.
كما أنه كان أول فنان مصري يكسب جائزة من صالون باريس متفوقا على فنانيها فقد نال الميدالية الذهبية لمعرض الفنانين الفرنسيين السنوي الذي يقام في السراي الكبير «جراند بالبيه» عن نموذجه المصغر لتمثال نهضة مصر الذي كانت فكرته الأولى امرأة جميلة تشبه جان دارك تمسك سيفا
«كما لو كانت ترد به الإنجليز المحتلين «لكنه» نظر إلى تمثاله الذي أعجب به أساتذته الفرنسيون وأحس أنه تمثال فرنسي فحطمه ووضع تصميم تمثال نهضة مصر» وفيه تقف فلاحة مصرية مستندة بيمناها إلى ماض متحفز يهم بالنهوض ممثلا في أبو الهول في حين ترفع بيسراها حجابا لتنظر إلى أفق غير محدود.
ومحمود مختار مولع بنحت الشخصيات النسائية فهو من نحت تمثالا لـ (خولة بنت الأزور) وهي البطلة العربية التي حررت نساء قبيلتي تبع وحمير من أسر الروم، وكانت على هيئة امرأة تمتطي جوادا وتطعن بالرمح وتشبه من بعض الأوجه جاك دارك الفرنسية، كما نحت تمثالين لأم كلثوم وثالث يصور عايدة بطلة أوبرا فيردي التي تحمل الاسم نفسه وأقام تمثال لأعظم راقصة باليه في مطلع القرن العشرين هي آنا بافلوفا.
كما نجد في متحفه تماثيل لـ (كاتمة الأسرار) عام 1926، (حاملة الجرة)، (إيزيس) 1929، رأس فتاة مصرية 1910، نحو الحبيب 1928، عند لقاء الرجل 1928، الفلاحة 1925، عروس النيل 1929 وغيرها مما يكشف عن شغف بالمرأة.
محمد الحمامصي
*الكتاب: ذاكرة الأمة.. محمود مختار ومتحفه
*الناشر:الدار المصرية اللبنانية - القاهرة 2007
*الصفحات:124 صفحة من القطع الكبير

