لعب الحصان دوراً بالغ الأهمية في حياة الإنسان منذ العصور القديمة للدور الكبير الذي كان يلعبه في هذه المجتمعات سواء في الحياة اليومية أو في الحروب.وتعتبر أسس وقواعد ركوب الخيل أيضا قديمة جدا... منذ أن توطدت العلاقة بين الحصان والإنسان.
مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور عثمان مهملات تخرج من كلية الطب بحلب (سوريا) في سنة 1978،وتابع اختصاصه في ألمانيا ويعمل حاليا في عيادة خاصة للأشعة والطب النووي وتصوير الشرايين. بدأ اهتمامه بالخيول العربية منذ أن مارس الفروسية في نادي الفروسية بحلب،فحصل على العديد من البطولات في رياضة القفز على الحواجز توجها بالفوز بأول بطولة رسمية لسوريا عام 1976 بدمشق على الحصان دالتون.
أصدر مؤلفات عديدة عن الخيول في الكثير من المجلات العربية،وصدر له كتاب عن حلب التراث، وهو الآن بصدد نشر كتابه الجديد عن تقاليد العرس الحلبي. ويرى المؤلف بان علاقة الإنسان مع الخيل هي علاقة قديمة ووطيدة منذ القدم،ليصبح اليوم ركوب الخيل مقتصرا على الرياضة بعد التطور التكنولوجي الهائل الذي أصبح يعيشه الفرد.
وتطرق الكاتب إلى الحصان العربي باعتباره من أقدم سلالات الخيول الخفيفة في العالم،ويرجع تاريخها إلى ماقبل المسيح،وظهرت أهميتها أثناء الجاهلية حيث احتل الحصان مكانا رفيعا في قلب العربي قبل الاعتراف بدوره المهم في حياته وللمساعدة الكبيرة التي قدمها له،بسبب الطبيعية الفطرية للعربي في حبه للتنقل والغزو والصيد.
ليزداد حب الخيل عند العرب بعد الدعوة الإسلامية وتشجيع الدين الإسلامي على تربيتها والعناية بها لدورها المهم والحاسم في المعارك والقتال. و يذهب مهملات إلى أن ما يميز الحصان العربي الأصيل هو نبالته ورشاقته وألوانه الخلابة وتوازنه الطبيعي الكامل، رأسه صغير الحجم جميل التكوين متجانس مع الرقبة وبقية الجسم،
تتوسطه جبهة عريضة نافرة تباعد بين العينين المليئة بالبريق واللمعان والمعبرة عن الذكاء والحيوية وتعلو الرأس أذنان حساستان،قصيرتان،صحيحتا التركيب والارتكاز ذواتا حركة متزامنة ولهما نهايات دقيقة وأنفه يتميز بفتحتين عريضتين تساعدان على التنفس الصحيح مع تقعير خفيف في الجزء العلوي منه، أما رقبته فنراها ممتلئة بالعضلات متناسبة مع حجمه وغالبا ما تكون متقوسة وذات ارتكاز عال مناسب على الأكتاف.
وظهره كثير العضلات أفقي،قصير عريض مع صلب عريض غني بالعضلات وقصير المسافة،صدره واسع يشير إلى سعة رئتيه. يتميز الحصان العربي بغزارة عرقه وحسن تكوين وتوضع ذيله المرتفع،أما الأطراف فهي جيدة التكوين متينة بارزة الأوتار تنتهي بحافر مدور صغير صلب مقاوم
الأمر الذي يعتبره المؤلف أحد الأسباب التي جعلت الحصان العربي ناجحا في تحسين سلالات الخيول الأخرى عند اختلاطه معها، لأنه ينقل إليها هذه المورثات وبالتالي يزيد من قدرتها على تحمل التعب والمشاق.
