التعددية الدينية في فلسفة جون هيك

التعددية الدينية في فلسفة جون هيك

ت + ت - الحجم الطبيعي

يتمحور كتابه الجديد «التعددية الدينية في فلسفة جون هيك ـ المرتكزات المعرفية واللاهوتية» على تبيان مبحث التعددية الدينية ومجالاتها استناداً إلى فلسفة جون هيك وأرائه في هذا الصدد، انطلاقاً من فهم يرى تلازماً ما بين تعدد الأديان وتعدد المجتمعات البشرية، بوصفه دليلاً على أن الدين ليس شيئاً يضاف إلى المجتمع من خارجه، بل هو مؤسسة من مؤسساته، ومكوّن من مكوناته التاريخية.

وعليه يغدو البعد الغيبي في الدين لا يعني وقفية حقائقه واحتجابه وتعاليه على الواقع الإنساني، بل كان الدين دائماً في حالة تمظهر واندماج وتكيّف داخل الأطر الاجتماعية والبنى الثقافية ونظم التعبير اللغوي والسيميائي. بمعنى ليس الدين مجرد تراث النبي أو نص الوحي الذي يتلقاه المؤمنين بهيبة وإجلال،

إنما هو كذلك حصيلة التمأسس التاريخية للدعوة الدينية التي تحصل بعد رحيل المؤسس، فينتقل الدين من حالة وعي وجداني وإلتزام عفوي بتعاليم المؤسس إلى حالة منظمة ومعقلنة للوعي، تشتمل على جملة العقائد المشتركة والمبادئ التشريعية والسلوكية والممارسات العبادية الجامعة، وتحتوي على أطر لتنظيم العلاقة بين المؤمنين، وعلاقتهم بالعالم.

وينفتح متن الكتاب على سيرة موجزة لحياة هيك الشخصية والعلمية، وعرض مختصر لأهم أفكاره في فلسفة الدين، بالإضافة إلى ذكر لائحة مؤلفاته، حيث ولد جون هيك في عام 1922 في مدينة يوركشاير في بريطانيا لأبوين من عائلة متوسطة الحال.

وبدأ مبكراً قراءة مؤلفات نيتشه وبرتراند راسل ونورث وايتهد وفرويد وليبنتز وشوبنهاور وإيمانويل كانط وسواهم من الفلاسفة الآخرين، ودخل جامعة أدنبرة في العام 1941، حيث درس الفلسفة، ثم بدأ حياته المسيحية داخل الجماعات المسيحية الأصولية، فانخرط في سلك كنيسة بريطانية المشيخية.

وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية استدعي للخدمة الإجبارية في صيف 1942. وبعد نهاية الحرب عاد إلى جامعة إيدنبورغ، حيث اكتشف أثناء دراسته أهمية إيمانويل كانط الكبرى، وتعرف على نظريته في الدين.

وتابع جون هيك دراسته في جامعة أوكسفورد، فنال شهادة الدكتوراه، ثم درّس الفلسفة في جامعة كورنيل، وانتقل في العام 1959 إلى معهد برينستن للتعليم اللاهوتي في ولاية نيوجرسي في الولايات المتحدة الأميركية كأستاذ في الفلسفة المسيحية، وأصدر مؤلفات عديدة. ويعمل حالياً كنائب رئيس مجتمع فلسفة الدين في بريطانيا، ونائب رئيس المجلس العالمي للأديان.

ويعرض المؤلف جملة أفكار جون هيك في التعددية الدينية، مركزاً على الرؤى والمناهج والمقاربات التي اعتمدها في موضوع التعددية الدينية، والتي نسج من خلالها فرضيته التعددية. إضافة إلى عناوين متعددة تتصل جميعها بالبحوث التي طرحها جون هيك في ميدان التعددية الدينية، وهي بحوث موزعة في مواضع متفرقة من أعماله ومؤلفاته.

وعند تناوله مسألة إشكالية التعددية الدينية، يعرض المؤلف لمسار اللاهوت المسيحي في موقف جون هيل من باقي الأديان، ويعرض كذلك إشكالية التعددية الدينية، ومنطلقات الثورة اللاهوتية التي دعا إليها جون هيك. إضافة إلى تناول فكرة الله أو الحقيقة العليا عند الأديان الكبرى في العالم، في إطار البحث في الجامع بين التسميات والأوصاف الإلهية المتعددة.

ويتناول المؤلف نموذج جون هيك المعرفي بشيء من التفصيل، حيث يعرض محاولة جون هيك في بناء نموذج معرفي يشبه analog نموذج إيمانويل كانط المعرفي. وذلك لغرض التعرف على البنى الإدراكية التي تدرك الحقيقة الإلهية، وتمكن من تفسير التجربة الدينية وفهمها.

وبخصوص تناقض الادعاء في الحقائق الدينية، يعرض مشكلة التعارض في إدعاءات الحقائق بين الأديان، ويقترح حلولاً لتخطي تلك. ثم يأتي دور إشكالية الخلاص، من حيث تناول مفهوم الخلاص، عن طريق طرح تعريف جديد لمعنى الخلاص،

والبحث في إمكانية تحقق الخلاص بنحو متساو في كل الأديان. أما بخصوص الدين والتجربة الدينية، فإن البحث يتمحور حول تفسير التعدد الديني الحاصل في العالم، مع تقديم تعريف للدين يتناسب مع واقع التعددية في العالم، بالإضافة إلى عرض محاولة هيك في فهم التجربة الدينية وتفسيرها.

