كمال الدين أبو القاسم، عمر بن أحمد بن هبة الله، مؤلف هذا الكتاب ولد سنة 588 ه، وقد ذكر يا قوت الحموي في معجم الأدباء «أنه كان نحيفاً جداً، أرسل إلى الكتّاب، وفي التاسعة من عمره ختم القرآن، وقرأ وعمره عشر سنوات وجعل يحب الخط، وحضّه والده عليه»، وعني الأب بالكمال عناية كبيرة.

فكان يريه خط ابن البواب، ويطلب إليه تقليده حتى كان له ما أرد، واصطحبه معه في رحلاته، فسافر إلى البيت المقدس ودمشق مرتين، وجمعه بالمشايخ فأفاد منهم وتعلم، ثم رحل به إلى العراق والحجاز. ومعروف عن الرجل أنه كان مقرباً من السلطان لمكان أسرته في البلد جاهاً وعلماً، ولمّا توفي والده، ولّي التدريس بمدرسة «شاذ بخت» وهي أجل مدارس حلب، وعمره يومئذ ثمان وعشرون سنة، وحلب أعمر ما كانت بالعلماء والمشايخ والفضلاء الرواسخ،

إلاّ أنه رئي أهلاً لذلك دون غيره، فأبهر العالم وأعجب الناس. وقال ابن شداد في إعلام النبلاء: «تولى التدريس في الحلاوية كمال الدين بن العديم، ولم يزل مدرّساً بها حتى كتب عليه الجلاء مع من كتب من أهل حلب».

ولا شك في أنه كان يتولى التدريس في أعظم مدارس حلب، ويلقي الوعظ في أكثر منابرها، وقد قلد القضاء فكان فيه كأبيه وجده يفصل بين الناس في أمور دينهم ودنياهم. وقد زاد على علوّه في الأدب والشعر والقضاء والفقه والثروة والغنى مكانة عند الملوك وخطراً بين الدول في الساعات الحرجة من تاريخ الأمة الإسلامية،

وكان التتار البرابرة على أبواب الشام يهددون حاضرة الشمال، وينذرونها بمصير كمصير بغداد. وحين قدم التتار على أبواب دمشق، هرب الملك الناصر صاحب حلب إلى «برزة» وجفل معه كثير من الناس، ولا شك أن ابن العديم تحمل إلى «برزة» مع سيده،

ثم سافر إلى غزة ومنها إلى مصر. فلما رأى أن التتار هزموا في عين جالوت سنة 658 ه، عاد أبن العديم إلى بلده وأهله، ولكنه شهد فيها الخراب والدمار، ولم يرق له العيش فيها، فهاجر إلى مصر وعاد إلى القاهرة، ولم يمض عام حتى قضى بظاهرها، في العشرين من جمادى الأولى سنة 660 ه.

قال فيه ابن شاكر الكتبي : «كان محدثاً فاضلاً ومؤرخاً صادقاً وفقيهاً مفتياً ومنشأً بليغاً، وكاتباً محموداً، درس وأفتى وصنف وترسلِ عن الملوك وكان رأسا في الخط ولاسيما في النسخ والحواشي». وقال عنه ياقوت : «قرأ الأدب وأتقنه ودرس الفقه فأحسنه ونظم القريض فجوّده وأنشأ النثر فزينه، وقرأ حديث الرسول وعرف علله ورجاله وتأويله وفروعه وأصوله».

للمؤلف عدّة كتب، ذكرها ياقوت في مؤلفاته، ومنها كتاب الدراري في ذكر الذراري وهو في أخبار الحمقى والنجباء، وما ورد في مدحهم وذمهم، وكتاب ضوء الصباح في الحث على السماح. وكتاب الأخبار المستفادة في ذكر بني أبي جرادة، في نسب أهله ومآثر جدوده وما لهم من فضل في القضاء والفقه والأدب والشعر.

وكتاب : «الإنصاف والتحري في رفع الظلم والتجري، عن أبي العلاء المعري، فقد ألفه ابن العديم في أبي العلاء وذكر أسرة الرجل. وكتاب في الخط وعلومه ووصف آدابه وأقلامه وضروسه. وتذكرة ابن العديم : وهي تتبع أسلوب القدماء في جمع ما يقع إليهم من أدب فيه الشعر والنثر والحكمة والموعظة وفيه التاريخ والعبرة.

وكتاب بغية الطلب في تاريخ حلب ذكره ياقوت بقوله» كتاب تاريخ حلب في أخبار ملوكها وابتداء عمارتها ومن كان بها من العلماء ومن دخلها من أهل الحديث والرواية والدراية والملوك والأمراء والكتاب».

عكف ابن العديم على تاريخ حلب، يكتب فيها على السنين بعد أن كتب على الحروف، فقد أراد أن يفعل كما فعل مؤرخو البلدان، ثم أراد أن يصنع ما صنع الطبري وابن الأثير وغيرهما، مقتصراً على ما يلم ببلده وما يتصل بها.

