تنبع أهمية كتاب المسيحية الصهيونية والتطرف الإسلامي للباحث مجدي كامل في تسليطه الضوء على خطورة الوضع الراهن في العالم والذي أصبح الآن على مشارف حرب جديدة... ستكون حرب نهاية الكون والتي كانت حلم ما يعرف في العالم بـ «المسيحية الصهيونية».

استعرض المؤلف خطورة الصراع القائم بين تيارين هما «المسيحية الصهيونية» و«التطرف الإسلامي» اللذان يشتركان في إعادة تفسير النصوص الدينية بطريقة تحض بشكل مباشر على إبادة الآخر، وفي الغرب أدى هذا إلى تشكيل «ضمير ديني» يسمح بإبادة الشعوب على نحو كامل ويمهد إلى حدوث المجزرة البشرية الهائلة والمتوقعة، والمتمثلة في معركة الأرماجدون والتي تمثل «المقدمة الضرورية للعقيدة الألفية السعيدة، والعودة الثانية للسيد المسيح إلى الأرض، وحكمها ـ مع من يتبقى من البشر بعد هذه المجزرة ـ لمدة ألف سنة سعيدة».

ومن هنا يذهب الكاتب إلى أن العقيدة الألفية السعيدة تكون بعودة السيد المسيح إلى الأرض وحكمه لمدة ألف سنة مع الأبرار من المسيحيين، وترجع أهميتها كونها المحرك الأول في قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي والتي سيمتد أثرها ليشمل البشرية بأسرها بقيام حرب عالمية كونية وتدمير البشرية بأسرها تحت دعاوى فكرية أسطورية وخرافية لا أساس لها من الصحة.

ومن هنا يرى الباحث بأن طبيعة تطلعات اليهود إلى هذه المنطقة هي عبارة عن صراع ديني قائم ضد العرب المسلمين وظفت فيه إسرائيل «الدين» بعمليات غسيل المخ المنظمة لدفع هذا العالم للقيام بإبادة شعوب هذه المنطقة وتدمير مدنها، أو على الأقل تأهيل هذا العالم - نفسيا وفكريا ـ لقبول هذه الإبادة، إذا ما قامت هي بنفسها بهذا الدور.

وهو الأمر الذي يفسر وجود الصواريخ النووية الإسرائيلية وربما الهيدروجينية الموجهة إلى عواصم ومدن الدول العربية لتحقيق حلم بني إسرائيل في تدميرها وإبادة شعوبها ليرثوا الأرض وما عليها.

ويعتقد كامل بأن هذا الخراب الفكري الذي يقوده التيار المسيحي الصهيوني يغذيه تيار آخر هو التطرف الإسلامي مقدما له الذريعة لإبادة المسلمين باسم محاربة الإسلام الذي أنتجه هذا التيار.

وفي هذا الإطار يعتبر المؤلف بأن الصهيونية كعقيدة للحركة اليهودية العنصرية التي أقامت تحالفا وشراكة وظيفية مع الاستعمار الغربي ضد وحدة العرب والمسلمين ونهضتهم، فإن بقاء العالم الإسلامي بما فيه العربي ضعيفا مفتتا ومفككا، هو ثابت من ثوابت العقيدة اليهودية، وشرط من شروط تحقيق مقاصد هذه الشراكة بين اليهود وبين الغرب الاستعماري.

وفي قراءته للفكر اليهودي أشار كامل إلى مخططاته لإضافة تشققات جديدة في الكيان العربي وذلك بتفتيتها أكثر بواسطة اللعب بأوراق الأقليات الدينية والقومية والعرقية والمذهبية في العالم الإسلامي، وهو المخطط المعلنة تفاصيله ومقاصده منذ إقامة الكيان اليهودي في أربعينات القرن العشرين.

ويؤكد الكاتب بأن أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 جاءت على طبق من ذهب للمسيحيين الصهاينة مختصرة لهم بذلك عشرات السنين من الانتظار لجني ثمار مخططاتهم الشيطانية لبلوغ أهدافهم ومؤامراتهم للوصول إلى مراميهم.

