ينفرد هذا الكتاب بنشر النص الكامل باللغة العربية للفتوى والآراء الفردية التي أدلى بها بعض القضاة بشأن قضية الجدار العازل الإسرائيلي والتي تكتسب أهمية خاصة في ضوء قيام بعض هذه الآراء بتقديم تحليل تفصيلي لأمور أوجزت في الفتوى ويرى القاضي ضرورة إيرادها والبعض الآخر يحاول تفسير موقف القاضي من نقاط معينة وردت في الفتوى أو موقفه من الفتوى برمتها.

ففي التاسع من يوليو 2004 أصدرت محكمة العدل الدولية فتواها في الآثار القانونية المترتبة على تشييد جدار من جانب إسرائيل في الأراضي المحتلة وذلك بناء على طلب من الجمعية العامة للأمم المتحدة فأفتت المحكمة بأن الجدار يخالف القانون الدولي وأن إسرائيل ملزمة بإنهاء خروقاتها للقانون الدولي،

وبأن توقف في الحال أعمال البناء في الجدار بالأراضي الفلسطينية المحتلة بما في ذلك القدس الشرقية وحولها وأن تزيل الإنشاءات التي أقامتها فيه وأن تلغي وتبطل مفعول التشريعات واللوائح التنظيمية كلها المتعلقة بذلك. فضلا عن ذلك فقد أفتت المحكمة بأن إسرائيل ملزمة بالتعويض عن الأضرار كلها التي نجمت عن بناء الجدار في الأراضي الفلسطينية.

ويشير الكتاب إلى أن صناع القرار في الوطن العربي لم يعيروا فتوى المحكمة ما تستحقه من اهتمام ولم يسعوا بجدية لإلزام إسرائيل والمجتمع الدولي للامتثال له ربما بسبب الظن الشائع بأن الآراء الاستشارية ليس لها صفة الإلزام.

ويوضح أنه إذا كان هذا صحيحا في بعض الأحيان إلا أنه ليس كذلك في أحيان أخرى ويعتمد الأمر على طبيعة الفتوى وما أعلنته المحكمة فإذا كانت الفتوى تأكيدا لما استقر عليه القانون من مبادئ وقواعد وكشفا لها وعبرت المحكمة عن التزام الدول بها فإن الفتوى تكتسب الطبيعة الإلزامية .

على العكس من الموقف العربي يشير الكتاب إلى أن الفتوى حظيت بقدر كبير من الاهتمام في أوساط أجنبية ويستنتج من موقف الجمعية العامة للأمم المتحدة حين أصدرت الفتوى أنها اعتبرتها ملزمة للمجتمع الدولي ولذا فقد اتخذت إجراءات تنفيذية استجابة لها بتكليف الأمين العام للأمم المتحدة بحصر الأضرار المترتبة على بناء الجدار وبمطالبة إسرائيل التوقف عن البناء وإزالة ما تم بناؤه التزاما بالفتوى.

وفيما يدلل على خطورة الفتوى من المنظور الإسرائيلي والأميركي رد فعل واشنطن عليها حيث كان موقف إدارة بوش معادياً جدا للرأي الاستشاري للجنة الفتوى. كما صب المتعصبون للاحتلال الإسرائيلي جام غضبهم على محكمة العدل الدولية لأنها تجرأت وقالت ان سياسة من سياسات الحكومة الإسرائيلية غير شرعية.

وحسبما يشير الكتاب فإن الفتوى تعتبر أهم وثيقة في تاريخ القضية الفلسطينية بالنسبة إلى الأوضاع القائمة حاليا وتمتد فحواها لتشمل الأراضي العربية المحتلة كلها كالجولان ومزارع شبعا حيث انها حسمت بشكل قاطع الوضع القانوني للوجود الإسرائيلي في هذه الأراضي

وبالتالي فإنها حسمت الطبيعة القانونية للتصرفات الإسرائيلية ليس بالنسبة إلى الجدار فقط وإنما بالنسبة إلى الأمور العالقة كلها كالحدود والمستوطنات والقدس الشرقية وما أحدثته إسرائيل من تغييرات، وما ضمت من قرى وأراض لما أسمته بالقدس الكبرى وما استولت عليه من أراض وما ارتكبته من جرائم واستحق عليها كلها من محاسبة وتعويضات.