وتعرف الكتابات التي تتناول شخص المسيح وطبيعته وفرادته بما يدعى «الكريستولوجيا»، حيث يقاربها المؤلف من جهة علاقتها بالتعددية الدينية، عارضاً ما قدمه جون هيك في هذا المجال، وخصوصاً فكرتي تفوق المسيحية وفرادة المسيح، ومقاربته في إعادة فهم شخص المسيح، وتصويره لجوهر المسيحية بعد القول بمساواتها مع باقي الأديان، مع تقديم نظرته اللاهوتية الجديدة في مسائل الفداء والتجسد والتثليث.

غير أن الملاحظ هو أن مصطلح «التعددية»، يبدو مفارقاً وملتبساً حين يستعمل أو يتداول في مجال الفكر الديني، كون هذا المصطلح ولد حين سعى المجتمع إلى ابتكار مجال سياسي لاعتماد مشروعية سياسية جديدة خارج الإطار أو التحديد الديني، وإلى توليد أطر تضامن اجتماعي تحتل العقيدة الدينية حيزاً ضيقاً في تكوينها.

أي نشأ مفهوم التعددية في وقت كانت فيه العقيدة الدينية عماد الهوية والرباط الأول في تماسك المجتمع وتناغمه. ثم أصبحت التعدية تعبيراً عن تنوع الانتماءات الدينية وتكثّر الميول العقيدية داخل المجتمع الواحد ليصبح الانتماء الديني في مستوى الخيار الشخصي.

وبينما كانت القيمة الأخلاقية تستمد حقيقتها وقيمتها من قوانين الإيمان واجتهاد اللاهوت، فإن المسألة الأخلاقية أعادت - في ضوء التعددية - إنتاج مبادئها المستقلة ومرجعيات إلزامها الخاصة بها.

وقد أراد جون هيك نقل واقع التعددية الدينية، الذي تكوّن داخل الحضارات الكبرى في العالم، من كونه واقعاً تاريخياً وموضوعياً إلى حقيقة عقلية وإيمانية، أي محاولة جعل هذا الواقع يستند إلى أساس عقلي وتبرير ديني.

ولا يرجع البحث التعددي وفق مقاربة جون هيك بحثاً في مشروعية التعدد الديني القائم في العالم، لأن هذا التعدد هو حقيقة واقعية لا تحتاج إلى تدليل، بل ينتقل البحث إلى مستوى النظر في حقيقة ذلك التعدد.

إن منطلق جون هيك هو الواقع ومعطياته، مع كل أجزائه المتناثرة والمتشظية، والارتكاز على هذا المعطى بغية بناء منظومة عقلية ولاهوتية تفسّر وتصوّر العالم الكامن في هذا المعطى. وعليه يتحول السؤال المعرفي من سؤال عن صلاحية وصلاح النظم الدينية إلى سؤال عن الشرط التاريخي الذي أنتجها، وعن الإطار العقلي والمعرفي القادر على توفير فهم مناسب لآلياتها الداخلية وبناها الذاتية وتحولاتها التاريخية.

ويرى المؤلف أن جون هيك يقلب المقاربات في التفكير اللاهوتي، التي ترتكز عادة على جملة حقائق منجزة ومعتقدات جازمة وأحكام يقينية، في تصوير الواقع وتحديد الموقف منه، حيث المعطى المعرف الأول هو الحقيقة الدينية الثابتة، ويكون الحكم على الواقع من متفرعات تلك الحقيقة ومن مصاديقها التطبيقية.

وكون الصورة الدينية ذات طبيعة ضرورية وشاملة، أي ثابتة ونهائية، فإن الموقف المعرفي اللاهوتي تجاه الواقع الخارجي يكون على الأغلب موقفاً أخلاقياً ومعيارياً لا موقفاً معرفياً، حيث ينظر الموقف الديني إلى مدى تطابق الواقع مع الصورة التي يجب أن يكون عليها العالم، وتكون درجات المدح والإدانة بحسب قوة التطابق بينهما.

ونظراً إلى تشابه البناءات المعرفية التي اعتمدها جون هيك في صياغة نموذجه المعرفي مع تلك البناءات في نموذج كانط، فإن ذلك قاده إلى محاكاة نموذج كانط المعرفي الذي يجعل من التعدد الديني انعكاساً لحقيقة علقية ومنطقية.

ويأخذ المؤلف على جون هيك عدم تقديمه مبرراً كافياً للانتقال من موقف الاحتوائية إلى موقف التعددية الذي يساوي بين الأديان في نظم حقائقها ومستويات القداسة فيها، إذ لا يكفي الاستناد إلى حجة صدفة المولد للقول بتساوي جميع الأديان في بناها الخلاصية وفي مستويات القداسة فيها،

فلا وجود لملازمة منطقية ما بين المسألتين وبين صوابية وصلاح أي دين من الأديان. غير أن ما يحسب لجون هيك هو جعله من التعدد الديني مجالاً لاهوتياً جديداً، يفرض نفسه على كل دراسة دينية وعلى كل بحث حول فلسفة الدين.

*الكتاب:التعددية الدينية في فلسفة جون هيك المرتكزات المعرفية واللاهوتية

*الناشر: الدار العربية للعلوم والمركز الثقافي العربي ـ بيروت 2007

*الصفحات: 213 صفحة من القطع الكبير

طباعة Email