مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الانجليزي البرت تشارلز سيوارد المختص بتاريخ العلوم ونظرية التطور لداروين. وله أبحاث ومؤلفات عديدة عن الثورات العلمية والفكرية التي حصلت في أوروبا منذ عصر النهضة وحتى العصر الحديث. وبالتالي فهو يعرف كيف يموضع داروين ضمن المجرى العام لتاريخ العلم الغربي.
يقدم المؤلف في البداية لمحة عامة عن مؤسس نظرية التطور في الفكر الحديث ويقول بما معناه: لقد ولد تشارلز داروين عام 1809 وتوفي عام 1882 عن عمر يناهز الثالثة والسبعين. ودفن في كاتدرائية ويستمنستر الشهيرة التي تضم رفات عظماء انجلترا من علماء وفلاسفة وسياسيين، الخ. وكانت عائلته مليئة بالأطباء والعلماء والمثقفين. وبالتالي فقد تأثر بهذا الجو العلمي المثقف الذي شجعه على الانخراط في البحث والدراسة والتساؤل. فجده ايراسم داروين كان طبيبا وعالما بالنبات والحيوان بل وشاعرا. ووالده كان طبيبا أيضا وقد خلّف له إرثا كبيرا يمكنه من العيش حتى دون عمل إذا أراد. وهكذا استطاع أن يتفرغ للبحث في العلوم الطبيعية بمنأى عن أي هاجس أو قلق مادي. ويبدو أنه كان مشغولا منذ نعومة أظفاره بالبحث عن بنية الكائنات الحية وتركيبتها العضوية
. ولذلك كان يختلي بنفسه في الطبيعة كثيرا لدراسة العصافير وبقية أنواع الطيور والحيوانات. ثم قام بعدئذ برحلة طويلة حول العالم حيث أشبع فضوله المعرفي عن نباتات العالم وحيواناته وكائناته البشرية وغير البشرية. وسوف يكون لذلك تأثير كبير على نظريته لاحقا.
وقد دامت رحلته الشهيرة هذه أربع سنوات وبضعة أشهر. واستطاع خلالها أن يجمع العديد من الملاحظات التجريبية التي ساعدته لاحقا على تحقيق اكتشافه الكبير من أصل الأنواع البشرية وغير البشرية.
وبالطبع فإن أبحاثه خلال هذه الرحلة الطويلة تركزت على دراسة المستحاثات الحيوانية والنباتية التي تعود إلى آلاف السنين. وكان هدفه من كل ذلك دراسة المتغيرات التي طرأت على الأنواع الحيوانية على مدار القرون. وهذه التحولات التي طرأت هي التي أدت به إلى اكتشاف نظرية التطور. ومعنى ذلك أن كل الكائنات الحية ناشئة عن بعضها البعض بواسطة الاصطفاء الطبيعي والتطور الذي يطرأ عليها.
ولكن هل كان داروين أول من اكتشف نظرية التطور يا ترى؟ أم أنه سبقه إلى ذلك بعض العلماء والفلاسفة حتى ولو على سبيل التلميح لا التصريح؟ على هذا السؤال يجيب المؤلف قائلا بما معناه: كان هناك أسلاف لداروين فيما يخص علم البيولوجيا.
فلا ينبغي أن ننسى أولاً جده ايراسم داروين الذي ألف كتابا يوحي بنظرية التطور وارتباط الكائنات الحية ببعضها البعض. وكان هناك العالم الشهير لامارك، وقبله مباشرة كان هناك بعض فلاسفة التنوير الذين أرهصوا بهذه النظرية العلمية. نذكر من بينهم ديدرو صاحب الموسوعة الشهيرة وبوفون أكبر عالم بيولوجي في ذلك الزمان.
ثم يضيف المؤلف قائلا:
ولكن يبقى صحيحا القول بأن داروين هو مخترع نظرية التطور بالمعنى الحديث للكلمة. فكتابه الشهير «أصل الأنواع» يشكل ثورة كبرى في تاريخ العلم الحديث، ولكنه صعق حساسية أهل زمانه بل والأزمنة اللاحقة.
وهاجمه رجال الدين هجوما عنيفا لأنه يناقض ما جاء في النصوص المقدسة لليهود والمسيحيين. وبالتالي فقد حصل لداروين ما حصل لغاليليو من قبله. فالمؤمنون المسيحيون هاجموه واتهموه بالكفر والإلحاد والإغراق في النزعات المادية. وقالوا إن نظريته تمثل أكبر احتقار للإنسان لأنها تنزله من عليائه إلى مرتبة البهيمة أو الحشرة أو الحيوان بكل بساطة.
