مؤلف هذا الكتاب هو العالم البريطاني الشهير بيتر ماتيوس المختص بدراسة اللغات وعلم الالسنيات. وهو يقدم هنا قاموسا مختصرا عن علم الالسنيات الحديثة من مختلف جوانبها. ويحتوي هذا القاموس على ما لا يقل عن ثلاثة آلاف مادة تشمل كل اللغات المشهورة ونظريات اللغة الحديثة وتاريخ اللغة وعلم الصوتيات وعلم السيماتيك، أي الدلالات والمعاني أو معظم الشخصيات التي ساهمت في تأسيس علم الالسنيات الذي أصبح في الآونة الأخيرة أحد أهم العلوم الإنسانية.
ومنذ البداية يقول المؤلف ما معناه: إن علم الالسنيات بالمعنى الواسع للكلمة يعني دراسة اللغات البشرية شكلا ومضمونا ثم المقارنة بينها لاستخراج القوانين العامة التي تتحكم بها. وينقسم علم الالسنيات إلى فرعين كبيرين: فرع يدرس اللغات في حالتها الحاضرة، وفرع يدرسها من خلال التطورات أو المتغيرات التي تطرأ عليها عبر العصور والأزمان. وبالتالي فهناك شيء اسمه علم اللغة التاريخي وهو علم مهم جدا لأنه يكشف لنا عن معاني الكلمات في كل عصر. فالكلمة العربية مثلا قد يكون لها معنى ما في الجاهلية فإذا بهذا المعنى يتغير في الإسلام، ثم في العصور الحديثة، وقل الأمر نفسه عن معاني الكلمات في اللغات الأخرى.
وبالتالي فهناك قاموس تاريخي للغة يدرس ما طرأ على معاني كلماتها من تغير أو تحول عبر العصور المتتالية منذ نشأة هذه اللغة وحتى يومنا هذا. ومن أشهر علماء الالسنيات يذكر القاموس اسم العالم السويسري فيردنان دو سوسير. وعنه يقول بما معناه: إنه أشهر علماء الالسنيات بالإطلاق. فهو مؤسس ما يدعى بالالسنيات البنيوية التي طغت على كافة العلوم الإنسانية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي.
وقد ولد في مدينة جنيف بسويسرا عام 1857 وفيما مات عام 1913 عن عمر يناهز السادسة والخمسين. وقد اشتهر بكتابه: «دروس في الالسنيات العامة» الذي نشر عام 1916 بعد موته من قبل تلامذته. وهذا الكتاب هو الذي أسس علم الالسنيات بالمعنى الحديث للكلمة. وفيه يبلور التمييز الواضح بين مختلف مصطلحات علم اللغة.
وقد ميز بين علم الصوتيات وعلم المعاني، فاللغة مؤلفة من حروف وكلمات وتراكيب ونحو وصرف بدون شك. ولكنها مؤلفة أيضا من المعاني والدلالات. ولولا ذلك لما أصبحت أداة التواصل الوحيدة بين البشر. وبالتالي فالدراسة الشاملة للغة، أي لغة، ينبغي أن تشمل الشكل كما المضمون في آن معا. فاللغة مؤلفة من دالّ ومدلول. والمدلول قد يكون واحدا في كافة اللغات ولكن الدال يختلف بطبيعة الحال.
فمعنى الشجرة مثلا موجود في كل اللغات البشرية، ولكن الكلمة الدالة عليها في العربية غيرها في الفرنسية أو الانكليزية أو الألمانية أو الروسية، الخ. من هنا تعدد اللغات وتنوعها، وهكذا يظل معنى الشجرة واحدا وتتعدد الكلمات الدالة عليها بتعدد اللغات البشرية.
ويرى المؤلف أن دوسوسير على الرغم من عمره القصير وقلة الكتب التي ألفها إلا أنه أثر كثيرا على الفكر الحديث. فمعظم أقطاب البنيوية قرؤوه وطبقوا منهجياته ومصطلحاته على مجالاتهم المعرفية. هذا ما فعله تودوردف ورولان بارت وجيرار جنيت في مجال النقد الأدبي
حيث بلوروا نظرية جديدا انطلاقا منه. وهذا ما فعله كلود ليفي ستروس في مجال علم الانتروبولوجيا. فقد استفاد كثيرا أيضا من منهجيات دوسوسير ومصطلحاته، وقل الأمر نفسه عن ميشيل فوكو، وجاك دريدا، وجاك لاكان.
وأما عن مادة البنيوية فيقول القاموس ما معناه:
إنها عبارة عن تيار جديد في ساحة العلوم الإنسانية، وقد استفاد كثيرا من سوسير وعلم الالسنيات لبلورة منهجيته ومصطلحاته. وتتميز البنيوية كتيار كبير في النقد الأدبي بما يلي: دراسة العمل الأدبي دراسة شكلانية خارجية، أي تركز على الكلمات والعلاقات الكائنة بينها أكثر مما تركز على دراسة المعنى.
إنها تشرح النصّ تشريحا لكي تعرف كيف ألفه الكاتب أو كيف ركبه لغويا. والبنيوية جاءت كرد فعل على النقد التاريخي الذي ساد القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين. وهو نقد يركز أولا على دراسة حياة المؤلف وعصره وظروفه ويربط كل ذلك بالعمل الأدبي الذي أنتجه سواء أكان شعرا أم نثرا. ولا يهتم كثيرا بالبنية الداخلية التي تشكل النسيج اللغوي للنص.
