تدور هذه الرواية في أبسط تصور لها حول أنّا، مؤلفة رواية ناجحة للغاية والتي تعكف الآن على إنجاز أربع كراسات. في الكراسة الأولى ذات الغلاف الأسود تحاول المؤلفة مراجعة تجربتها الإفريقية في سنواتها الأولى.
وفي الكراسة الثانية ذات الغلاف الأحمر تتناول حياتها السياسة وخيبة أملها حيال الشيوعية. وفي الكراسة الصفراء تكتب رواية تعيش فيها البطلة مجدداً جانباً من تجربتها. وفي الكراسة الزرقاء تدون يوميات شخصية. وأخيراً تحاول أنّا في غمار حبها لكاتب أميركي وفيما الجنون يتهددها أن تضم معاً خيوط الكراسات الأربع في كراسة ذهبية.
وفور صدور هذه الرواية في عام 1962 تحولت إلى ما وصف بإنجيل الحركة النسوية الأوروبية، وهو الأمر الذي أثار أسى ليسنغ، فهي قد كتبت عن روائية تعيش مع ابنتها في لندن في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتصارع عقدة التوقف عن الكتابة وأضرار فوضى الحياة ذاتها،
ولكن العناصر التي جعلت هذا الكتاب عملاً مميزاً بالنسبة للكثيرين هو صراحته الشديدة من الناحية العاطفية وتوصيفاته النفسية للشخصيات، والهيكل المهشم وما بعد الحداثي الذي كتبت في إطاره الرواية.
وهذه العناصر لم تعد تبعث على الشعور بالصدمة اليوم ولكن رواية «الكراسة الذهبية» لا تزال تحتفظ بقدر كبير من القوة، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى صراحتها الوحشية وإلى تنوع نثرها وفرادته، وهو ما جعل اللجنة الأكاديمية تشيد بها بصفة خاصة في معرض إيرادها لأبرز أعمال ليسنغ.
وليسنغ تراوح بين الكراسات الأربع بدلاً من أن تقدم كل كراسة كاملة، لتقدم لنا في النهاية الكراسة الذهبية التي منحت الرواية عنوانها. وفي غمار قيام ليسنغ بمتابعة التحركات النفسية للبطلة أنّا وذكرياتها عن سنواتها في إفريقيا وعلاقتها بصديقتها الأثيرة موللي وصلاتها بالرجال وخيبة أملها حيال الحزب الشيوعي وتأثير عاطفة الأمومة،
فإنها ترصد نبض جيل بكامله من النساء اللواتي كن ينتظرن لرؤية ما ستصل إليه آمالهن في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وقد قالت ليسنغ نفسها في مقابلة شهيرة أجريت معها في عام 1994: «إنني أقول إن فن الرواية أفضل من قول الحقيقة، لأن جوهر الحياة أنها فوضى. أليست كذلك؟ وهي لا تأخذ أي شكل باستثناء أنك تولد وتموت».
وعلى الرغم من الإعجاب الشديد من جانب عدد كبير من النقاد بهذه الرواية بصفة خاصة من أعمال ليسنغ، إلا أن ذلك لا يحول دون أن نرصد عدداً من نقاط الضعف فيها، وفي مقدمتها ميل الروائية إلى تقديم تصورات تبسيطية ومبالغ فيها للعبارة،
على نحو ما نجد في عبارتها الشهيرة: «الرجل الجيد يصعب إيجاده» والتي تقدم لنا في صورة استعراض لا نهاية له من الرجال الضعفاء والأنانيين. ولكن الرواية على الرغم من ذلك تملك القدرة على ملء الفراغات العاطفية باندفاعات كبرى من المشاعر التي تقدم لنا المؤلفة تفاصيلها.
ومن ناحية أخرى فإن ليسنغ نفسها، شأن أنّا في الرواية، يبدو أنها تحاول تقديم نفسها بكاملها في كتاب واحد. ربما لهذا على وجه الدقة لم يكن من قبيل الصدفة أن تصف الأكاديمية الملكية السويدية ليسنغ بأنها: «شاعرة ملحمية للتجربة النسائية أمعنت النظر في حضارة منقسمة، مستخدمة الشك وقوة الرؤية والتوقد».
أنا وموللي
«كانت المرأتان بمفردهما في شقة في لندن. قالت أنا لدى عودة صديقتها من الحديث عبر الهاتف: «جوهر الأمر هو أنه بقدر ما يمكنني إدراكه، كل شيء يتداعى». كانت موللي إمرأة تقضي وقتاً طويلاً في الحديث عبر الهاتف. وعندما دوى جرسه كانت قد استفسرت لتوها: «حسناً، ما الأخبار؟». أما الآن فقد قالت: «كان ذلك هو ريتشارد، وهو في الطريق إلى هنا. يبدو أن اليوم هو اليوم الوحيد الذي يتاح له فيه وقت للقدوم طوال الشهر المقبل، أو هذا هو ما يصر على تأكيده».
قالت أنّا: «حسناً، إنني لن أغادر».
«لا، عليك بالبقاء حيث أنت».
فكرت موللي في مظهرها. كانت ترتدي سروالاً وسترة وكلاهما سيء المظهر. خلصت إلى القول: «سيتعين عليه قبولي كما أنا. لم يحدثني بجلية الأمر. وأحسب أنها أزمة أخرى مع ماريون».
تساءلت أنّا بحذر: «ألم يكتب لك؟».
- «كتب لي هو وماريون رسائل بالغة الروعة. أمر غريب، أليس كذلك؟» هذا غريب. أليس كذلك؟ هي الإشارة الدالة إلى الحوارات الحميمة التي تصفانها بالنميمة. ولكن موللي بعد أن أوردت هذه الإشارة بادرت إلى القول: «لا جدوى من الحديث الآن، لأنه في طريقه إلى هنا مباشرة، حسبما يقول. قالت أنّا بمرح ولكن على نحو عدواني قليلاً: «ربما سينصرف عندما يراني هنا». ألقت موللي نظرة عليها. وقالت: «أوه، ولكن لماذا؟».
*الكتاب:الكراسة الذهبية
*الناشر:هاربر كولينزـ لندن 2007
*الصفحات:672 صفحة من القطع المتوسط
The Golden Notebook
Harper Collins - London 2007
276.P