وفي استعراضه لأبعاد موضوع الفتوى يشير أنيس محمود قاسم إلى أن هناك العديد من التحركات التي يمكن القيام بها التزاما بالفتوى واحتراما لها أولها وقف عجلة التطبيع مع إسرائيل وإلغاء ما تم منه ما دامت إسرائيل تنتهك مبادئ القانون الدولي الملزمة

التي عبرت عنها الفتوى وقرار الجمعية العامة، كما أنه بالإمكان كذلك العودة إلى الجمعية العامة للمطالبة بتجميد عضوية إسرائيل في المنظمة أو على الأقل عدم اعتماد تمثيلها ما دامت لم تنفذ قرار الجمعية العامة وفرض عقوبات عليها.

ويوضح أن الفتوى تنفي أحقية إسرائيل في فرض وقائع غير شرعية على الفلسطينيين ثم تفرض عليهم التعامل معها وهذا هو بالضبط ما تسعى إليه إسرائيل مستفيدة في ذلك من سوابق الأخطاء الفادحة والتنازلات من جانب المفاوض الفلسطيني التي ارتكبت في مفاوضات أوسلو وما تلاها من اتفاقيات.

وحسبما يقول أنيس قاسم فإن التعامل مع هذه القضية ينبغي أن يتم في إطار إدراك حقيقة الموقف وخطورته حيث قاربت إسرائيل على تحقيق مخططها من الهيمنة الكاملة حاضرا ومستقبلا على فلسطين كلها أرضا وشعبا ومقدسات.

ويتمثل هذا المخطط كما توضحه الدراسة التي يتضمنها الكتاب تحت عنوان «تسييج السماء الأخيرة» في تجزئة الوجود الفلسطيني في الداخل وفرض حصار دائم وكامل على الشعب الفلسطيني وتغييبه عن الأنظار.

ويشير الكتاب إلى أهمية توعية الرأي العام العربي بخطورة المخطط الذي يعبر عنه الجدار والكارثة المنتظرة إذا بقى من دون إزالة وكذلك توضيح المدى القانوني لوضع الأراضي الفلسطيني المحتلة والأسس القانونية التي يمكن الاستناد إليها في محاسبة إسرائيل وفي السير بأي مفاوضات معها.

وفي تطرقه إلى الأبعاد المختلفة للقضية يشير الكتاب إلى تأكيد المحكمة على عدم تأثير الصفة السياسية للقضية على صلاحية نظرها من قبل المحكمة وهو ما يتحصل من الاجتهاد الثابت للمحكمة بأنها واقعة كونها مسألة قانونية ترتدي أيضا مظاهر سياسية لا تكفي لحرمان المحكمة من صفتها القانونية وبالتالي لا يمكن أن تؤدي إلى حرمان المحكمة من صلاحية معطاة لها بشكل واضح.

وفي إطار الكتاب يستعرض الباحثان عصام نعمة إسماعيل وعلي مقلد مختلف الأبعاد القانونية المتعلقة بالفتوى ومن ذلك الدفوع الشكلية وطلب الجمعية العامة الفتوى من المحكمة والفصل في مسألة اختصاص المحكمة بإعطاء الرأي الاستشاري في القضية

ودور الجمعية العامة في التصدي للمسائل المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدوليين ورد الدفع المتعلق بعدم قبول إسرائيل اختصاص المحكمة ورد الدفع المتعلق بإعاقة الفتوى للعملية السلمية وكذلك الدفع المتعلق بعدم توافر الأدلة الكافية.

وفيما يتعلق بالآثار القانونية المترتبة على عدم شرعية الجدار بالنسبة إلى الدول الأخرى فقد أشارت المحكمة إلى أن الالتزامات التي تنتهكها إسرائيل تتضمن التزامات لها صفة العموم وهي حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير الذي لا يمكن التنكر له

وكذلك التزامات إسرائيل الأخرى وفقا للقانون الدولي الإنساني والتي يتعين على الدول كافة التقيد بها لأنها مبادئ أساسية في القانون الدولي العرفي وهذا يعني أن لكل دولة في العالم مصلحة قانونية في حماية هذه المبادئ التي تشكل لب النزاع في الشرق الأوسط. ولعله من المحتمل أن يترتب على هذا حق تستطيع أي دولة متابعته لدى محكمة دولية مختصة.