ويؤكد الباحث على أن الحصان العربي يتمتع بسلوك جيد مع شجاعة وطاعة كاملة بالإضافة إلى سرعته الكبيرة وتفوقه في سباقات المسافات الطويلة،مع قدرته على تحمل التعب الشديد واكتفائه بمقدار قليل من العلف،ومقاومته للمرض بالإضافة إلى طول عمره.
ويذهب الكاتب إلى أهم صفات الحصان العربي وهي خصوبته الكبيرة وقدرته الواضحة في تحسين معظم سلالات الخيول الأخرى سواء في النوع البارد أو الحار عند اختلاطه معها،حيث تشير آخر الأبحاث الأميركية العلمية أن القدرة العظيمة للحصان العربي في تحمله للتعب والمشقة تكمن في نوعية الدم الذي يجري في عروقه.
وقد أثبتت أبحاثهم البيولوجية على دم الحصان العربي أن نسبة عدد الكريات الحمراء في مليمتر دم واحد تزيد عما هي عليه في سلالة الخيول الأخرى بالإضافة إلى اختلافات أخرى في شكل وحجم ومحتوى الكريات الحمراء من الهيموغلوبين وهي تساعده على اختزان كميات أكبر من الأكسجين.
وصنف المؤلف سلالة الحصان العربي إلى خمسة فصائل رئيسية وهي (الكحيلان، العبيان،الشويمات،أم عرقوب،الصقلاوي) إلا أنه مع بداية هذا القرن قسم بعض الأوربيين وفي مقدمتهم المستشرق كارل رضوان الخيول العربية إلى ثلاثة أشكال رئيسية( الكحيلان ـ الصقلاوي ـ المعنكي) ويدخل ضمنها 20 فصيلة و240 تحت فصيلة.
ويرى مهملات بأن انتشار الخيول العربية في البلاد المجاورة للجزيرة العربية كبلاد الشام ومابين النهرين ومصر، يعود إلى الحروب والغزوات المستمرة بين شعوب هذه المناطق،وكان للجيوش الإسلامية الفضل الأكبر في نقل الخيول العربية بعد ذلك إلى البقاع التي وصلوا إليها،كما ساعدت الحروب الصليبية بعد ذلك بنقل أعداد كبيرة من الخيل إلى البلاد الأوروبية،
واستمر انتقالها إلى أوروبا بشكل فردي وغير منتظم،حتى شعر الأوروبيون في بداية القرون الوسطى بأهمية وقيمة هذا الحصان، ليصل إلى انجلترا،فرنسا، ألمانيا، بولونيا، هنغاريا،النمسا،روسيا واسبانيا، واعتمدت عملية التهجين المنتظمة.
واستعرض المؤلف أشهر سلالات الخيل الأوروبية والأميركية حيث أشار إلى أشهر أنواع الخيول الموجودة في النمسا وهي الليبيزا،أما في الجزيرة الإنجليزية فتشتهر بالحصان الإنجليزي الصافي، الثوربرد،الهانتر،الحصان الإنجليزي العربي الصافي،والشير.
وأهم الخيول في ألمانيا التراكنر،الهانوفرانا،الهولشتايز،الأولد نبرغر،أما أميركا فتشتهر بـ الموستانغ، المورغان،حصان الخبب الأميركي،الأبولوزا والبنتوا، الثوربرد الأميركي. وينقلنا الكاتب إلى الأنواع المختلفة لرياضات الفروسية المشهورة وهي سباقات الخيول،سباقات الخيول مع القفز،سباقات الخبب،قطع المسافات الطويلة، الثلاثي العسكري، اختبارات الدرساج،قيادة العربات.
وفي سياق آخر تطرق الباحث إلى الأمراض الهامة التي تصيب الخيول وهي الرشح والسعال،الديدان، سوء الهضم المعدي والقولنجات(هي ظاهرة للألم في الأنبوب الهضمي وأسبابها متنوعة)، ضربة الشمس،الكزاز (مرض خطيرو قاتل يصيب الحصان بعد جرح ما في أحد أنحاء جسمه أو أسفل حافره)، إصابات الظهر الناتجة عن السرج، الفطر الجاز(مرض فطري ينتقل بالعدوى وهو عبارة عن بقع مدورة فاقدة للشعر)،الالتهاب الجلدي قرب الحافر(يصيب الخيل في فصل الشتاء والخريف).