أما البنيوية فتركز كما قلنا على التفكيك الداخلي للنص أو تحليل علاقاته اللغوية ولماذا يورد المؤلف كلمات معينة بدل كلمات أخرى، أو لماذا يستخدم حروف الجر مثلا أكثر من غيره، الخ. ولكن البنيوية بدورها تطرفت جدا حتى أصبحت مملة ورتيبة. لماذا؟ لأنها تحولت إلى إحصائيات ومعادلات رياضية وأفقدت الأدب طراوته ومعناه. فالنص أصبح على يديها جثة مشرّحة ميتة.
فما معنى منهجية نقدية لا تهتم إلا بالشكل الخارجي وتهمل المدلول أو المضمون؟
لهذا السبب فقدت البنيوية مصداقيتها في السنوات الأخيرة وانقلب عليها حتى روادها الأوائل من أمثال تودوروف نفسه. فقد أصدر قبل بضعة أشهر كتابا يتوب فيه ويتراجع عن البنيوية الشكلانية الفارغة التي قتلت الأدب وطراوته وجماله.
وأما عن العالم الشهير رومان جاكسون الذي لا يقل أهمية عن دوسوسير فيقول القاموس ما معناه: ولد عام 1896 في موسكو ومات عام 1982 عن عمر يناهز السادسة والثمانين. وكان من أشهر علماء الالسنيات في القرن العشرين بالإضافة إلى سوسير. وقد اشتهر بالتحليل البنيوي للغة، والشعر، والفن.
ومعلوم أنه قام مع عالم الانثربولوجيا كلود ليفي ستروس بالتحليل البنيوي لقصيدة شهيرة لشارل بودلير. وأصبح هذا التحليل النموذج الذي يحتذى بالنسبة للنقد البنيوي في كل أنحاء العالم. لقد قاما بتشريح قصيدة بودلير من أولها إلى آخرها تشريحا لغويا، بنيويا، شكلانيا، محضا.
ولكن ماذا بقي من هذا التشريح الآن؟ لا شيء تقريبا. كل ما فعلاه هو أنهما قضيا على طراوة القصيدة وإبداعها. وهنا تتبدى لنا محدودية النقد البنيوي للأدب. لا ريب في أنه مفيد كمرحلة أولى، ولكن لا ينبغي الاكتفاء به وإنما ينبغي الانتقال إلى دراسة المعنى فور الفراغ منه، وإلا فإن التحليل البنيوي الشكلاني يظل عقيما لا جدوى منه.
ثم يردف المؤلف قائلا:
لقد ولد جاكسون في عائلة روسية يهودية ثرية. ومنذ نعومة أظفاره كان مسحورا باللغة وأسرارها. ولذلك راح يتخصص في علم الالسنيات بعد أن أتقن عدة لغات. ثم أصبح عضوا في الحلقة اللغوية التي تشكلت في موسكو في بدايات القرن العشرين أو قل الثلث الأول منه. كما وانخرط رومان جاكسون في الأوساط الطليعية الروسية من شعرية وأدبية وفنية.
ثم هاجر رومان جاكسون إلى الغرب بعد الثورة البلشفية هربا من الشيوعية. وأكمل شهادة الدكتوراه في مدينة براغ عاصمة تشيكوسلوفاكيا آنذاك. وهناك أسس المدرسة اللغوية لبراغ. ثم غادر براغ في بداية الحرب العالمية الثانية متوجها نحو البلدان الاسكندنافية، وعندما وصلت الحرب إلى هناك هاجر إلى نيويورك.
وهناك التقى بكلود ليفي ستروس وشكل معه الجامعة الفرانكفونية للأدباء المنفيين. وعندئذ شكلا الحركة البنيوية هو كعالم السينات وليفي ستروس كعالم انثروبولوجيا. وفي عام 1949 استقر جاكسون في جامعة هارفارد حيث أخذ يدرس هناك حتى نهاية حياته.
ويمكن أن نعدّ من بين البنيويين الناقد الشهير رولان بارت على الأقل في إحدى مراحل حياته الفكرية. فقد مارس النقد البنيوي لبضع سنوات قبل أن يكتشف محدوديته وعقمه وينصرف عنه. فبارت كناقد كبير لا يستطيع أن يمضي عمره في تشريح القصيدة وعدّ حروف الجر والعلة والفاصلة وهلم جرا.
لذلك أدار بارت ظهره للنقد البنيوي الالسني وراح يكتشف آفاقا جديدة من خلال الاهتمام بمناهج أخرى. فالعمل الأدبي غزير المعاني ولا يمكن استنفاده من خلال منهج واحد أيا يكن. ومعلوم أن بارت اطلع على كافة المناهج، من المنهج التاريخي، إلى المنهج السوسيولوجي، إلى المنهج النفسي، إلى المنهج البنيوي.
وكان يعتقد بأن كل منهج من هذه المناهج يسلّط ضوءاً خاصا على القصيدة أو الرواية أو أي عمل أدبي آخر. وبالتالي فلا ينبغي الاكتفاء بأحدها وإهمال الأخرى. ولكن كيف يمكن لناقد واحد أن يطبق دفعة واحدة كل المناهج على العمل الأدبي؟ هذا مستحيل.
*الكتاب:القاموس المختصر لعلم الألسنيات
*الناشر:مطبوعات جامعة اوكسفورد 2006
*الصفحات:432 صفحة من القطع الكبير
The concise dictionary of linguistics
Oxford University Press2006
P.432
