«يمكن للعامل أن يكون سيد المطرقة، إلا أن إمكانيات المطرقة أوسع. فالأداة على دراية تامة بوسائل استخدامها، في حين أن مستخدمها لا يملك سوى فكرة عامة عنها»، هذا القول بمثابة لمحة موجزة تعكس عمق وشمولية رؤية وفلسفة الكاتب التشيكي الشهير ميلان كونديرا.
ولد كونديرا في برنو في 1 ابريل 1929 في جمهورية التشيك، وساهمت بيئة عائلته ذات الثقافة الرفيعة في إغناء عالمه الفكري، إذ تعلم في طفولته البيانو بمساعدة والده الموسيقار، ليدرس بعد ذلك الموسيقى والتلحين مما كان لها أثر بارز على كتاباته لاحقا. وفي عام 1948 درس الآداب وبعد فصلين دراسيين، انتقل لدراسة السينما وكتابة السيناريو. وبعد تخرجه عام 1952 درس في ذات الجامعة الأدب العالمي. في مرحلة المراهقة، انضم إلى الحزب الشيوعي ليطرد منه مرتين بسبب أفكاره الفردية وعدم انصياعه لقواعد الفنون المفروضة من الواقعية الاشتراكية. وخلال مرحلة التدريس بدأ بكتابة القصص والروايات القصيرة مثل «المزحة» عام 1967 وفيها نقد للدكتاتورية في عهد الشيوعية. كما نشر عددا من المسرحيات التي حقق البعض منها نجاحا لدى عرضها. وفي عام 1973 نشر روايته «الحياة في مكان آخر» في باريس.
ومع الاحتلال الروسي لم يعد للفكر أية حرية وبعد ازدياد الضغوط على الأدباء انتقل كونديرا إلى فرنسا عام 1975، وبات مواطنا فرنسيا منذ عام 1981. وفي فرنسا، أعاد نشر عدد من أعماله مثل، «كتاب الضحك والنسيان» عام 1979 وفيه يتحدث عن معارضة التشيكيين للنظام السوفييتي بأوجه مختلفة. وعمله هذا بمثابة مزيج غريب بين الرواية ومجموعة القصص القصيرة.
ثم نشر في عام 1984 روايته التي حققت له شهرة عالمية «كائن لا تحتمل خفته». وابتداء من عام 1986 بدأ يكتب أعماله بالفرنسية، وأولها كتابه «فن الرواية» وتلاه بروايته «الخلود» عام 1990 ليتبعها بروايتيه الناجحتين أيضا «البطء» عام 1993 والهوية عام 1998، وآخر أعماله رواية «الجهل» ونشرت عام 2000.
وكونديرا يخلق شخصيات أعماله من الظروف والأحداث، ومن جملة ما يولد تحول الشخصية. فشخصياته مفتوحة على التأويلات والاحتمالات التي لا يمكن التكهن بها. وبذا فهو لا يهتم بالصورة الخارجية للشخصية ومن أين أتى، فهذا الجانب برأيه متروك لمخيلة القاريء واستنتاجاته.
وكثيرا ما يلجأ كونديرا إلى توريط شخصياته في الخديعة التي يحيكونها لغيرهم، كما أنه يلعب في المناطق الوعرة الأكثر قتامة في ذات الإنسان بفعل سريتها ووحشيتها الصادمة على خلفية مسرح النفس وهواجسها. وروايته الشهيرة «كائن لا تحتمل خفته» كتاب معقد، بنيت أحداثه على خلفية الاحتلال الروسي لتشيكوسلوفاكيا. ويتناول عدة محاور تعتمد على الخيال المقارب لحقيقة الواقع.
أبطالها كل من توماس الذي يعيش صراعا دائما بين أفكاره وعاطفته، وحبيبته الشابة تيريزا التي تعتبر جسدها بمثابة مرآة لعواطفها وروحها، والرسامة سابينا التي تعيش بهدف التمرد على كل ما يحيط بها، أما فرانز البروفيسور المقيم في سويسرا فهو عشيق سابينا الثاني الذي يتخلى عن زوجته ماري كلود وابنته ماري آن أسيرتا مظاهر الحياة، بهدف إخراج علاقته مع سابينا إلى العلن.
