ليس من قبيل الصدفة أن فوز رواية «التجمع» بجائزة بوكر جاء مفاجأة بالنسبة للكثيرين، حيث كانت الرواية الأقل توقعاً من حيث إمكانية نيلها للجائزة، فقد وصفت بأنها رواية شديدة القتامة وصولاً إلى حد الكآبة المطلقة، ولم يتردد بعض من قرأوها في وصفها بأنها مضجرة تماماً، على حين ذهب البعض الآخر إلى طرح نقيض ذلك تماماً بالقول إن سعادتهم بها وصلت إلى حد الافتتان.
فأين الحقيقة في غمار غابة التناقضات في الحكم على «التجمع»؟ الإطلالة الأولى على هذه الرواية تؤكد أننا أمام عمل لا يفتقر إلى الصعوبة ولا إلى التعقيد. إنها رواية تدور حول أمور كثيرة وحول أمر واحد، كما كان حرياً براويتها المفعمة بالتناقض أن تقول لنا. «التجمع» رواية حول الموت والجنس، كما قالت مؤلفتها في حوار «بلفاست تلغراف» معها، ولكنها أيضاً رواية حول العائلات والأسرار والذاكرة، رواية حول الايرلنديين في السابق واليوم، ولكنها جميعها تدور أيضاً حول الكيفية التي يمكن بها لواقعة واحدة في الطفولة أن تجمد نمط حياة بأسرها. دعنا نتفق، ابتداء، على أن الرواية تستهل بالموت، حيث تبلغ فيرونيكا أمها بأن ليام، شقيقها، قد مات. وهو لم يمت موتاً عادياً، وإنما قضى نحبه منتحراً. وهذا الانتحار، الذي يرتبط بزيارة المنزل الذي أمضت فيه فيرونيكا طفولتها والسهرة على الميت التي توشك أن تتم، يجعلها تنطلق باحثة عن الذكريات وعن أسباب موته، وحياته أيضاً.
وحياة فيرونيكا الراهنة ترتجف في غمرة الجنون المؤقت النابع من الحزن على الأخ الراحل، فيما ماضيها يغتصب واقعها، ولكي نضع يدنا على الحقيقة، أو على الأقل لكي نطالب بهذه الحقيقة لابد من إعادة بناء الجوانب الغامضة، الجنسية والذهنية، في حياة هذه العائلة الايرلندية، وهي العائلة التي تقول المؤلفة إنها قد وجدت من أجلها.
هكذا، على مهل، تقدم لنا آن إنرايت رواية تنطلق من رحاب التقاليد منطلقة نحو شيء جديد تماماً بكل المعايير. وعلى الرغم من أننا نجد أنفسنا أمام رواية مختلفة عن رواية «رماد انجيلا» على سبيل المثال، إلا اننا حيال رواية ايرلندية بامتياز، ولذا فإن الماضي يظل قريباً منا على الدوام، فها هي الأم التي تنجب العديد من الأبناء، والأب الذي لا يتردد في لطمهم بجمع كفه، والأشباح التي تملأ الدار، وما هو أسوأ من ذلك بكثير.
تنطلق آن إنرايت بنا في رحاب هذا الميراث الحافل بعناصر القلق، ليس من منطلق الإشفاق على الذات، ولكن بالقبضات والبصقات. ولا تردد الرواية في غمار الحديث عن الواقعة الباعثة على الشعور بالصدمة والتي تشكل جوهر الرواية: «إنني أشعر بأنها تزأر بداخلي». وبالفعل فإن شعوراً عميقاً يساورنا ونحن نوغل في الرواية بأنها تصرخ راعدة، وقد غمرها الغضب.
بهذا المعنى فإن الرواية تستفزنا وتطرح علينا التناقضات باستمرار. ومع التسليم بأنه ما من عبارة واحدة يمكن أن تلخص رواية من هذا النوع، إلا أن فيرونيكا تبدو لنا كما لو كانت تختصر الكتاب مع اقترابه من نهايته بقولها: «يا إلهي، إنني أكره عائلتي!
فأنا لم أختر قط حب هؤلاء الناس، لكنني على الرغم من ذلك أحبهم جميعاً».إن الإيقاعات التي تقدمها آن إنرايت في هذا العمل هي إيقاعات ايرلندية، لاشك فيها، ولا سبيل إلى الخطأ بشأنها، ولكن هناك أيضاً بعض الكوميديا السوداء الحادة، وهناك أيضا الميل إلى توظيف العامية باقتدار.
ولابد للقارئ من أن يلاحظ أن اللغة في هذا العمل لا تنزلق من دون أن يلحظها أحد، وإنما هي تجتذبه، حتى لتوشك على أن تأخذ بخناقه وخاصة من خلال الصور غير المتوقعة، حيث نقرأ مثلاً قول إنرايت: «صحته تملأه مثلما تملاً برقوقة جلدها».
وليس بمقدور القارئ أن يتراجع تركيزه لحظه أو أن يسمح لنفسه بأن تفوته إيماءة أو التفاته، وإلا فقد تكون العاقبة أن يهرب منك شيء جوهري في متابعة مسيرة الرواية. إن إنرايت تنصب الفخاخ للقارئ على امتداد العمل، تماماً كما تنصبها الذاكرة، ومن ثم فهي تستدرجك إلى واقعة بعينها ثم في التو نتساءل عن واقع هذه الواقعة.
وشأن الذاكرة أيضاً فإن نثرها يثير القلق بشأن قضايا لم تحسم، ويطرح التساؤلات بشأن جوهر المعاني المقصودة. ومتابعة مثل هذه المسيرة عملية مؤلمة وصادقة، فالرواية أقرب إلى اليوميات منها إلى القص، وليد الخيال، خاصة وأن المعنى يظل مراوغاً، والكثير من الأطراف تظل فالتة وبعيدة عن التقييد وإحكام الإمساك بها. والأمر كما تطرحه فيرونيكا بطريقتها الخاصة: «إننا بشر في حالتنا الخام، الوحشية».
أنا وأمي
«في بعض الأيام، لا أتذكر أمي. أتطلع إلى صورتها وتهرب مني. أو أراها في يوم أحد، بعد الغداء، ونقضي أصيلاً بهيجاً معاً، وعندما أغادر أجد أنها قد تسربت من خلالي كالماء». تقول: «إلى اللقاء!» وهي تتراجع مختفية.
«إلى اللقاء يا ابنتي الحبيبة!» وترفع محياها الرقيق العجوز عالياً، لتتلقى قبلة. لا يزال ذلك يثير حنقي. الطريقة التي يبدو أنها تختفي بها، عندما أبتعد، وعندما أنظر لا أرى إلا الحافات وحدها.
أعتقد أنني سأمر بها في الشارع، إذا قُدِّر لها يوما أن تبتاع معطفاً مختلفاً. لو أن أمي ارتكبت جريمة فلن يكون هناك شاهد على ذلك، فهي النسيان مجسداً. «أين حقيبة يدي؟» هكذا اعتادت القول، عندما كنا أطفالاً، أو ربما يكون ما تبحث عنه هو مفاتيحها أو نظارتها. «هل رأى أحد حقيبة يدي؟» وتصبح هنالك حقاً على امتداد تلك الثواني القلائل، توشك أن تكون هنالك، فيما هي تمضي من القاعة إلى غرفة المعيشة، إلى المطبخ، وتعود من جديد.
*الكتاب: التجمع
*الناشر:جوناثان كيب ـ لندن 2007
*الصفحات:272 صفحة من القطع المتوسط
The Gathering
Anne Enright
Jonathan Cape- London 2007
P.272

