مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور علي بو عناقة حاصل على دكتوراه الدولة في علم الاجتماع من جامعة القاهرة عام 1989 ويعمل حاليا أستاذا لعلم الاجتماع في جامعة منتوري بقسنطينة وله دراسات عديدة نشرت في مجلة المستقبل العربي وفي دوريات جزائرية وعربية عديدة .

ومن خلال كتابه يحاول المؤلف تقديم رؤية متكاملة بشأن قضايا الشباب ومشكلاته والتي تحتل حيزا واسعا في الدراسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتربوية والإعلامية نظراً إلى أهمية هذه الشريحة في حياة أي مجتمع ودورها في التغيير والتطوير. ويعمل المؤلف على تحقيق ذلك من خلال تقديم دراسة تطبيقية لمشاكل الشباب الجزائري كنموذج للشباب العربي. وقد تمحورت الدراسة حسبما يشير الكاتب في اتجاهين الأول هو الجانب التاريخي المقارن الذي يتجلى في تحليل التراث السوسيولوجي عن الجريمة لتصنيفه وتنقية الأفكار والقضايا المتعلقة به لكشف ما بداخله وما بينه من سبل علمية ومنهجية. أما الاتجاه الثاني فيعمد إلى النظرة المتعمقة لتاريخ الظاهرة موضوع البحث في المجتمع الجزائري مع تدعيم ذلك بدراسة إمبريقية تطبق على الواقع في مجتمع محلي.

ويتحدد هدف الدراسة في تحليل وضعية اجتماعية خاصة تتمثل في الأحياء المتخلفة التي تمارس تأثيرا على فئة الشباب التي تشكل حوالي 73% من مجموع السكان. كما تهدف أيضا إلى تحديد ما إذا كان السلوك الإجرامي لدى الشباب وليد الظروف التي نجمت عن العلاقة بين الاستعمار الفرنسي كمستعمر وجه جهده لتشويه أنماط حياة المجتمع الجزائري؟

وما إذا كان السلوك الإجرامي عند الشباب في دول العالم الثالث والجزائر واحدة منها ظاهرة تاريخية اجتماعية أي أنها ناتجة عن تطور النظام الاجتماعي قبل وبعد الاستقلال؟ وكيف نشأت الأحياء المتخلفة وعلاقتها بالسلوك الإجرامي لدى الشباب؟

وهل السلوك الإجرامي في الأحياء المختلفة نتيجة للمخالطة الفارقة أو للصراع القيمي أو لعوامل اقتصادية تاريخية أفرزته؟ وقد ساعد أسلوب الدراسة الذي جمع بين الملاحظة المنتظمة والتعامل مع قول المبحوث وما تقدمه الجهات الأخرى من قضاء وإعلام ومشرفين على توظيف ذلك داخل ميدان مواجهة الظاهرة الاجتماعية.

وحسبما يشير المؤلف فإن النتائج التي انبثقت عنها الدراسة يمكن أن تكون موجها لوقاية الشباب من المشاكل الاجتماعية. وقد توصلت الدراسة إلى أن فاعلية عينة البحث في المجتمع - والتي تتراوح أعمارها ما بين 18 إلى 23 سنة

وهى كما يبدو مرحلة تتميز بالحيوية والحساسية تتوسط بين الأسرة والمجتمع ـ ضعيفة لهامشية أدوارهم وهو ما يتأكد من خلال النظر إلى عملية اندماج الشباب في المجتمع التي تتسم بواسطة ثلاث علاقات متفاعلة لا يمكن الفصل بينها هي : له علاقة بالحياة الاجتماعية، له علاقة بالعمل، له علاقة بالسكن.

ويشير المؤلف إلى أن من المؤكد ميدانيا أن هذه الفئة تعاني سد هذه الجسور ومن ثم غض الطرف عن الافتراض الذي مفاده أن الشباب هم دم الحياة للتنمية الجديدة في المجتمع والذي يتطلب تيسير المنافذ الاجتماعية السوية للشباب للعلم وللدراسة في ضوء أن هذه الفئة تمثل أكثر من ثلثي المجتمع مجال الدراسة.