أراد ابن العديم أن يترجم لمن عاصره ويؤرخ لمن جاوره، فأفرد لهم كتابه« بغية الطلب »ثم جمع إليهم القدماء السابقين فكانت مادة التاريخ الكبير، فلما سار الكتاب بين العلماء والفقهاء والشعراء والأدباء، وشاع ذكره في الملوك والأمراء طلب منه الملك العزيز ( 436 -613 هـ ) أن يضع كتاباً على السنين

وأن يختصر كتابه الكبير «زبدة الحلب من تاريخ حلب» وجعل مقدمته شبيهة بمقدمته في كتابه الأول، فلا تكلف فيها ولا محاباة. ويقول ابن العديم في فاتحة الزبدة : «ورسمته بزبدة الحلب، لأنه منتزع من تاريخي الكبير للشهباء، المرتب على الحروف والأسماء».

بدأ «زبدة الحلب» بمقدمة موجزة بحث فيها تسمية البلد، واختلاف العلماء حولها وتطرق إلى المشارقة والمغاربة في أيامه، فبسط نظرياتهم في اسم «حلب »، ثم ذكر بناءها وتاريخ البناء، ثم عرض إلى حلب في الزمن القديم فذكر في اقتضاب أسماء ملوكها من يونان ورومان، وتطرق إلى ذكر النبي ( ص )،

وذكر الخلفاء الراشدين، وذكر الفتح وما وراءه من خبر خالد بن الوليد وعزله، ثم ذكر الولاة في حلب حتى عصر الأمويين فذكر وقائعهم وولاتهم وقصورهم في أطراف حلب وموقف السكان من حكمهم، وكذلك فعل في العباسيين فأورد أسماء ولاتهم وقضاتهم.

ولم ينس ابن العديم صلة مصر بحلب، فذكر الطولونيين والأخشيديين حتى تقلص ظل هؤلاء، وقام من الشمال رجال تحدروا من الموصل، فذكر سيف الدولة وحروبه، وذكر ابنه سعد الدولة وحفيده سعيد الدولة وما وقع لهما من معارك ضد المصريين.

وانفرد بين المؤرخين في تفصيل الأمر في المرداسية وهي دولة عربية، نبتت في صميم الشام، حاربت المصريين حيناً وخضعت لهم حيناً، ثم نهضت للروم حيناً وسكنت إليهم حيناً حتى انقضت المرداسية وقامت العقيلية، ثم تكلم عن الصليبيين وما أصاب الحلبيين من نعيم النضال وجحيم القتال، إلى أن يقف على حوادث سنة 641 ه.

لقد عمد المؤرخ إلى الأوراق القديمة والسجلات العتيقة والنقود الأثرية والأبواب والقناطر والأسوار والجدران فقرأ نقوشها وكتاباتها ونقلها إلينا نقلاً أميناً، عن لغات عربية وغير عربية، فاستعان بغيره في ترجمة اللغات الأعجمية، ولم يغفل عن ذكر من ترجم له أو أعانه.

وإذا كنا نأخذ عليه أنه أخطأ في الأسماء اليونانية، وفي تاريخ اليونان والرومان وترتيب ملوكهم وأمرائهم، فإننا نشكر له هذه التفصيلات الدقيقة في مراسيمهم وحفلاتهم وملابسهم ومراتبهم وألقابهم وهواياتهم وعاداتهم، فقد حفظ لنا ذلك ونقله إلينا، والغربيون أنفسهم يعودون إليه اليوم يتفقدون عنده من أمور البيزنطيين والصليبيين ما لا يجدونه في مصادرهم نفسها.

ولابن العديم فضيلة في تاريخه، ذلك أنه مؤرخ ينقل لنا العبارات المتداولة واللهجات السائرة، والأقوال والحوار كما جاءت في القديم، فهو بذلك مرجع لمن يريد أن يدرس اللغات واللهجات على مر القرون واختلاف البقاع والمناطق والأديان والمذاهب. كما يصف الهدايا والرسائل التي كانت تقرب بين الممالك وأسباب النزاع والتخاصم وشروط الهدنة وأخبارها.

هذه هي حلب في عهد ابن العديم، هذه سعتها ومكانتها، يقصدها العلماء والشعراء من كل مكان، يعمرون مدارسها وحلقاتها، ويملؤون صدر أهلها بالشعر والنثر، وهذا من الأسباب التي دفعت ابن العديم إلى أن يخصها بكتاب مفصل.

فيصل خرتش

*الكتاب:زبدة الحَلَبْ من تاريخ حلب

*الناشر:دار سعد الدين ـ حلب 2006

*الصفحات: 1160 صفحة من القطع الكبير