وفي الوقت الذي استعرض فيه زعماء المسيحية الصهيونية لشن حرب ظاهرها ضد الإرهاب وباطنها ضد الإسلام والمسلمين، لم يفهم العرب ولا المسلمون تداعياتها، فساعدوا دون أن يدروا هذا التيار في أن يجد أتباعا له في أميركا وأوربا ويعبئ قطاعات عريضة من مسيحيي الغرب ضد الإسلام والمسلمين.

ويرى المؤلف بأن وصول الرئيس بوش إلى رئاسة الولايات المتحدة الأميركية في يناير 2001 يمثل وصولا لليمين المسيحي للمشاركة في الحكم ويعني أيضاً دعما مطلقا لإسرائيل وهو مسألة يأمر بها الكتاب المقدس.

وتطرق كامل إلى القائمين على هذه المؤامرة ضد العالم الإسلامي وهم مجموعة كبيرة تضم كبار أثرياء اليهود في العالم ومجموعة من كبار حاخامات الشرق والغرب، وأطلق عليهم الباحثون تسمية «حكومة العالم الخفية» و«اليهود العلمانيون» و«العلمانيون»،

ويعملون على تدمير الأخلاق والأديان وإشعال الحروب الإقليمية والعالمية ويسيطرون على كثير من المنظمات السرية والعلنية اليهودية وغير اليهودية تحت مسميات عديدة ولهم عملاء ذوو مراكز رفيعة ومرموقة في معظم الحكومات الوطنية لدول العالم.

وينقلنا المؤلف إلى تاريخ اليهود الذين كانوا «أمة ملعونة» في نظر العالم المسيحي لاعتقادهم بأنهم هم قتلة السيد المسيح، إلا أنه بحلول القرن الخامس عشر الميلادي والتحولات العميقة الحاصلة في النفس المسيحية الغربية مع بزوغ ما عرف بحركة الإصلاح وما تبعه من انشقاق سياسي وعقائدي داخل الديانة المسيحية بشكل عام،

والكاثوليكية الغربية بشكل خاص، أنتجت المسيحية الجديدة والتي عرفت باسم البروتستانتية ربيبة لليهودية لتتغير صورة الأمة اليهودية تبعا لذلك في أذهان المسيحيين الجدد،والتي ظهرت في كتابات رائد الإصلاح البروتستانتي القس الفيلسوف (مارتن لوثر).

وهكذا تغير المسار التاريخي ليتحول اليهود من «أمة ملعونة» إلى «أبناء الرب»، من الغيتو إلى قمة المجتمع، ومن «أمة مدنسة» ظلمها المسيحيون كثيرا، إلى أمة «مقدسة» يظلم بها المسيحيون شعوبا أخرى لا صلة لها بتاريخ التدنيس والتقديس هذا.

ومن هنا تجدر الإشارة إلى دور المسيحيين البروتستانت الذين آمنوا بفكرة إنشاء « وطن قومي لليهود في فلسطين» وسعوا إلى إنشائها قبل أن يسعى اليهود إلى ذلك بل قبل أن يؤمنوا بإمكانية تحقيقها.

وباعتقاد كامل أنه يجب فهم المسار التاريخي الذي أدى إلى تهود المسيحية البروتستانتية الذي يعد مدخلا لفهم السياسة الأميركية في فلسطين وفي العالم الإسلامي بشكل عام،معتبرا الوقوف عند المظاهر السياسية والانتخابية لهذه السياسة لم يعد مجديا، وتفسيره بمجرد «شطارة» الأقلية اليهودية في أميركا تفسير سطحي لظاهرة تاريخية عميقة ضاربة الجذور «متأصلة في وجدان وأخلاق وديانة ومعتقدات الشعب الأميركي».