وتيريزا التي تكن حبا عميقا لتوماس، لا تستطيع احتمال مغامرات زوجها وإن كانت تحتفظ بألمها لنفسها. هذا الألم الذي كان بمثابة مولد للعديد من الكوابيس التي كانت تهيمن على توماس وتشده إليها ليزداد تعلقا بها، وكذلك الإحباطات التي يعيشها كل منهما.
وفي حين كانت تيريزا ترى بأن الحب والجنس متلازمان، كان توماس لا يجد أي رابط بينهما، ولذا فقد استمر بمغامراته العاطفية ومن ضمنها عشيقته الفنانة سابينا. كانت علاقات توماس النسائية تشعر تيريز بثقل الحياة بينما تمنح زوجها الإحساس بالخفة التي تكاد تكون غير محتملة لكينونته.
تحاول تيريزا لاحقا اختبار تلك الخفة من خلال مغامرة عاطفية، إلا أنها تفشل في تحقيق ذلك نظرا للهواجس التي هيمنت عليها نتيجة المغامرة والمرتبطة بالخلفية السياسية للواقع المتمثلة برجال الأمن الذين ينصبون الشراك للمواطنين للتمكن من ابتزازهم والامتثال لمتطلباتهم.
أما سابينا فكانت تحقق خفتها من خلال التمرد على حياتها بما في ذلك فن أسس الواقعية الاشتراكية لينسحب ذلك على علاقاتها بأسرتها ومن ثم الرجال. فما إن تكاد تتحقق أمنيتها حتى تتمرد عليها وربما على نفسها ولتستقر أخيرا في نيويورك حيث اعتبرت ذلك بمثابة خيانة لبلدها.
وتتجلى للقاريء رؤية كونديرا الملتبسة للحياة من خلال علاقة الزوجين توماس وتيريزا ومن ثم سابينا وفرانز. فليس هناك ما هو أبيض وأسود، أو صح وخطأ، فالظرف الواحد مفتوح على احتمالات يترك القرار فيها لاستنتاجات ورؤية القاريء نفسه، ومن خلال ذلك يتجلى إبداع المؤلف. بعد مضي سبعة أيام على الاحتلال، يهرب توماس وتيريزا إلى سويسرا ويبدآن حياة جديدة مستقرة برفقة كلبتهما العزيزة كارينين.
وفي حين يزاول توماس مهنته بنجاح فإن تيريزا التي ارتقت بعملها من ساقية في حانة إلى مصورة فوتوغرافية في إحدى المجلات، تفضل البقاء في المنزل نظرا لعدم حصولها على الفرصة التي تنشدها في تصوير واقع الحياة وليس الأزياء.
وحينما يعود توماس إلى مغامراته سواء مع سابينا التي هربت قبلهما أو مع العديد من النساء، فإن تيريزا تقرر العودة إلى بلدها بصورة مفاجئة بهدف تحرير توماس من العبء النفسي لوجودها معه. وما إن تمضي خمسة أيام على رحيلها حتى تفاجأ بعودته إليها. حينها فقط، تدرك أصالة حبه لها.
لكن سعادتهما لا تستمر طويلا، حيث يبدأ رجال الأمن بالضغط عليهما، ولا يجد توماس أمامه سوى العمل كمنظف للزجاج. ومن خلال مهنته الجديدة يكتشف خفة الحياة، في حين يشتد الثقل في حياة تيريزا لتخوفها من رجال الأمن وإحساسها بالذنب لكونها مسؤولة عن انحدار حياتهما.
ومع ازدياد الحصار عليهما، يقرران الانتقال إلى الريف، وهناك منحتهما بساطة العيش والتكرار المستمر للعادات سعادة عميقة، إلا أنهما يقتلان في حادث شاحنة كان يقودها توماس. أما بالنسبة لفرانز فيتم قتله خلال مشاركته في مسيرة الاحتجاج على حرب فيتنام في كمبوديا وبذا تضيع حياته هباء.

