بادرت كريس راسل، المحررة الثقافية بصحيفة «بلفاست تلغراف» إلى إجراء هذا الحوار مع الروائية الايرلندية آن إنرايت عقب فوزها بجائزة بوكر، التي تعد الجائزة الأكثر أهمية في العالم الأدبي الناطق بالانجليزية، ليس من حيث قيمتها المادية التي تعد متواضعة بالمعايير العالمية.

حيث لا تتجاوز 52500 جنيه إسترليني، وإنما لأنها تقفز بمبيعات الطبعة ذات الغلاف السميك من العمل الفائز بها إلى مئة ألف نسخة قبل نهاية العام، فضلاً عن التقدير الأدبي الكبير للفائزين بها. وقد ألقت إنرايت الضوء على روايتها الفائزة بالجائزة والتي تحمل عنوان «التجمع» والنبع الذي صدرت عنه هذه الرواية والسر في تأكيد النقاد على طابعها القاتم وتركيزها على الأمومة وصعوبات حياة العائلات الايرلندية.

وفيما يلي نص الحوار:

تعد آن إنرايت، التي تبلغ الخامسة والأربعين من العمر، أحد الأصوات الأكثر جدة وطزاجة في الأدب الايرلندي، وقد أثارت روايتها «التجمع» اهتماماً كبيراً مع فوزها بجائزة بوكر.

* سبق لك الفوز من قبل بجوائز عن كتبك، في مقدمتها جائزة روني عن «العذراء المحمولة» في 1991 وجائزة الجمعية الملكية للمؤلفين عن «ما الذي تشبهه؟» في عام 2000 ورشح عملك الموسوم «الشعر المستعار الذي يضعه أبي» للفوز بجائزة صحيفة «آيريش تايمز» في 1995. ولكن بوكر هي «الجائزة الكبرى» أليست كذلك؟

ـ بوكر هي بالقطع الجائزة الكبرى بالنسبة لصناعة النشر. وبقدر ما يتعلق الأمر بالناشرين، فإنها الجائزة الوحيدة. وهذه هي المرة الأولى التي يجري ترشيحي للفوز بها، ولكن فوزي بها ليس قصة انتقال من المحل إلى الثراء الطائل، حيث أنني بداية لم أكن أحقق انجازاً سيئاً، وهي دفعة كبرى للأمام في منتصف المسيرة الإبداعية.

* هل «التجمع» هو الكتاب الذي تفخرين به أكثر من غيره في مجمل أعمالك؟

ـ لست أشعر بالفخر حقاً بكتبي، وغالباً ما أجد من الصعب تماماً النظر فيها من جديد. وأحسب أنني أولع بها لكنني أحدث نفسي على الدوام بأن الكتاب التالي سيكون أفضل. وربما كان «إنجاب الصغار» وهو الكتاب الذي أنجزته حول تجربة كوني أماً هو الكتاب الذي اعتز به أشد الاعتزاز، وقد كان تأليفه شيئاً طريفاً للغاية.

* ما هو مصدر إلهام هذا الكتاب؟

ـ لست أدري ما إذا كنت أتلقى «إلهاماً» أبدا للكتابة. الأمر أقرب إلى حالة من الجلوس على مقعد والعكوف على تجاذب الأشياء إلى أن أدرك على مهل ما الذي أريد كتابته. وقد ساورني الشعور كما لو أن قصة عائلة هيجارتي هذه قد وجدت من أجلي،

حيث أنني ساورني الشعور بأن انتحار البطل ليام هو أمر جلي في ذاته، ولم أشعر إلا بعد أن قطعت شوطاً طويلاً في الكتاب ـ فجأة ـ بأنه من الأفضل لي أن أحدث الناس بما وقع. وساورني الشعور كما لو أن القصة قد وجدت قبل أن أكتبها.

* هذا يفرض الحديث عن أمور واردة في الكتاب مثل الانتحار والعكوف على الشراب. هل تنبع كتابتك من مصدر بالغ القتامة؟

ـ كلمات العكوف على الشراب لا ترد في كتابي أبدا، وليام أقرب إلى مولع بالشراب من الطراز العتيق. ولكن نعم، إن هذا الكتاب ينبع من مصدر بالغ القتامة. فالكتابة موهبة مأساوية وأنا لم أشعر قط بالخوف بصفة خاصة من الجانب الأكثر قتاماً من الأشياء. وساورني الشعور بأن القصة ظلت جاثمة على امتداد سنوات طويلة، وقد حفرت عميقاً في داخل نفسي لكتابتها.

* هناك موضوعان أساسيان يبرزان من بين موضوعات الرواية وهما الموت والجنس؟

ـ إنني أكتب كذلك عن الميلاد، ولكن هناك بالقطع نظرية مفادها أن معظم الكتب يدور 60% منها عن الجنس و40% منها عن الموت أو 40% منها عن الجنس و60% منها عن الموت! واعتقد أن الجنس موضوع كتب عنه الرجال بلا انتهاء وقد حدثت نفسي بأن عليَّ انتزاع جانب من هذه الأرض لنفسي. وهناك بالفعل قوة وضراوة فيما يتعلق بالكيفية التي أشعر بها أن الميلاد هو جزء من الجنس، وبهذا المعنى فإنني أحتج على النظرة الضيقة إلى الجنس.

* يتألق على امتداد الكتاب افتتانك بالأمومة وخيانة الأطفال.

