في جعبة «المنظمة العربية للترجمة» حتى اليوم عشرات الكتب التي تم نقلها إلى العربية على أيدي أساتذة مرموقين تسد ثغرة كبيرة في فراغ المعرفة، هذا المشروع الهادئ الذي لا ضجيج له، والعملاق الذي يزداد طولا كل يوم يستحق وقفة إيجابية داعمة نظرا لما يحققه من إنجاز نهضوي لنقل المعارف ونشر الفكر من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية.

ولعل كثيرا من المتابعين لم ينتبهوا جديا إلى هذا المشروع الذي ولد أواخر التسعينيات من القرن الماضي وتأسس على فكرة تحقيق قفزة نوعية في حجم ونشاط الترجمة إلى اللغة العربية ومنها، وفي مختلف مجالات المعرفة والفكر الإنساني، وكانت المحطة الأبرز في أهداف هذا المشروع هي ترجمة العلوم وتنشيط البحث العلمي وعدم إيلاء الجانب الربحي دورا أوليا لأن الترجمة الربحية أضرت القارئ والثقافة بسبب أسلوبها وهدفها التجاريين.

لعل أبرز دور تقوم به المنظمة العربية للترجمة هو جودة الاختيار للكتاب المزمع ترجمته، وهو دور يأتي في المرتبة الأولى لخيارات الترجمة، حيث الكتب العلمية أولا وخاصة في عصر الثورات الرقمية وعصر سرعة الاكتشافات وتلاحقها، وهو هدف ينظر إليه من موقع الحاجة إلى هذا النوع من الكتب المحرضة على البحث العلمي والمشجعة لخوض سباقات الكشف، والتي تصبح دليلا مع مرور الزمن لجميع الباحثين.

لقد كان البحث عن حاجة الثقافة العربية إلى الكتب الضرورية لترجمتها هو أحد أبرز الأهداف، حيث يجري على الدوام إعداد لوائح بالكتب التي تستحق النقل إلى العربية، وكان هذا يتطلب أولا أن تقوم المنظمة بحصر ما هو مترجم أصلا ومتوفر في المكتبة العربية حتى لا يجري إعادة ترجمته ثانية، ولأن المنطقة العربية لا تتوفر فيها مراكز بحث دقيقة تهتم بهذه النوعية من الأعمال كانت مهمة المنظمة شاقة وبحاجة إلى كثير من الجهد والبحث والصبر.

والحديث عن المترجم من الكتب يقود إلى فوضى إعادة الترجمة وخاصة عن لغات وسيطة مثل ترجمة كتاب روسي عن الإنجليزية أو كتاب إسباني عن الفرنسية، فيذهب المعنى بعيدا ويبقى الورق حاضرا والجهد ضائعا، في حين كان سعي المنظمة للترجمة عن لغة أصلية، لأن ذلك يضمن دقة عالية، ويعطي مصداقية للكتاب، ولا يترك مجالا لتأويل غير صحيح، وخاصة أن كل كتاب يخضع لمراجعة دقيقة من قبل لجنة مختصة بالقراءة والمراجعة والتدقيق.

إن مشروع «المنظمة العربية للترجمة» ليس مشروعا حكوميا وليس ربحيا وهذا يعني ضمانا للاستمرار والمصداقية فلطالما كانت المشاريع الحكومية تولد في بيئة بيروقراطية يصيبها الملل والترهل رغم أهميتها، ولطالما كانت المشاريع الربحية لا تضع الثقافة والمعرفة والمنفعة العامة في حسبانها. لذلك يستحق مشروع «المنظمة العربية للترجمة» رفع القبعات احتراما.

hussain@albayan.ae