ساهم في تأليف هذا الكتاب عشرات الباحثين من فرنسيين وعرب وأجانب آخرين، وأشرف عليه المؤرخ الفرنسي المعروف كلود ليوزو أستاذ علم التاريخ الحديث في جامعة السوربون وأحد كبار المختصين بشؤون الاستعمار وما تلاه. وقد كتب المقدمة وطرح هذا السؤال: لماذا ألفنا قاموسا خاصا بالاستعمار؟ ألم ينته عهد الاستعمار يا ترى؟ فلماذا نعود إليه من جديد إذن وننكأ الجراح أو نحرك المياه الراكدة؟

والجواب هو أن قضايا الاستعمار لا تزال تشغل المجتمع الفرنسي حتى بعد مرور خمسين عاما على نهاية هذا الاستعمار بالذات. والواقع أن تواجد الملايين من أبناء المستعمرات السابقة على الأرض الفرنسية هو الذي يثير المشكلة باستمرار. فالكثيرون من أبناء هذه الجاليات يعيبون على فرنسا أنها استعمرت بلدانهم الأصلية وأهانتهم وحاولت محو هويتهم. ثم بعد أن هاجروا إليها إذا بها تحتقرهم من جديد ولا تعطيهم فرصة العمل والسكن اللائق وسوى ذلك. وبالتالي فهي لا تزال تعاملهم وكأنهم خاضعون لها ولاستعمارها. أما اليمين المتطرف الفرنسي فيرى في هذه الجاليات المقيمة على أرضه بمثابة استعمار بالمقلوب. وهم يقولون للمغتربين المقيمين في فرنسا: نحن تركنا بلادكم وخرجنا من عندكم فلماذا جئتم إلى عندنا بالملايين؟ هل ستنتقمون منا وتستعمروننا كما استعمرناكم؟

ثم يضيف كلود ليوزو قائلا: هكذا نلاحظ أن مشكلة الاستعمار لم تنته بعد حتى انتهاء المرحلة الاستعمارية ذاتها. فما دامت المشاكل عالقة بين الطرفين، وما دامت فرنسا عاجزة عن الاعتذار لسكان المستعمرات السابقة فإن المشاكل ستبقى. ولهذا السبب تم تأليف قاموس كامل عن تلك المرحلة الاستعمارية بكل أحداثها وشخصياتها ورجالاتها.

والقاموس الجديد رتب مواده بحسب تسلسل الحروف الأبجدية تماما ككل القواميس الأخرى. فإذا أردنا أن نعرف مثلا علاقة المستشرق الكبير جاك بيرك بالموضوع يكفي أن نفتح القاموس على حرف الباء فنجد المعلومات التالية: إنه مستشرق فرنسي ولد عام 1910 ومات عام 1995. وقد ولد في الجزائر وكان والده أوغست بيرك موظفا في الإدارة الاستعمارية ومختصا كبيرا بالمجتمعات الإسلامية.

وقد مشى ابنه على نفس الخط حتى تفوق على والده وأصبح أستاذا في الكوليج دو فرانس التي هي أعلى مؤسسة علمية فرنسية: أي أعلى من السوربون. وكان جاك بيرك أولا موظفا في الإدارة الاستعمارية في المغرب الأقصى قبل أن يتخلى عن هذه المهنة ويتفرغ للبحث العلمي. وعلى هذا النحو أصبح مستشرقا كبيرا ودارسا جيدا للمجتمعات الإسلامية.

وقد درس التطورات أو الطفرات التي طرأت عليها على مدار خمسين سنة من الزمن. وكان تلميذا لماسينيون في البداية قبل أن يفترق عنه منهجيا ويطبق المناهج السوسيولوجية الحديثة على دراسة مصر وبقية المجتمعات العربية،

وفي أواخر حياته تفرغ لترجمة القرآن الكريم.وقد أدان جاك بيرك نظام الهيمنة الاستعمارية على الرغم من أنه مارسه في بداية حياته، ودعا إلى تشكيل أندلس جديدة يتعايش فيها العرب والأوروبيون تماما كما حصل في الماضي.

لنفتح القاموس الآن على اسم اندريه جيد فماذا نرى؟ نرى أنه أدان الاستعمار بوضوح في كتابيه «رحلة إلى الكونغو (1927)، وعودة من التشاد (1928)». لقد هاجم بعنف الشركات الاستعمارية التي فتحت مكاتب لها في إفريقيا من أجل التغلغل فيها واستعمارها واستغلال ثرواتها.