ـ لقد كنت على الدوام مهتمة بالروابط العضوية. وقبل سنوات ألفت كتاباً بعنوان «ما الذي تشبهه؟» والذي يدور حول توأم لهما الحمض النووي ذاته ينفصلان أحدهما عن الآخر. وأنا مهتمة بذلك المفهوم عن أيهما أقوى: الحب العضوي أم الحب المختار،

وأقصد بذلك حب العائلة التي تنتمي إليها والتي توشك أن تكون مضطرا إلى حبها أو الوقوع في الغرام. وفي الكتاب فإن الشخصية الرئيسية، وهي شخصية فيرونيكا، تصل إلى قرار مفاده أنك لابد لك دائماً من أن تحب عائلتك.

* هكذا فإنك تشعرين بأن الصلة العضوية أقوى من أي شيء آخر؟

ـ بوصفي أماً فإنني أعتقد أن الصلة بين الأم وابنها أقوى من أي صلة أخرى. ولكن بالمعايير الثقافية فإنني أعتقد أن أبناء الشعب الايرلندي ليس بمقدورهم ترك عائلاتهم أبداً. وأعتقد أنه من الشائع بشكل أكبر في بريطانيا أن يكون بمقدور الناس الابتعاد عن عائلاتهم وألا يرونها،

ولكني لا أعتقد أن أبناء الشعب الايرلندي يمكنهم القيام بذلك، ومحاولتهم ترك عائلاتهم تشبه محاولتهم ترك الكون كله. وأنا لست على يقين من السر في ذلك، وربما كان يرجع إلى أن الهجران ينظر إليه على أنه نوع من الفشل. إنني لست واثقة من ذلك.

* ما الذي جعلك تريدين الكتابة عن تجربتك الشخصية في الأمومة على نحو ما فعلت في كتابك «إنجاب الصغار»؟

ـ عندما ولدت ابنتي كتبت مقالة عن الرضاعة الطبيعية، لأنني اعتقدت أنها شيء شديد التميز، أن جسمي تعلم القيام بشيء جديد تماماً بالنسبة إليه، كان الأمر شبيها بأن استيقظ وأشعر بأنني قادرة على العزف على البيانو. وقد أدركت أن بمقدوري أن أقول شيئاً بالطريقة المناسبة عن موضوع الأمومة وأنني أعرف أنني أريد كتابة شيء أكثر طولاً،

ويرجع ذلك في أحد جوانبه إلى البرهنة على أنني لايزال ذلك بمقدوري. وأن يكون لك أطفال يمكن أن يعني أن تصاب بوجع الرأس، وتلك هي الكيفية التي رأى بها الكتاب النور. وكان ذلك شيئاً لا يصدق. وقد جاء إلى أناس باكين بعد قراءة الكتاب. ولم يكن قد سبق لي أن جعلت أحداً يبكي من قبل قط.

* لماذا في اعتقادك كان لهذا الكتاب أثر قوي؟

ـ لقد كان كتاباً أميناً، فهو لم يكن كتاباً يدور حول أن الأم تعادل فطيرة تفاح، أو أن الأم ينبغي أن تشعر بالذنب لتركها الطفل والذهاب لتعليق الملابس على الحبل. إن الأساطير التي تدور حول الأمومة بالغة التطرف.

ومن الأساطير الثقافية التي أردت تعريتها في «التجمع» أسطورة المحتوى التوالدي بلا انتهاء للأم الايرلندية. وقد كان كتاب «إنجاب الصغار» عملاً يدور حول الأمومة من وجهة نظر أنانية للغاية. لقد كان شيئاً متعلقاً بذاتي، بنفسي، بكينونتي.

* هل ستكونين حريصة على تأليف كتاب آخر عن الأمومة؟

ـ لدي الآن طفلان، هما ابنة في السابعة من العمر وابن في الرابعة من عمره، وما سأقوله هو أن الأمر يغدو أيسر مع مرور الوقت، ولكنني لا أعتقد أنني سأقوم بتأليف كتاب آخر حول ابني. وهناك عمود حول العيش مع أبناء في سن المراهقة أحب أن أقرأه في صحيفة «الغارديان». ولكنني لم يكن بمقدوري الكتابة عن ابني في ذلك الوقت من دون أن يكون ذلك غزواً لحياتهما.

محطات في مسيرة إنرايت

*ولدت الكاتبة الايرلندية آن إنرايت في دبلن عام 1962 وتلقت تعليمها في دبلن وكندا ودرست مساق الكتابة الإبداعية في جامعة إيست انجليا، وعملت منتجة للبرامج التلفزيونية في دبلن على امتداد ست سنوات. وهي تقدم برامج حالياً في محطة آر. تي. إي. وتكتب في مطبوعتي «لندن ريفيو أوف بوكس» و«آيريش تايمز».

*لإنرايت مجموعة قصصية بعنوان «العذراء المحمولة» فازت عنها بجائزة روني للأدب الايرلندي في عام 1991. وأربع روايات هي على التوالي «الشعر المستعار الذي يضعه أبي» التي دخلت القائمة القصيرة للفوز بجائزة صحيفة آيريش تايمز» في 1995 ورواية «ما الذي تشبهه؟» ورواية «بهجة إليزا لينش» وأخيراً رواية «التجمع» التي فازت مؤخراً بجائزة بوكر ولها كتاب بعنوان «إنجاب الصغار» يدور حول قضايا الأمومة.

*تصدر لها قريباً مجموعة قصصية ثانية.

منى مدكور