وسلط مهملات الضوء على تربية الخيل وتهجينها معتبرا السن المثالية لحمل الفرس هو الخامسة عندما تكون الفرس قد اكتملت نموا،وعندها يصل الهيكل العظمي إلى حالة جيدة من الصلابة، وتلعب الأم الفرس دورا بارزا في جودة النسل القادم بالإضافة إلى دور الفرس والأثر الكبير الذي يتركه في النسل القادم،فقد حافظ العرب على جودة خيولهم بعاداتهم الصارمة والحازمة في انتقاء الفحول المناسبة لتلقيح أفراسهم.
وأشار المؤلف إلى اختيار الوقت المناسب للتلقيح وهو أوائل يونيو باعتبار الفرس تحمل 11 شهرا،ليولد في أوائل أيار من السنة التالية،وعند عدم نجاح التلقيح في هذه الفترة يمكن إعادة المحاولة بعد ثلاثة أسابيع.
وفي هذا الإطار يعتبر المؤلف العناية بالحصان وذلك بتنظيفه وإنعاش بدنه بتحريض الدورة الدموية تحت الجلد بواسطة التدليك والمسح بفرشاة ليشمل الجسم بكامله، والاعتناء بفراش الإسطبل وتغييره مرة كل 10ـ 15 يوماً، والاهتمام بإطعامه ونوعيه الغذاء بحسب نوع الحصان وحجمه وطباعه والطقس المحيط به،بالإضافة إلى العمل المطلوب من الحصان.
واستعرض مهملات أهم ما يجب معرفته عند شراء الحصان التي تتمثل أولا في دراسة نقاط الجمال والقبح لكل أعضاء الحصان بشكل دقيق،ويكون الفحص الأول للحصان وهو بحالة الوقوف ثم أثناء المشي حيث تظهر التفاصيل التشريحية بشكل أوضح
كالتشوهات أو العاهات الموضوعية في جسمه والتي تعتبر عاملا سلبيا يؤثر على جودة الحصان،بالإضافة إلى معرفة أصل أو نوع السلالة لمعرفة الوضع العام من ناحية السلوك والدم والمقاومة للمرض والتعب،وكل هذه الأمور تستوجب الاستعانة بخبير في هذا الميدان أو طبيب بيطري لفحص الحصان.
كما سلط الباحث الضوء على سباقات الخيول قديما والتي اكتشفت لدى الشعوب الحثية بحيث تظهر في الألواح الفخارية الأربعة الشهيرة والتي ترجمت من اللغة الحثية،والتي أدت إلى اكتشاف أول كتاب عن الخيل وتدريبها في التاريخ والذي ألفه (كيكولي) مدير أحد مرابط الخيل الحثية منذ 3400 سنة،والتي تتضمن برنامجا دقيقا
ومفصلا لتمرين الخيول الفتية في معسكر تدريبي للخيول لوحدها،وللخيول المشدودة على العربات حيث احتلت العربة آنذاك مكانه مهمة في تكوين الجيوش المحاربة في ذلك الوقت وهنا تجدر الإشارة إلى عدد العربات المشاركة في الجيش الحثي في معركة قادش عام 1296 قبل الميلاد ضد المصريين بالقرب من مدينة حمص والذي بلغ 3000 عربة حربية إلى جانب 1700 جندي راجل.
ناهد رضوان
*الكتاب:الحصان العربي بصمات ذهبية على سلالات الخيول في أوروبا وأميركا
*تأليف:د.عثمان مهملات
*الناشر:شعاع للنشر والعلوم - حلب 2006
*الصفحات:375 صفحة من القطع الكبير

