بول كلافييه، دكتور في العلوم الإنسانية وحائز على شهادة التأهيل العليا (أغريغاسيون) في ميدان الفلسفة وخريج مدرسة المعلمين العليا في باريس التي تخرّج منها عدد هام من مفكري وفلاسفة فرنسا الكبار الذين ليس أقلّهم شأنا جان بول سارتر وريمون آرون.
يعمل كلافييه مديرا للدراسات الأدبية في مدرسة المعلمين العليا حيث يشرف على حلقة دراسية تحت عنوان: «إشكاليات وطرق بحث». له العديد من المؤلفات من بينها« مفهوم العالم» الذي أثار اهتماما كبيرا عند صدوره عام 2000. «تسعيرة» القيم الاجتماعية، كتاب مثير انطلاقا من عنوانه نفسه. ذلك أن المؤلف قد« استعار» من البورصة المالية مفهوم» التسعيرة»، أي سعر الأسهم والسندات، ولكنه طبّق ذلك على القيم الأخلاقية. ما يلاحظه أولا هو أننا نشهد بين الحين والآخر« دوريا» نوعا من« عودة القيم» إلى« بورصة» التداول الاجتماعي للقيم. وهي في أغلب الحالات عودة ل«عصا» القيم تحت تأثير انفعالات وظروف معينة. وفي أغلب الأحيان أيضا يكون قد تمّ وضع هذه القيم التي» غابت» في» الأدراج» لفترة من الزمن قد تطول أو تقصر.
ثم يتم» الإفراج» عنها فجأة ويغدو لما كان» مهملا» ثمنا، بل و«ثمنا باهظا» أحيانا. القيم التي يقصدها المؤلف في هذا العمل هي تلك التي أصبحت تتكرر اليوم باستمرار في خطاب رجال السياسة والمجتمع وحتى الاقتصاد مثل قيم «السلطة» و«الاحترام» و«الأسرة» و«التضامن».
ويطرح المؤلف أسئلة مثل: لكن ما قيمة هذه القيم التي غدت بمثابة قيم مناسبات؟ وهل هي« صفقات جيدة»؟ أم هي نوع من« الاحتيال»؟ الإجابة على مثل هذه الأسئلة تتطلب وضع» تسعيرة» للقيم الأخلاقية المعنية.
هذا الكتاب هو نوع من« الدليل المرشد» الذي يمتحن، أو» يعيد امتحان» مجموعة من« القيم» ذات المضمون الأخلاقي الاجتماعي.» الامتحان» بمعنى محاولة معرفة مدى قدرتها على مقاومة» الموضات» السائدة، ومدى تأثيراتها الحقيقية، وهل هي تأثيرات سلبية أو إيجابية بالنسبة لمحيطها الإنساني بل وحتى بالنسبة لمحيطها الطبيعي.
ما يؤكده المؤلف هو أن جملة تتكرر غالبا في مجال الأخلاق ومضمونها قول:« سوف تفهم عندما تصبح كبيرا». وعلى أساس الوصول إلى سن البلوغ يتم التأكيد على ضرورة وجود« حدود موضوعية» بين ما هو محبّذ و«منصوح به» وبين ما هو« غير مقبول أخلاقيا».
ذلك أنه في حال غياب مثل هذه الحدود» الموضوعية» يصبح» كل شيء مسموحا به و«الخسائر» كبيرة لا محالة. وما بين» المنصوح به» و«غير المقبول» يلعب العامل الذاتي دورا هاما ولكن لا يمكن الاكتفاء بـ «ما يفضله المرء ذاتيا»، وبالمقابل قد لا يمكن الانصياع بشكل كامل لبعض القواعد الصارمة» التعسفية» التي يحددها الوسط الاجتماعي. إذن لا بد من« قيم» ولا بد أيضا من وجود« أسبابها المبررة».
يتضمن هذا الكتاب» مناقشة» دقيقة جدا لـ «87» قيمة أخلاقية لها« تسعيرتها» في بورصة» السلوكيات» السائدة في المجتمع الفرنسي اليوم خاصة، وفي المجتمعات الاستهلاكية الغربية وغير الغربية عامة. ولكن« تداولها» لا يعني أبدا« معرفة كنهها» ومضمونها.
إن المؤلف يتعرض لبحث قيم أخلاقية شائعة ويتحدث لقارئه عن« الإخلاص» و«الضمير» و«الواجب» و«الأدب»، بمعنى التعامل اللطيف وغير ذلك من« القيم» التي تبدو من البديهيات بالنسبة للجميع ومهما كانت مستوياتهم الثقافية.
لكن المؤلف يبتعد تماما عن« إعطاء الدروس الأخلاقية». ولا نقرأ في الكتاب كله جملة واحدة من نوع» افعلوا كذا، ولا تفعلوا كذا، وقل « صباح الخير» للسيدة والكذب قباحة... الخ. ولكنه يدفع في واقع الأمر القاريء إلى استخلاص النتائج التي تدفعه في الطريق الصحيح.
ومن خلال عرض قيم تبدأ بحرف الألف باللغة اللاتينية مثل» صداقة» وحتى تلك التي تبدأ بحرف في نهاية التسلسل الأبجدي مثل» الحقيقة» يذكر المؤلف عشرات وعشرات المراجع الأدبية والفنية والحكايات والنوادر بحيث« يحاول تعليم القارئ وهو يسليه».
هكذا مثلا عندما يتحدث عن« الاعتزاز بالنفس» نقرأ في بعض ما كتبه المؤلف قوله:» هذا الصباح نظرت لمدة عشر دقائق في المرآة. أليس في هذا مبالغة»؟ ومن خلال مثل هذا التعليق والشرح يصل المؤلف، ومعه القارئ، إلى أن الاعتزاز بالنفس ليس أمرا سيئا وأنه من الطبيعي« أن يحب الإنسان نفسه. أما عن فضيلة حب الدعابة «فيجدها» أساسية من أجل مواجهة مصاعب الحياة».