وفي سياق آخر تطرق الكاتب إلى ما توصل إليه أحد الباحثين الأميركيين مؤخرا بعد دراسته لكل أحاديث الرئيس الحالي بوش وخطاباته إلى أن بوش «أصولي مسيحي، يؤمن بأن الضفة الغربية وقطاع غزة منحة ربانية لليهود لا يجوز التنازل عنها»، بالإضافة إلى أنه أول رئيس أميركي يمول التعليم الديني من ميزانية الدولة الأميركية التي يفترض فيها أنها دولة علمانية تقف أمام الدين موقف الحياد.

ومن جهة أخرى يرى المؤلف بأن اليمين المسيحي الصهيوني داخل الولايات المتحدة الأميركية استطاع أن يزيد الموقف في المنطقة العربية تعقيدا لاسيما على محاورها الثلاثة العراق والشام ومصر،من النيل إلى الفرات وذلك تمهيدا لإقامة ما يعرف بمملكة الرب.

وينقلنا كامل إلى التطرف الديني في المجتمعات العربية والإسلامية أحد مظاهر التطرف الذي يولد كل أشكال العنف وصولا للإرهاب، وإذ تحول الإرهاب الإسلامي إلى حرب شاملة على الحضارة وعلى الشعوب،

بحيث يتم دعمه من جانب دول إسلامية ومن ناحية أخرى تغذي مثل هذه المواقف التيارات المسيحية الصهيونية بالوقود اللازم لشحذ همم الغرب لإعلان الحرب على المسلمين كافة وعلى الإسلام الذي حوله التطرف إلى دين الكراهية والدم في عيون الغرب الخاضع تحت آلة الدعاية الصهيونية.

وفي هذا الإطار يلعب الإعلام العالمي دورا في تضخيم وصناعة رموز متطرفة أكبر من حجمها الحقيقي بعد انتهاء الحرب الباردة لحاجة الولايات المتحدة إلى عدو افتراضي يسمى ب«الإسلامفوبيا » وخطره على الغرب، بالإضافة إلى دعم بعض الأنظمة العربية لمنظمات وحركات متطرفة للاستفادة منها سياسيا وعسكريا كما يحصل الآن في العراق.

ويعتبر الكاتب تسلم الرئيس الأميركي للسلطة وبعد مرور عدة سنوات على دخوله البيت الأبيض بدا للجميع كيف أنه ـ عمليا ـ ينتمي إلى ما يعرف بـ (تيار المسيحية الصهيونية) الذي يؤمن بتدمير العالم وخاصة الشرق المسلم، ونسف المسجد الأقصى، وإقامة الهيكل، وتمهيد الأرض لعودة المسيح تحقيقا لنبوءات توراتية كاذبة لايؤمن بها سواهم.

وهذا هو الذي جعل أقطاب المسيحية الصهيونية أمثال جورج بوش ( الجد) يطالب في كتابه (حياة محمد)عام 1831 بتدمير إمبراطورية المسلمين لإقامة إمبراطورية الرب. ومن هنا يذهب المؤلف إلى أنه ما كان لهذا التيار الذي ترفضه كنائس كثيرة في الشرق والغرب لينجح لولا أن قدم إليه المتطرفون الإسلاميون الذخيرة بهجماتهم الإرهابية في الشرق والغرب

وكأن هناك تحالفا غير مكتوب بين التيارين لتدمير الكون، طارحا السؤال التالي هل سنبقى كمسلمين نشير بأصابع الاتهام إلى العالم الغربي ممثلا بكل أطيافه النخبوية والفكرية والسياسية لنحمله المسؤولية كاملة في نشر ثقافة التزييف أو في تزييف ثقافتنا وحضارتنا وقيمنا وصورتنا في مخيلة العالم الغربي.

ناهد رضوان

*الكتاب: المسيحية الصهيونية

التطرف الإسلامي والسيناريو الكارثي

*الناشر: دار الكتاب العربي - دمشق2007

*الصفحات: 356 صفحة من القطع الكبير