يشكل هذا الكتاب (الرؤيا الإبداعية في أدب خيري شلبي ) للناقد محمد الفارس رحلة نقدية تحاول إضاءة جماليات الرؤية في أعمال الكاتب خيري شلبي روائيا وكاتب مقال وباحثا على مستويي المضمون والأسلوب، فضلا عن استعراضه لمجمل إسهامات شلبي.

حيث تتعدد وتتنوع لتشكل في النهاية ثراء عرف به الكاتب على مدار حياته ولا يزال فمنذ قصة «موال في الزمن القديم» التي كتبها عام 1963 حتى الآن، وخيري شلبي دؤوب داخل صومعته في الكشف عن جوهر الإنسان وعلاقته بالوجود من ناحية، وبالواقع المعيشي من ناحية أخرى .. من خلال حياة الذين يعيشون تحت خط الصفر من الفقر. فخيري شلبي قامة كبيرة، وقيمة كمبدع ما يقرب من نصف قرن - حصل على جائزة الدولة عام 1980 ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى في نفس العام وجائزة اتحاد كتاب مصر عام 2003 . نشطة متنوعة، وإلى جانب رواياته وقصصه كتب حوالي ألف أو أكثر من تمثيلية إذاعية وتلفزيونية . كتبه المنشورة قاربت الخمسين كتابا .

وقد اكتشف في السبعينيات من القرن الماضي أكثر من مائتي مسرحية مطبوعة في القرن التاسع عشر وأواسط القرن العشرين . من هذه المسرحيات نص « فتح الأندلس » لمصطفى كامل، ونص « الراهب » لأمين الخولي أيضا اكتشف قرار النيابة في التحقيق مع طه حسين بسبب كتابة : الشعر الجاهلي . وباكتشافه هذا القرار تبين أن النائب العام حفظ القضية لعدم كفاية الأدلة .. ( كتاب خيري شلبي بعنوان : محاكمة طه حسين).

والروائي خيري شلبي باحث أيضا .. كتب في البورتريه عدة كتب منها : « أعيان مصر »،

و « صحبة العشاق » و « فرسان الضحك » . وفي الدراسات الأدبية له كتب مثل « غذاء الملكة» و«لطائف اللطائف» هي السيرة الذاتية للشعراني ـ و«أبو حيان التوحيدي » و «مؤرخو مصر الإسلامية» . وله أيضا « مسرح الأزمة - نجيب سرور » و «عمالقة ظرفاء» .

وقد عمل أستاذا زائرا في معهد الفنون المسرحية لتدريس تاريخ المسرح المصري . وقد أخرج نادر جلال للسينما روايته الشطار، وأخرج داوود عبد السيد قصة قصيرة له في فيلم بعنوان سارق الفرح، كما قام خيري شلبي بكتابة سيناريو وحوار مسلسل « الوتد » إخراج محمد راضي، والكومي عن ثلاثية الأمالي إخراج أحمد النحاس .

وقد ترجمت معظم رواياته إلى الروسية والصينية والانجليزية والفرنسية والايطالية والأوردية والأسبانية وغيرها خصوصا رواياته : الأوباش، والوتد، وفرعان من الصبار، وبطن البقرة، ووكالة عطية، وصالح هيصة . وقد قدمت عن أعماله عدة رسائل ماجستير و دكتوراه في جامعات القاهرة وطنطا والرياض وغيرها .

وينقسم الكتاب إلى أولا : جدلية المضمون حيث : (أ) المرحلة الأولى : التناغم مع آليات التراث الشعبي داخل النسيج السردي . (ب) المرحلة الثانية : الغرائبية . حيث الواقع أغرب من الخيال وإنتاج الدلالة تفصح عن أن الإنسان شرير في مجتمع تناقض الأضداد؛ فيه يفقد الإنسان إنسانيته .

يقول الناقد محمد الفارس : في المرحلة الأولي صنع خيري شلبي أسطورته هو، منذ روايته السنيورة؛ فضفر التعبيرات الشعبية والأمثال والحكم ... الخ غائصا في عناصر المأثورات عبر تاريخ هذا التراث منذ المصريين القدماء إلى اليوم . هذا التضفير اعتمد على عنصري الزمان والمكان - كما اعتمد على الوجودية بمفهوم عربي إسلامي ..

فالأنا وحدها في اغتراب، أما الآخرون ـ الجحيم . لكن هذا الإنسان المهمش الذي فقد إنسانيته، يعيش حاملا الأمل في التعويض في العالم الأخر؛ حيث ينصب ميزان العدل كما جاء في الديانات المصرية القديمة؛ أو بعد ذلك لما نزلت الديانات السماوية هذا الإنسان المهمش لم يدفعه الواقع ببشاعته، إلى السلبية والتواكل .. وإنما صار يحتال على الحياة من أجل أن يعيش ( وكالة عطية مثلا في المرحلة الثانية، وهي مرحلة الغرائبية).

ويؤكد المؤلف أن خيري شلبي يضرب على وتر الموت .. وعلى وتر إيجاد معنى للحياة رغم عبثيتها .. مع تناسق هارموني من التهكم الجدلي ـ هذا نلاحظه في روايته وقصصه جميعا . أما الجزء الثاني من الكتاب فعنوان (جدلية الأسلوب) يقول المؤلف : المرحلة الأولى من السنيورة 1974 حتي 1991 مرحلة مزج آليات التراث الشعبي لابسرد،

أظهرت الكامن الذي أوجده مستترا بنعومة، ومتناغما في هارموني متسق، داخل النسيج البنائي في شكل عاشق ومعشوق . لكن منذ وكالة عطية 1991 وما بعدها، تحولت هذه الآيات في غالبية أعماله خلال مشروعه أو نسقه، إلى إنتاج دلالة جديدة يسبب تقدم سنوات العمر، وبالتالي الحكمة أو النظر العقلي .

وقد بان سر شفرات نصوصه في تكرار أسماء وشخصيات وأماكن وقضايا مثل : يتم الفقر أو علاقة السيد والعبد أو دجل المرشحين وزيفهم ـ وقد وردت هذه التكرارات في المرحلة الثانية: لإظهار المخبوء في نظرية العود الأبدي، أي تكرار الليل والنهار

وتعاقب الفصول، وتدوير الهلال متحولا تدريجيا إلى بدر متكامل ثم مرة أخرى تدريجيا إلى هلال . إنه قانون الطبيعة وفلسفة التاريخ التي تصنعها الشعوب بإرادتها لا بالتكاسل والتواكل؛ في انتظار التدريجية التي سوف تأتي وحدها تبعا للتدرج في القانون الطبيعي .. في هذه الحالة تتحول الشعوب التي بلا إرادة إلى الانقراض .

ويضيف المؤلف : إنتاج الدلالة في الدراسة طوليا؛ في أفكار ومضامين القصص والروايات؛ بترتيب تواريخها وبمنهج انتقائي غالبا أو في الدراسة العرضية حيث فرج عناصر التراث الشعبي بتناغم مع عملية السرد .. ثم كان إنتاج الدلالة في المرحلة الثانية التي هي مرحلة الغرائبية منذ 1991 على نحو ما سنرى .

محمد الحمامصي

*الكتاب: لرؤيا الإبداعية عند خيري شلبي

*الناشر:لهيئة العامة لقصور الثقافة ـ القاهرة 2007

*الصفحات:168 صفحة من القطع المتوسط