وإذا كان المؤلف يتعرض لمسألة« القيم» بطريقة» مرحة» أحيانا وبعيدة عن« الجمود الأكاديمي»، فإنه يناقش العديد من الأطروحات السائدة على الساحة الفكرية والسياسية الفرنسية اليوم. هكذا تردد مثلا القول أن» قيم اليمين حلّت محل قيم اليسار»
على خلفية انتخاب نيكولا ساركوزي رئيسا للجمهورية الفرنسية خلال الانتخابات التشريعية التي جرت قبل عدة أشهر ولا يتردد المؤلف في القول:» ليس هناك ما هو أكثر عبثية من اعتبار القيم الأخلاقية سجينة معسكر أو برنامج سياسي».
ويشير إلى أن المرشحين الرئيسيين للانتخابات الرئاسية المعنية، أي ساركوزي الذي أصبح رئيسا ومنافسته السيدة سيغولين روايال» المهزومة» قد رفع، كليهما، نفس القيم الأخلاقية وارتديا« لباس الأب والأم» وردد كل منهما بطريقته ما مفاده:» معي سيعود الاحترام ومفهوم السلطة».
«احترام ماذا؟ وسلطة من»؟ يتساءل المؤلف ويضيف أن» الطاعة من أجل الطاعة» إنما هي مفهوم» عبثي تماما ولا يمكن البناء عليه، ويقارن« عبثيته» بـ «عبثية مفهوم» الأكل من أجل الأكل. إنه يربط كل عمل أو سلوك بـ «الغاية منه».
ويرى المؤلف أيضا في« الطاعة المطلقة» على الطريقة التي تمّت المطالبة بها نوعا من النزوع العميق لدى معسكر اليمين المحافظ خاصة في فرنسا للتخلص« نهائيا» من إرث شهر مايو 1968، أي من إرث ما هو معروف بـ «ثورة الطلبة» التي شكّلت منعطفا على صعيد السلوكيات والقيم الاجتماعية
ليس في فرنسا وحدها وإنما أيضا على صعيد أوروبا، بل والعالم. كان الطلبة، ومن انضم إليهم من عمال ونقابات، قد رفعوا شعار« ممنوع المنع» فيما يبدو أن«القيم الأخلاقية» المرفوعة اليوم والتي جرى« إخراجها من الأدراج» تريد أن تسقط ذلك الشعار.
«ليس هناك قيم يمينية وقيم يسارية»، يريد أن يقول لنا مؤلف هذا الكتاب، وإنما هناك« قيم» يرفعها هؤلاء أو أولئك تبعا لمستلزمات الظرف واللحظة. ثم ينضوي البعض تحت رايتها بينما يشن آخرون هجوما عنيفا عليها.
وفي السياق الحالي حذر الكثيرون من «الرجعية العائدة» باسم هيبة السلطة كانت الدولة أو القانون أو الأب المحافظة على النظام والانتهاء من مختلف أشكال الليونة في مواجهة أولئك الذين يريدون أن يعبثوا بالأمن العام. هنا يفتح المؤلف قوسين كي يذكّر قارئه أن مثل هذه القيم التي يتم« لصقها» اليوم باليمين كانت لفترة طويلة هي القيم التي نادى بها اليسار.
ثم إن الأديان نفسها كانت قد أدانت قبل كارل ماركس بكثير«استغلال الإنسان لأخيه الإنسان». يترتب على هذا كله تأكيد المؤلف على «الخطأ الكبير» الذي يرتكبه أولئك الذين يربطون القيم الأخلاقية بأي انتماء سياسي أو اجتماعي أو ديني. ثم إن القيمة الأخلاقية لأي عمل لا ترتبط بكون أن صاحبه هو يميني أو يساري.
بالمقابل يؤكد المؤلف أنه لا يمكن لأي فرد أن يردد القول: «هذا اختياري» أو «ليس لدينا نفس القيم». ذلك أنه «إذا لم نكن نستطيع تأكيد أية قيمة يصبح كل شيء ممكنا ولا أهمية لأي شيء.
والقائل ليس على خطأ ولا على صواب»، كما ينقل« بول كلافييه» عن الكاتب الكبير ألبير كامو. وضمن نفس النهج من التحليل يتم التأكيد على ضرورة وجود منظومة أخلاقية بالاستقلال عن الآراء والمعتقدات الخاصة وعن الظروف والحقبة والضغوط الخارجية... منظومة قائمة على «القبول الحر» بها.
كتاب عن القيم. إنه ليس الأول وبالتأكيد لن يكون الأخير، ولكنه بالتأكيد» فريد» إلى حد كبير من حيث معالجته لمواضيع «خطيرة» وكأن المؤلف «يتسلّى»، إنما دون الوقوع في الهزل. وفي المحصلة النهائية لا بد للقارئ إلا أن يطرح علاقته مع القيم.
ولعلّ هذا هو الهدف الأساسي الذي سعى إليه المؤلف عبر استخدام جميع «أدوات» الحياة اليومية للبشر وصولا إلى دليل الطبخ ولوحات الإعلانات. المهم بالنسبة له هو طرح الأسئلة بعيدا عن أية حلول جاهزة. وإنما محاولة امتلاك أدوات الحل.
*الكتاب:«تسعيرة» القيم الأخلاقية
*الناشر:لا رونيسانس - باريس 2007
*الصفحات:347 صفحة من القطع المتوسط
morales
La Renaissance- Paris 2007
P.347