حقا لقد كان أندريه جيد كاتبا إنسانيا وتحرريا يكره الاستعمار والمستعمرين. وطالما صور في رواياته جشع المستوطنين ورغبتهم في استغلال البلدان الإفريقية إلى أقصى حد ممكن. وقال في كتبه: عندما سافرت إلى البلدان الإفريقية المستعمرة لأول مرة لم أكن ضد الاستعمار.

ولكن عندما رأيت كيف يعاملون السكان الأصليين بكل عنصرية واحتقار أصبحت من ألدّ أعداء الاستعمار. حقا إن الاستعمار نظام حقير ودنيء وظالم من أساسه إنه عار علينا نحن الشعوب المتحضرة أو التي تدعي الحضارة.

أما الكاتب الكبير اناتول فرانس (1844 ـ 1924) فكان من ألد أعداء الاستعمار. وعندما انتخبوه عضوا في الأكاديمية الفرنسية عام 1896 اعتقدوا أنه سيصبح عاقلا وينضم إلى الحزب الفرنسي المؤيد للاستعمار.

ولكنه رفض ذلك، وراح يندد بالمشروع الاستعماري من أساسه وينقض مزاعمه القائلة بأنه يهدف إلى إدخال الشعوب البربرية في الحضارة. وقد ألقى خطابا عام 1906 ضد البربرية الاستعمارية قائلا: لم يعرف العرب والسود وسواهم من حضارتنا حتى الآن إلا المجازر والاستغلال والقهر والاستيطان.

فأين هي الحضارة إذن؟ إن الاستعمار أيها السادة هو أحقر أنواع البربرية. هل تعلمون بأن هذا الاستعمار الوحشي واللا إنساني سوف يجعل ملايين البشر في إفريقيا والهند الصينية والعالم العربي يحقدون علينا؟ ألا تبا للاستعمار والمستعمرين؟ وقد صدقت الأيام نبوءته، فالاستعمار زال ولكن الحقد عليه لدى الشعوب المضطهدة لم يزل حتى الآن.

ثم يطرح أحد الباحثين هذا السؤال: ما هو موقف المستشرق الشهير لويس ماسينيون من الاستعمار؟ وجواب القاموس على النحو التالي: لقد كان مضادا للاستعمار على الرغم من أنه اشتغل لفترة كمستشار لدى وزارة الخارجية الفرنسية. ولكن السياسيين نادرا ما كانوا يأخذون بنصائحه. ولذا كرس حياته بعدئذ لدراسة التراث الإسلامي وبخاصة الجانب الصوفي منه. ونشر بعدئذ كتابا ضخما عن الحلاّج في عدة أجزاء.

ولا يزال هذا الكتاب مرجعا لكل الباحثين، وقد بذل ماسينيون جهودا كبيرة للتقريب بين الإسلام والمسيحية ودشن بذلك حوار الحضارات أو حوار الأديان قبل أن يتحدث عنه المعاصرون مؤخرا. وهو الذي أسس مجلة الدراسات الإسلامية عام 1926 والتي لا تزال تصدر حتى الآن.

وكان جاك بيرك يلقبه بـ «الشيخ الرائع» نظرا لميله نحو الإسلام ومحبته للمسلمين وعقيدتهم ونمط حياتهم. وكان حريصا جدا على تحسين علاقة فرنسا مع العالم العربي. ويمكن القول بأنه هو الذي دشن السياسة العربية لفرنسا. وهي السياسة التي سار على خطاها ورعاها الجنرال ديغول. وقد ولد ماسينيون عام 1883 ومات عام 1962 عن عمر يناهز التاسعة والسبعين.

أما الروائي المشهور فرانسوا مورياك (1885-1970) فقد كان في بداية حياته مؤيدا للمشاريع الاستعمارية. وقد وقع عام 1925 بيانا ضد المثقفين الشيوعيين والسورياليين الذين نددوا بالاستعمار الفاشي في اثيوبيا وبعد حرب اسبانيا والاحتلال النازي لفرنسا نفسها غير مواقفه وأصبح كارها لكل أنواع الاحتلال والاستعمار.

وفي عام 1952 نال مورياك جائزة نوبل للآداب على رواياته الناجحة. وتعرف عندئذ على مثقف مسيحي يدعى روبير بارات. وكان من ألد أعداء الاستعمار، وهو الذي أسس الجريدة المشهورة: الشهادة المسيحية. وهي الجريدة التي جمعت حولها معظم الكتاب المسيحيين اليساريين المضادين للحملات الاستعمارية الفرنسية وللجرائم التي ارتكبها هذا الاستعمار في مناطق شتى من العالم.

*الكتاب:قاموس الاستعمار الفرنسي

*الناشر: لاروس ـ باريس 2007

*الصفحات : 646 صفحة من القطع الكبير

Dictionnaire de la colonisation française

Larousse- Paris 2007

P.646