ويتطرق الكتاب إلى بحث المحكمة فيما إذا كان بناء الجدار يخالف الاتفاقيات والقواعد الدولية مشيرين إلى تأكيد المحكمة بأن بناء الجدار يعتبر محاولة ضم واستلحاق أراض مما يشكل خرقا للقانون الدولي ويخالف المبدأ الذي يمنع الاستيلاء على أراض باللجوء إلى القوة.

كما يشيران إلى تأكيد الفتوى على مخالفة بناء الجدار لاحكام اتفاقيات متعلقة بحقوق الإنسان حيث يؤدي إلى تدمير ومصادرة أملاك الفلسطينيين بصورة مخالفة لأحكام المادتين 46 و 52 من اتفاقية لاهاي لعام 1907 المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية وللمادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة.

ولعله مما له أهمية كذلك في إطار تناول موضوع قضية الجدار العازل الإسرائيلي ما يشير إليه الكتاب في إطار استعراضه لفتوى المحكمة من أنها لم تقتنع بأن المسار المحدد الذي اختارته إسرائيل للجدار كان ضروريا من اجل تأمين أهدافها الأمنية حيث رأت المحكمة أن الجدار ليس ظاهرة خط على الأرض

وإنما يرافقه نظام من إجراءات التضييق التي تمس الفلسطينيين وفي رأى المحكمة فإن الجدار والمسار الذي اختير له والنظام المرافق له ينتهك على وجه خطير عددا من حقوق الفلسطينيين المقيمين في الأرض التي تحتلها إسرائيل.

وعلى ذلك فإنه بعد الموازنة بين الحجج كافة قضت المحكمة بأن الانتهاكات المترتبة عن المسار لا يمكن تبريرها بمتطلبات عسكرية أو مقتضيات الأمن القومي أو النظام العام . ثم يتطرق الكتاب إلى فتوى محكمة العدل الدولية والآراء الانفرادية لبعض القضاة.

ومن ذلك رأى القاضي كويجمانز والذي أيد الفتوى مع استثناء واحد وهو الفقرة المتعلقة بالآثار القانونية المترتبة على الدول حيث يشير إلى إقراره بالمبرر الإسرائيلي بأن الجدار إنما يأتي كحماية ضرورية من الهجمات المتعمدة والعشوائية التي تشن على المدنيين بنية القتل

مشيرا إلى أن لكل دولة بما في ذلك إسرائيل الحق في الرد على الهجمات لحماية حياة مواطنيها بل وعليها واجب القيام بذلك الرغم من أن اختيار الوسيلة لفعل ذلك حسبما يشير تحدده مبادئ وقواعد القانون الدولي .

وهنا يذكر أن إسرائيل لم تحترم هذه الحدود وأن المحكمة تقيم الدليل على نحو مقنع على أنها لم تحترم مبادئ وقواعد القانون الدولي هذه. مضيفا: ولا أجد شائبة في هذه النتيجة ولا فيما انتهت إليه المحكمة من أن تشييد الجدار على طول الطريق الذي وقع الاختيار عليه قد زاد كثيرا من معاناة الفلسطينيين الذين يعيشون في الأراضي المحتلة.

ويخلص الكتاب إلى التأكيد على ضرورة العمل على تفعيل هذه الفتوى بمختلف الطرق من أجل تقويض المخططات الإسرائيلية ليس من أجل الجدار العازل فقط وإنما بشأن مختلف القضايا محل النزاع في ضوء ما ترسيه الفتوى من قواعد واضحة تقف في جانب الحق الفلسطيني.

مصطفى عبدالرازق

*الكتاب:الجدار العازل الإسرائيلي

*الناشر:مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 2007

*الصفحات:400 صفحة من القطع الكبير