ولد الكاتب المسرحي والروائي البريطاني جون غالسورثي الذي حاز على جائزة نوبل عام 1932 عن ثلاثية روايته الشهيرة «أسطورة عائلة فورسايت»، في 14 أغسطس 1867 في سيوري، في كنف عائلة ثرية من الفئة العليا للطبقة المتوسطة.
وعلى الرغم من دراسته القانون واجتيازه امتحان المحاماة، إلا أنه لم يكن مهتما بممارسة المهنة، واختار متابعة أعمال شركات العائلة من خلال سفره إلى الخارج. وفي إحدى سفراته عام 1893 التقى بالكاتب جوزيف كونراد على متن سفينة كانت تبحر إلى استراليا. ومنذ ذلك الحين نشأت بينهما صداقة وطيدة، قرر غالسورثي على أثرها التفرغ للكتابة، ونشر كتبه الأربعة الأولى على نفقته الخاصة. علما بأنه ساعد صديقه كونراد ماديا بعد بضع سنوات حينما مر بأزمة مادية.
كما ارتبط بعلاقة عاطفية بزوجة أحد أبناء عمومته وتزوجا بعد مضي عشر سنوات، وعاشا معا حتى وفاته عام 1897. أول كتاب نشره كان مجموعة قصص قصيرة بعنوان «من الرياح الأربعة» عام 1897، تحت اسمه المستعار جون سينجون، الذي استخدمه في الأعمال التالية حتى عام 1904 والذي يتزامن مع وفاة والده.
وفي ذات العام نشر روايته «جزيرة المنافقين» باسمه الحقيقي، أما أول مسرحية له «صندوق الفضة» فنشرت عام 1906 وحققت نجاحا كبيرا، وأتبعها بالجزء الأول من ثلاثيته «رجل العقار» عام 1906.
وعلى الرغم من نشره للروايات والمسرحيات، إلا أنه اشتهر في زمنه ككاتب مسرحي، أما شهرته حاليا فتعتمد على أعماله الروائية. تناول في أغلب أعماله الطبقية والقضايا الاجتماعية التي تتجلى بوضوح في كل من عمليه «الصراع» عام 1909 و«لعبة البشرة» عام 1930.
وكان يؤمن بأنه من واجب الكاتب أن يتفحص ويحلل القضايا الاجتماعية من دون أن يجد لها حلا. وهو من أسس المنظمة العالمية للكتاب «بين» عام 1921 مع كاثرين داون سكوت، ومن خلال قيمة جائزته من نوبل خصص موردا لها، كما رفض تقلد لقب فارس عام 1929 إيمانا منه بأن الكاتب لا يحتاج إلى لقب.
أنتج غالسورثي 20 رواية و27 مسرحية و3 دواوين شعر و173 قصة قصيرة والعديد من المقالات. وبعد وفاته في 31 يناير 1933، طواه النسيان حتى حولت بعض أعماله إلى أفلام سينمائية وتلفزيونية، ليعود مجددا إلى الذاكرة والاهتمام.
يتناول في الجزء الأول «رجل العقار» من ثلاثيته، حياة ثلاثة أجيال من عائلة فورسايت التي تفتخر بانتمائها إلى الطبقة المتوسطة العليا. ويضم الجيل الأول من العائلة الأشقاء الخمس، العجوز جوليون والتوأمان البدينان سويثن والمحامي جيمس وتيموثي المنسحب من الحياة وضعيف البنية والأخير روجر، بالإضافة إلى الأخوات العانستان المتقدمتان في العمر والعمة آن أكبر الجميع وهي في الثامنة والستين والأرملة الجولي.
أما الجيل الثاني فيضم الشاب جوليون ابن العجوز وسومس المحامي ابن جيمس وأبناء روجر ومنهم جورج والشابة فويب. أما الجيل الثالث فيضم حفيدة العجوز الشابة جون. تبدأ أحداث الرواية باجتماع كافة أفراد العائلة بمناسبة خطبة جون على الشاب المهندس الفقير فيليب بوسيني، الذي يسخر منه الجميع سرا لغرابة أطواره.