وقالوا: لا علاقة إطلاقا للإنسان ببقية الكائنات الحية لأن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان على شاكلته وجعله خليفة له في الأرض. وبالتالي فما العلاقة بين الإنسان والقرد؟ لعن الله داروين والداروينيين الذين خفضوا قيمة الإنسان وأنزلوه إلى الدرك الأسفل بعد أن رفعه الله إلى أعلى مرتبة.
وحاول داروين أن يرد عليهم قائلا بأنه ليس كافرا ولا ملحدا وإنما هو عالم يدرس ظواهر الطبيعة كما هي لكي يستخرج القوانين التي تتحكم بها. وإذا كان هناك من تشابه في الوظائف العضوية بين الإنسان والحيوان كالأكل والشرب والتناسل والحياة والموت
فإن ذلك لا يعني أن الإنسان هو حيوان بالكامل أو حيوان فقط. وإنما هو يرتقي إلى مرتبة أعلى من الحيوان بفضل عقله وذكائه غير الموجود لدى أي كائن حي على وجه الأرض غيره. صحيح أن القرد من فصيلة الشمبانزي يتمتع بحد لا بأس به من التفكير والذكاء ولكن هناك مسافة كبيرة بينه وبين الإنسان.. هناك حلقة ضائعة.
وهكذا اندلعت المناظرات والصراعات الفكرية طيلة القرن التاسع عشر بين أتباع نظرية التطور ومعارضيها. بل ولا تزال مندلعة حتى الآن في أميركا. وهناك مدارس عديدة في جنوب الولايات المتحدة لا تزال ترفض تدريس نظرية التطور لداروين بحجة أنها مضادة لما جاء في الكتاب المقدس: أي التوراة والإنجيل.
وهناك مدارس عديدة تدرس نظرية داروين والنظرية المضادة لها والواردة في سفر التكوين. وعلى الطالب أن يختار بينهما. الأولى تقول بأن الإنسان يمثل قمة التطور الذي طرأ على الأنواع الحيوانية في الطبيعة على مدار الأجيال. والثانية تقول بأن الله خلقه لوحده خلافا لكل الكائنات الحيوانية الأخرى الموجودة في الطبيعة. وبالتالي فلا علاقة للإنسان بالقرد مثلا أو بالشمبانزي على عكس ما يزعم داروين.
وكما أن نظريتي غاليليو ونيوتن شغلتا القرنين السابع عشر والثامن عشر، فإن نظرية داروين شغلت القرن التاسع عشر، بل وهناك بلدان عديدة ترفض تدريسها في مدارسها بحجة أنها مضادة للدين.
ولكن داروين رد عليهم مسبقا قائلا بأن نظريته ليست مضادة للتعاليم الإلهية وإنما تحاول أن تفسر قوانين الله في خلقه. وقال بأن التفسير العلمي للظواهر الطبيعية بما فيها الإنسان لا يمكن أن يتعارض مع الحكمة الإلهية.
وبالتالي فالمتدينون المسيحيون يقرأون نصوصهم بشكل خاطئ، ولا يفهمون التعاليم الربانية بشكل جيد. ولهذا السبب يحصل تناقض بين العلم والدين في حين أنه لا يوجد أي تعارض إذا ما فهمنا الدين والعلم بشكل صحيح.
ولكن على الرغم من كل هذه التبريرات إلا أن أكبر الجامعات الانجليزية رفضت كتاب داروين ومنعت قراءته أو قل إنها رفضت أن تقتنيه. هذا ما فعلته جامعة كامبردج مثلا لسنوات طويلة قبل أن تتراجع عن خطئها.
وأما الاكليروس المسيحي فقد شن على داروين حملة شعواء متهما إياه بالهرطقة أو بالخروج على الدين. وقد قال عنه أسقف جامعة أوكسفورد ما يلي: إن تشارلز داروين شخص سطحي، وقد أساء للعلوم الطبيعية وشوه سمعتها بنظرياته الحيوانية والمادية المحضة. فهل يمكن للإنسان، هذا الكائن الأعلى، أن يكون سليل الحشرات والبهائم؟ ما هذا الجهل والكفر والغباء!! وهل يمكن لعاقل أن يشبّه الإنسان الذي كرمه الله وأنعم عليه بالقرد؟ معاذ الله.
ثم يختتم المؤلف كلامه قائلا: ولكن على الرغم من كل ذلك فإن نظرية داروين صمدت وانتشرت في كل بلدان العالم وأصبحت إحدى أهم الاكتشافات العلمية في العصور الحديثة. وقد أثرت على كل الفلاسفة لاحقا من ماركس، إلى انجلز، إلى نيتشه وفرويد.
*الكتاب:داروين والعلم الحديث
*الناشر:بيبر باكشوب ـ لندن 2006
*الصفحات: 500 صفحة من القطع الكبير
Darwin and modern science
Paperbackshop- London 2006
P.500