ويذكر المؤلف أن معطيات الدراسة أكدت هجرة أسر المبحوثين وهو ما يسمح بالقول إن التنمية المتبعة لم تحقق التناسق الكامل بين القطاعات ما نجم عنه خلل بين الريف والمدينة، وهى الظاهرة التي تعاني منها معظم دول العالم الثالث والجزائر واحدة منها حيث تعيش الظاهرة التي أفرزت بدورها ظاهرة الأحياء المتخلفة لعوامل اقتصادية واجتماعية مختلفة.

وفي ذلك يشير الدكتور علي بو عناقة إلى أن عدد هذه المساكن في الجزائر بحسب ما تبين الإحصاءات الخاصة بذلك يقدر بنحو 493 ألفا و 505 وحدات سكنية، موضحا أن نحو 5. 18 في المائة من المساكن تشكل بنايات بالية وأكواخا وبيوتا قصديرية كما تبين من التحليلات الإحصائية وهى نتيجة تتفق واتجاه مدرسة التبعية ودراسات أخرى.

ومما توصل إليه الباحث من خلال مادة دراسته أن حجم الأسرة كبير بلغ في بعض الأحيان 11 إلى 13 فردا لما له من أثر سلبي على الجوانب الحياتية للأسرة وفي هذا السياق تشير الإحصاءات إلى أن هناك 20 ألف أسرة بلغ متوسط عدد أفرادها 11 فردا تسكن غرفة واحدة وهى ظاهرة تبعث على التأمل في كيفية تكوين الذات وتنشئة نسبة لا يستهان بها من الشاب يتأثرون أكثر مما يؤثرون.

ومن النتائج ذات الأهمية التي كشفت عنها الدراسة انقطاع عينة البحث عن الدراسة لسبب من الأسباب إضافة إلى أن مستواهم التعليمي لا يتجاوز في اغلب الأحوال مستوى المتوسط وهو مستوى لا يخول صاحبه الدخول في أي نشاط مهنى أو تعليمي لذلك يكون التعليم أو نظام التعليم قد حال بينهم وبين الاندماج في الاقتصاد الوطني

بل في المجتمع عامة وهو استنتاج يتفق مع ما ذهب إليه البعض من أن ما يراه الشباب أمامه يوميا من أدلة قاطعة على أن توافر الظروف الملائمة للحياة لا يرتبط بالتعليم وإنما يرتبط بالسلوك الاستغلالي. ويربط المؤلف تلك النتائج بماضي البلاد حيث يشير إلى بعض المحاولات التي كانت تستهدف تغيير المجتمع الجزائري المعاصر الذي ظل 132 سنة هدفا

لتغلغل الاستعمار الفرنسي والغوص في كيانه محدثا بعد ذلك خللا في البناء الاقتصادي والاجتماعي الذي ما زالت تشوهاته بادية للعيان ولعوامل خارجية وداخلية، مشيرا إلى أن المجتمع ما زال يواجه الكثير من المشاكل ذات الفاعلية في أي سياسة وطنية تنموية ما دامت تفتقر إلى الآلية الاقتصادية التي تؤمن النمو الذاتي المستمر.

ويذكر المؤلف في معرض تحليله لهذه القضية أن ذلك حدث نتيجة لنموذج التنمية الذي صيغ من خلال سياسة تنمية المراكز الذي كان غالبا العاصمة الحضرية ـ المدينة ـ ما أدى إلى عدم التوازن بين الريف والحضر والمدينة وبين مختلف الفئات تولد عنه حاجات متزايدة ومتفاوتة يقابلها عجز الإمكانات المتوافرة لإشباع هذه الحاجات

وهذه نتائج تتفق إلى حد ما ومنظور اتجاه مدرسة التبعية الذي مفاده أن الحياة المضطربة الناجمة عن نظام مختل تتولد عنه حالة مضطربة تؤدي ببعض فئات المجتمع إلى الهامشية في الحياة ما يخلق لهم أزمات تدفع ببعض الأفراد إلى السلوك الإجرامي.