ويتجلى إبداع غالسورثي من خلال إبرازه لتناقضات تلك العائلة بين صورتها الخارجية المتماسكة وبين النفور العام السائد بينهم جميعا، وانتهازهم لأية فرصة للنيل من ضعف أو فشل أو خيبة أو أي فرد منهم، وفي ذات الوقت تعيش الأخوات الثلاث عبر حيوات الآخرين ومشاكلهم لاسيما وأنهن على هامش الحياة باستثناء العمة آن التي تعتبر ركيزة العائلة ومصدر طاقتها.
وتتمحور معظم الأحداث حول الخطيب فيليب الذي كانت تتبناه جون وتطمح إلى الإعلاء من شأنه على الصعيد المادي. وعندما يكلف سومز فيليب ببناء بيت له في الريف بهدف إبعاد زوجته الجميلة آيرين عن المجتمع حيث كانت محط إعجاب الجميع بلا استثناء،
يحدوه الأمل في أن يكسب ودها وقلبها لاسيما وأنها منذ البداية كانت تتجاهل وجوده سواء كزوج أو رجل، وتبدأ العلاقات بين الجميع بالتداخل والتشابك، ومحورها جميعا البيت الريفي الذي يبنيه فيليب والذي لا ينفك يطلب المزيد والمزيد من المال مما يؤكد افتقاره لمنهجية العمل.
أما فيما يتعلق بجوليون الأكبر، فإنه يدرك مع مرور الوقت وانشغال جون الكامل بخطيبها وإهمالها له، خطأه الكبير حينما قطع صلته بابنه جوليون الأصغر حينما هجر زوجته وابنته جون عندما كانت طفلة ليعيش مع امرأة أحبها. وهكذا ومع اشتداد وطأة الوحدة عليه يعي خسارة ابنه المقرب إلى نفسه ويعيد التواصل معه ليجد في حفيديه الطفلين سعادة غامرة دفعته إلى التفكير في مساعدة ابنه وانتشال العائلة من الفقر ليعيشوا جميعا معا.
ويدرك سومز مع مضي الوقت ابتعاد آيرين عنه واهتمامها الكبير بفيليب مما يثير شكوكه وإن أحجم عن مواجهتها خوفا من طلبها الانفصال عنه، وتدفعه مخاوفه إلى التساؤل عن الأسباب التي تجعلها تنفر منه وتعامله بازدراء. ومع تهور الحبيبين آيرين وفيليب تبدأ العائلة بنقل الأقاويل مما يدفع الجميع إلى زيارة البيت الجديد والتحدث مع فيليب بصورة غير مباشرة.
وتصل الحبكة إلى الذروة حينما يرفع سومز قضية في المحكمة ضد فيليب رافضا دفع المزيد من المال. وفي جلسة الحكم الأخير يتغيب فيليب عن الحضور ويصدر القرار لصالح سومز، الذي يعود إلى البيت ليكتشف بأن زوجته قد هجرته وما يثير ألمه أنها لم تأخذ معها أيا من المجوهرات التي اشتراها لها، وبذا شعر بذل أكبر.
وتتجلى المأساة حينما تعلن وفاة فيليب بحادث مرور بعد ثلاثة أيام، لتعود آيرين على أثرها إلى بيت زوجها مهزومة وإن استمرت بصمتها، مما يثير حنقه وإن عجز عن طردها أو تأنيبها. وخلال هذه الأزمة ينتهز العجوز الفرصة ويقدم عرضا لشراء البيت الجديد من ابن أخيه الذي يواجه أزمة مالية.
وحينما يأتي جوليون الشاب إلى بيت سومز طالبا نقل رسالة إلى آيرين التي شاهدها برفقة فيليب فيما مضى، تأتي النهاية حيث يصفق سومز الباب في وجهه رافضا إدخاله قائلا «لا يوجد أحد في المنزل»، وتبدو هذه النهاية وكأنها تقول للقاريء بأنه هو أيضا لا يحق له في التطفل مجددا على حياتهم.