وقد أكدت الدراسة ، وفق ما يذكر المؤلف، أن الفئة المهنية لأرباب المبحوثين تمارس أعمالا تتوزع بين البناء والخدمات كالحراسة. وفي هذا السياق يشير الإحصاء العام إلى أن 63. 56 في المئة من الأسر الجزائرية لا يشتغل من أفرادها إلا واحد.

ويوضح المؤلف أن الأحياء المتخلفة تجمع شريحة اجتماعية تتسق في تكوينها وتشكيلها مع ما أطلق عليه البعض البروليتاريا الحضرية، التي تعيش في محيطات لا تتوافر على شروط الحياة الضرورية كالسكن الصحي والمرافق الداخلية والخدمات العامة والإنارة والنظافة.

ومن محصلات الدراسة ذات الدلالة الواضحة كما يشير المؤلف وجود فئة كبيرة من الشباب خارج النظام التربوي والاقتصادي تعيش البطالة والفراغ. ومما يزيد الوضع ترديا ما تدل عليه تحليلات الأرقام الصارخة التي يشير إليها الإحصاء إذ تبين بشكل جلي مدى ضبابية تلك المسألة

فوجود 885 ألف شاب و 450 ألف فتاة لم تتح لهم فرصة الدخول إلى المدارس او طردوا منها في سن مبكرة فضلا عن وجود 995 ألفا 76 ألف شخص من الباحثين عن العمل خلال السداسي الأول من عام 1985 - 6891 دليل صارخ على حجم الأزمة.

ويخلص المؤلف من ذلك إلى أن أفراد البحث يعيشون ضمن إطار اقتصادي واجتماعي يفتقر إلى الإشباعات على جميع المستويات (قضية استيعاب واستثمار) في هذا المناخ الصلب المتميز بعدم التناسق بين طموحات الشباب

وإشباعاتها تهتز قيمه التي استوعبها كنموذج والنموذج الذي يواجهه كالنزعة الفردية وزيادة حدة الاستهلاك ما يبعث ويحرض الشباب من ذوي المعاناة على الاندفاع إلى تحطيم ذلك الإطار الذي أصبح يصده ولا يستوعبه.

ويشير المؤلف إلى أنه على صعيد تحليل السلوك الإجرامي في محيط الشباب فإن دراسته تشير إلى أن التنمية المتبعة بحسب ما يبدو في دول العالم الثالث، والجزائر جزء منها، لم تؤد إلى القضاء على إشكالية الاستلاب الذي ساد المجتمع من جراء التشويه الرأسمالي للمجتمع زهاء 132

بل أفضت إلى المزيد من التبعية والفوارق في الفرص الاجتماعية وهذا يفيد أنه على الرغم من المحاولات التي قدمت فإنه ما زالت هناك ثوابت ـ البطالة وقصور التعليم وأزمة السكن ـ قائمة بالمجتمع مجال الدراسة.

كما يشير المؤلف إلى أن 25 في المئة من الأطفال ممن بلغوا السن القانونية لا يلجون المدرسة عام 1986 بحسب ما تشير بعض الدراسات مع نمو هذه النسبة في ظل المتغيرات المستجدة التي بدأت تطفو على السطح.ويؤكد المؤلف على أن ما كشفته الدراسة من تدني فرص الحصول على العمل بين فئات الشباب بخاصة قد أدى إلى تهميش قطاع كبي

ر بحسب الإحصاء ـ نحو مليون و 20 ألف شاب ـ إضافة إلى الرقم المشار إليه وهو 450 ألف شابة غير مندمجين في النظام الاقتصادي وهى ظاهرة تدل على ما يذكر على عدم استيعاب واندماج وبالتالي عدم الشعور بالانتماء.

ألفت عبد الله

*الكتاب:الشباب ومشكلاته الاجتماعية في المدن الحضرية

*الناشر:مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 2007

*الصفحات:296 صفحة من القطع الكبير